معركة السودان التربوية: التدين الشعبي بمواجهة "الدين الجديد"

صورة جهاد حسين
باحث في الفكر الإسلامي وأصول المعرفة
1020
عدد القراءات

2017-11-27

تأخذ التربية مكانة أساسية في تشكيل الواقع العربي والإسلامي ويتأثر بها وتتأثر به؛ كونها المنظومة التي تكوّن المفاهيم والأفكار والتصورات في العقل، وتنعكس بصورة مستمرة كممارسات في الواقع، خصوصاً تلك التي نسميها بالتربية الدينية، وهي المنوط بها تشكيل الوعي الروحي والإيمان لدى الأجيال، والتي يبدو أنّها ما تزال لا تبرح الرؤى والمقولات التقليدية والتراثية، ومع ذلك تتجاذبها أطراف ومذاهب عديدة تريد وضعها بحسب المرجعية الخاصة بها.
توجهات تعديل المناهج وتداعيات التطرف
وواقع التربية الدينية في السودان ليس ببعيد عن التداعيات الفكرية والدينية التي تضرب آثارها العالم العربي والإسلامي؛ فالتوجهات التي انتهجتها وزارة التربية الداعية إلى إعادة النظر في منهج التربية الدينية، وعلى وجه الخصوص باب العقيدة، تحكمها اعتبارات كثيرة ترتبط معظمها بموجة التطرف التي تضرب العالم، ويعزوها كثيرون إلى المناهج التربوية الدينية التي تُدرَّس للشباب في المدارس والجامعات.

قوبل هذا الأمر باعتراضات كثيرة من التيارات الإسلامية المحافظة عامة والسلفية بالأخص، كون المنهج تم وضعه برؤية سلفية؛ وقد بررت الوزارة هذه الخطوة بالقول على لسان مدير المركز القومي للمناهج الأستاذ معاوية قشي، أنّ المنهج لا يناسب مستوى الطلاب، خاصة فيما يتعلق بالأمور التي اختلف حولها العلماء، تلك المتحدثة عن تنقية العقيدة من الخرافات، وقد اعتبرت تيارات، على رأسها الإخوان المسلمون، أنّ هذه خطوة "تقود إلى الفتنة" ليتفقوا مع رؤية جماعة السلفية أو أنصار السنة، جاء ذلك على لسان مراقبها العام علي جاويش.

ارتبط التعليم الديني بالمعاهد التي كان يقوم عليها الكهنة المنادون آنذاك بربوبية الملك

من جانبها احتفت التيارات الصوفية والأشعرية بهذا النهج الذي انتهجته الوزارة ودافعت عنه، داعية إلى المزيد من التنقيح والحذف كون المنهج لا يتفق مع رؤيتهم حول العقيدة والمسائل الفقهية، خصوصاً تلك التي يختلفون حولها مع السلفيين، ليخلق هذا الاحتراب حالة من التوتر بين التيارات الدينية في السودان، مما جعل الأنظار تلتفت إلى واقع التربية الدينية في المدارس والجامعات.

 

جذور التربية الدينية في السودان

عرف السودان التعليم الديني قديماً في فترة الحضارة المروية وحضارة كوش وما قبلهما، حيث ارتبط التعليم الديني بالمعاهد التي كان يقوم عليها الكهنة المنادون آنذاك بربوبية الملك، فكانت التربية الدينية تقوم على فكرة الخضوع للملك وأوامره، وانخرط التلاميذ في الجندية لصالح الملك بعد تلقي التربية الدينية اللازمة، ولكن عند دخول المسيحية تبدلت الكثير من المفاهيم التربوية؛ فتولّت الكنيسة أمر التربية والتعليم على اختلاف مناهج الكنائس. وقد عرف السودان أنماطاً من الكنائس نشأت في كنف دولتيّ؛ علوة والمقرة، وكانت تتلقى دعم نظيراتها من الكنائس المصرية، وهكذا تولت الكنيسة في السودان المسيحي أمر التربية، والتي كانت تقتصر على التعليم الديني.

السلفية هي صاحبة الصوت الأعلى في الاحتجاج على تغيير منهج التربية الدينية والأكثر تصادماً مع الدين الشعبي السوداني

أما التربية الدينية الإسلامية والتي يدور حولها الجدل الآن فارتبطت بظهور الخلاوي، وقد كانت خلاوي الغبش في بربر، إحدى مدن ولاية نهر النيل وتقع شمال السودان الآن، هي أولى المؤسسات الصغيرة التي كانت تعنى بالتربية الدينية. تعرف الخلوة بأنّها مكان لتحفيظ القرآن وتعاليم الإسلام، وتشبه مؤسسات محلية تربوية كثيرة انتشرت في العالم الإسلامي القديم؛ كالمحضرة في موريتانيا، والزاوية في مصر. كان المنهج يقتصر على التربية الدينية وما يرتبط بها؛ إذ كان يتم تحفيظ القرآن وألفية بن مالك في النحو للطلاب، بجانب تعليم أسس القواعد النحوية والصرف، وقد ظل هذا الدور مستمراً حتى الآن.
إنّ أحد النماذج لمتون عقيدة الدين الشعبي التي كانت تدرس في السودان القديم إبان تعليم الزوايا والخلاوي، هي ما عرفت في الأشعرية بمتن الخريدة البهية، وهي نظم شعري يوضح مذهب الأشاعرة في التوحيد والصفات، ألفها أحد فقهاء المذهب الأشعري يدعى أبا البركات أحمد الدردير، لكنها أخذت بالتلاشي تدريجياً مع مرور الزمن، خاصة مع دخول المدارس النظامية؛ فلم تعد التربية الدينية الحديثة تهتم بتدريس أصول المذهب الأشعري ولا حتى المالكي. وكانت قبل التعديلات الأخيرة تستجيب أكثر للصوت السلفي والمذهب الحنبلي بتأويلات وهابية، مع إقصاء للمنظومة العقدية التقليدية المتوارثة، وذلك بإهمالها ومهاجمتها تحت ذريعة كشف ضلالاتها وانحرافها.
مستجدات دينية على السائد
يبدو أنّ المجتمع السوداني الراهن لم يبقَ على حاله فيما يتعلق بتصوراته الدينية ومذاهبه الفقهية والعقدية بالتحديد، فقد دخلته الحركات الإسلامية الإصلاحية ذات المنزع السياسي بأطيافها المختلفة، والسلفية الحنبلية متمثلة في المذهب الوهابي. ويمتلك كل واحد من هذين المكونين رؤية مختلفة عما هو سائد في السودان، والذي يمكن تسميته بالدين الشعبي، ويعد امتزاجاً بين الأشعرية والتصوف والمذهب المالكي.

