اشتباكات قبلية في دارفور تختبر متانة اتفاق السلام... فهل يصمد؟

اشتباكات قبلية في دارفور تختبر متانة اتفاق السلام... فهل يصمد؟

مشاهدة

20/01/2021

بعد أسبوعين فقط من خروج بعثة حفظ السلام الدولية من إقليم دارفور، وبعدما بدت الأجواء مستقرة إثر توقيع اتفاق السلام بين الحكومة السودانية والجبهة الثورية السودانية، ولإفساح الطريق أمام الحكومة المركزية لفرض سيطرتها والبدء في تنفيذ الاتفاق الذي وضع مخططاً لحفظ الأمن، تطوّرت مشاجرة بين قبيلتين إلى شبه حرب في غرب دارفور، أسفر عنها مقتل العشرات وجرح آخرين ونزوح عائلات بأكملها.

يتمثل الاختبار في قدرة الحكومة على فرض الأمن في المنطقة التي شهدت إبادة جماعية من نظام عمر البشير، وما زال أهلها يحملون في ذاكرتهم صور الحرب

الشجار الذي تدخلت فيه إحدى الجماعات المسلحة، واستخدمت فيه القبيلتان الأسلحة الثقيلة وقذائف الهاون، واستدعى بعد يومين من نشوبه قرارات من مجلس السيادة السوداني، هذا الشجار يضع الحكومة السودانية الانتقالية، ومن خلفها اتفاق السلام الموقع في جوبا في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، في اختبار حقيقي، في توقيت حرج للغاية.

ويتمثل الاختبار في قدرة الحكومة على فرض الأمن في المنطقة التي شهدت إبادة جماعية من نظام عمر البشير، وما زال أهلها يحملون في ذاكرتهم صور الحرب، بعدما ارتفعت الآمال بمستقبل مغاير في ظلّ الاتفاق الأخير.

هذا الشجار  يضع اتفاق السلام الموقع في جوبا في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، في اختبار حقيقي

وانتقد البعض تأخر ردّ الفعل الرسمي، فقد جاءت القرارات التي صدرت في 17 كانون الثاني (يناير) الجاري، بعد يومين من اشتعال الأحداث، فيما ينتظرون رؤية ما سيسفر عنه تدخل قوات الجيش والشرطة، وما إذا كان قادراً على استعادة الهدوء والسيطرة على الأوضاع.

اقرأ أيضاً: هل تحقق اتفاقية السلام في جوبا أهداف الثورة السودانية؟

لذا، فإنّ السودان الذي لم يغلق بعد صفحة النزاع الحدودي مع إثيوبيا غرباً، ولم يتوصل إلى اتفاق في أزمة سدّ النهضة، ولم يجنِ بعدُ ثمار رفع اسمه من قوائم الإرهاب الأمريكية، يعيش في مرحلة كتم أنفاس.

ولا تُعدّ التحديات الأمنية في وجه اتفاق السلام مفاجئة، ففي حوار نشرته جريدة الشروق المصرية، في 10 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، وصف رئيس الجبهة الثورية السودانية الدكتور الهادي إدريس ذلك التحدي بالأخطر.

 

إدريس: بند الترتيبات الأمنية من أصعب البنود في الاتفاق، لا سيّما الخاص بمسار دارفور، هذا بجانب الدمج في القوة المشتركة التي تتكون من 12 ألف فرد في المرحلة الأولى

 

وقال إدريس: بند الترتيبات الأمنية من أصعب البنود في الاتفاق، لا سيّما الخاص بمسار دارفور، هذا بجانب الدمج في القوة المشتركة التي تتكوّن من 12 ألف فرد في المرحلة الأولى، وتتضمن 6 آلاف جندي من الحركات المسلحة الموقعة على الاتفاق، و6 آلاف من الجيش والشرطة والدعم السريع والمخابرات، لحفظ الأمن في دارفور عقب خروج بعثة "اليومانيد".

اقرأ أيضاً: بالفيديو.. هكذا احتفل البرهان بتوقيع السلام في جوبا

وأضاف: إنّ "بند الترتيبات الأمنية بند معقد، ويحتاج إلى إمكانات ضخمة وخبرة وثقة، ونعتبره تحدياً بالغاً لكن نستطيع تجاوزه؛ لأنه بدون تحقيق الأمن فإنّ الاتفاق لا يمكن أن يتقدّم خطوة إلى الأمام، وقيمة الاتفاق، خاصة في مسار دارفور، هو الأمن".

وتابع خلال الحوار: كما أنه من حقّ النازحين أن يشعروا بالتغيير الحقيقي، وأساسه الاستقرار الأمني أوّلاً، لأنّه لا يمكن بناء مدرسة أو مستشفى أو تحقيق استثمار دون تواجد أمني، ولذلك أولويتنا تحقيق الأمن والسلم والاستقرار.

اقرأ أيضاً: قتلى وجرحى في اشتباكات دارفور... والحكومة السودانية تتدخل

وهناك تحديات أخرى، مثل "التدريب" فهل الحكومة لديها إمكانية لتدريب 12 ألف شخص؟ هذه مهمّة صعبة للغاية، كما أنّ عملية الدمج تحتاج لإمكانات مختلفة.

الأمم المتحدة قلقة

في غضون ذلك، أعربت الأمم المتحدة عن "قلق عميق" حيال الاشتباكات التي وقعت في ولاية غرب دارفور السودانية، وأوقعت العشرات بين قتيل وجريح، وذلك بحسب المتحدث الرسمي باسم الأمين العام ستيفان دوغاريك، في بيان نشره الموقع الرسمي للأمم المتحدة.

 فرضت السلطات المحلية بولاية غرب دارفور السبت الماضي حظر التجوّل بالولاية إلى أجل غير مُسمّى على خلفية أعمال العنف

وقد دعا الأمين العام السلطات في السودان إلى "بذل كلّ الجهود لتهدئة الوضع وإنهاء القتال واستعادة القانون والنظام وضمان حماية المدنيين"، بحسب ما أورده موقع "سبوتنيك".

جاء ذلك بعد قرار مجلس الأمن والدفاع في السودان بإرسال تعزيزات أمنية لولاية غرب دارفور، التي شهدت أعمال عنف أسفرت عن مقتل وإصابة العشرات، وذلك بهدف "تأمين المواطنين وحماية المرافق الحيوية"، وقرّر المجلس تشكيل لجنة عليا للتقصي والتحقق في أحداث الجنينة، وتحديد جذور المشكلة ورفع التوصيات بشأنها، وإنفاذ العدالة على الخارجين عن القانون ومحاسبة المتسببين في الأحداث.

اقرأ أبضاً: هل أضحى عبد الواحد المولع بالشعارات عقدة سلام دارفور؟

وقد فرضت السلطات المحلية بولاية غرب دارفور السبت الماضي حظر التجوّل بالولاية إلى أجل غير مُسمّى على خلفية أعمال العنف.

وقرّر والي غرب دارفور محمد عبد الله الدومة تفويض القوات النظامية باستعمال القوة، لحسم ظاهرة الخروج عن القانون، على خلفية اشتباكات بالجنينة أمس عقب مشاجرة بين شخصين أدّت إلى مقتل أحدهما.

حصيلة العنف وانتقال التوتر

ارتفعت حصيلة ضحايا الهجوم على غرب دارفور، الذي  نفذته ميليشيات مسلحة على غرب مدينة الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور غربي السودان، إلى 129 قتيلاً و198 جريحاً من بينهم أطفال حديثو الولادة، بحسب ما أورده موقع "المال"، نقلاً عن وكالة شينخوا الصينية.

وأظهرت مقاطع مصورة أهالي المنطقة وهم ينزحون حاملين بعض أثاثهم، وأشارت التقارير إلى اتساع القتال وإحراق مبانٍ عدّة.

اقرأ أيضاً: ترحيب دولي واسع باتفاق جوبا التاريخي في السودان

وفي السياق ذاته، أفاد موقع الحرّة انتقال القتال وأعمال العنف إلى مناطق جديدة، فـ"بالتزامن مع المواجهات العنيفة المستمرة منذ السبت في ولاية غرب دارفور، تجدّدت اشتباكات قبلية أخرى في جنوب دارفور الإثنين، فقد هاجمت عناصر من قبيلة الرزيقات قرية الطويل سعدون وقتلوا 47 شخصاً وأحرقوا عدداً من المنازل، بحسب المتخصص في قضايا دارفور عز الدين دهب.

وأفاد منسق معسكرات النازحين بإقليم دارفور الشفيع عبد الله، في حديث لـ"موقع الحرّة"، بأنّ الاشتباكات القبلية في غرب دارفور بدأت بمشاجرة بين شخصين، الجمعة، في مدينة الجنينة، تمّ فيها طعن أحدهما، وتوفي لاحقاً في المستشفى.

وبالرغم من أنّ القاتل الذي ينتمي إلى قبيلة المساليت ذات الأصول الأفريقية سلّم نفسه لمركز الشرطة، فإنّ أهل القتيل الذي ينتمي إلى قبيلة الرزيقات ذات الأصول العربية، هاجموا معسكر النازحين بكريندق، فتحوّل الصراع إلى قضية قبلية، تمّ فيها استخدام الأسلحة البيضاء والنارية، ثمّ تطوّر إلى تدخل ميليشيات مسلحة في القتال.

ويوضح دهب أنّ "الصراع بين القبيلتين قضية قديمة ومتجددة، تعود إلى بداية التسعينيات، وتتجدد بأساليب مختلفة بسبب هشاشة الأوضاع الأمنية والقصور لدى أجهزة الدولة المتعلق بضعف الأجهزة الأمنية والقانونية، إضافة إلى منهج المصالحات القبلية الذي يتمّ، والذي لا يُعالج المشكلة بشكل جذري". 

الصفحة الرئيسية