التصورات الدينية بالمجتمع السوداني الراهن تأثرت بدخول الحركات الإسلامية ذات المنزع السياسي بأطيافها المختلفة والسلفية

أرادت الحركة الإسلامية عند دخولها وانخراطها في المجتمع السوداني إشاعة الإسلام بوصفه ثورة سياسية متعددة الاتجاهات تتوحد كلها في الدولة، فكانت غاية التربية الدينية، عندما تمكنت هذه الحركة من حكم السودان، هو التمكين المفاهيمي والعقدي لمسألة العلاقة بين العقيدة والدولة، وهذا ما لم يألفه الدين الشعبي الذي تتبنى فيه السياسة الشؤون العامة، تاركة التربية الدينية والعقدية للمجتمع وميراثه الفقهي والعقدي. لقد كان دخول منهج الحركة الإسلامية ضمن التربية عملاً غريباً على المجتمع، حتى وصل الأمر للدرجة التي جعلت الناس ينادونه بـ"الدين الجديد".
لم يكن الدين الشعبي يعتقد أنّ الكلام في الإمامة من ضمن الأصول، الأمر الذي يضع الأمور السياسية تحت دائرة الأحكام التقديرية الإنسانية التي لا يقع فيها تكفير، بما يضمن مساحة كبيرة من التعدد والاختلاف.

رؤية إقصائية في صياغة العقل السوداني
هدفت استراتيجية الحركة الإسلامية السودانية منذ وضعها إلى جعل منهج التربية ضمن مشروعات الحركة، ونادت في مشروعها التربوي بالعودة إلى الذات والنأي عما أسمته بالتغريب، فنتج عن ذلك بصورة مباشرة تعريب التعليم الجامعي، والاهتمام بالتربية الدينية، وعقد معاهدات مع المراكز والمعاهد التربوية في العالم الإسلامي ضمن استراتيجية التعليم"1992-2002".

رغم التحفظات الكثيرة على منهج التربية الدينية بالجامعات إلا أنّه ليس ضمن المراجعات التي تقوم بها الدولة حالياً

تركز المناهج الجامعية في التربية الإسلامية في عهد الحركة الإسلامية على إظهار الخصوم السياسيين والأيديولوجيين بمظهر دعاة التغريب، ويصل الأمر إلى حد التكفير فيما يخص العلمانية والديمقراطية ودعاتها، مع تثبيت وتأصيل وتمتين رؤيتها حول الدولة تحت مسمى أركان الدولة الإسلامية، وهنا يتم إدخال مفاهيم كالحاكمية والجهاد وأهل الذمة، وتقسيم الدولة في الإسلام إلى دار حرب وهي كل ما يقع خارج دائرة حكم الإسلام، ودار إسلام وهي ما يحكم فيها الإسلام، لتصبح التربية الدينية هنا أداة من أدوات التمكين السياسي، وإعادة صياغة للعقل السوداني وفق رؤية إقصائية يتربى عليها الشباب، ويمكن تلخيص ذلك ضمن المنهج الجامعي للتربية الإسلامية الذي يشمل: دراسة النظام الاجتماعي للإسلام شاملاً الحديث عن الأسرة والزواج ومكانة المرأة، والنظام السياسي في الإسلام الذي يحمل مفهوم الدولة في الإسلام ويركز على الحاكمية ومفهومها، كما هو معلوم لدى سيد قطب والمودودي، دراسة مقارنة للنظام السياسي في الإسلام وهو مقارنة بين النظام الإسلامي والأنظمة الأخرى، إضافة إلى مسألة الغزو الفكري وتشمل العلمانية والديمقراطية والشيعة ضمن الرؤى المنحرفة والفرق الضالة.

ورغم التحفظات الكثيرة على منهج التربية الدينية في الجامعات خلال عهد الحركة الإسلامية أو ثورة الإنقاذ، إلا أنّه ليس ضمن المراجعات التي تقوم بها الدولة في الوقت الراهن.
احتجاج السلفية الوهابية
إنّ المدرسة السلفية هي صاحبة الصوت الأعلى في الاحتجاج على تغيير منهج التربية الدينية في السودان داخل مرحلتيّ؛ الأساس والثانوي، وهي المدرسة الأكثر تصادماً مع الدين الشعبي السوداني؛ وظلت تلقي بسهامها تجاه الدين الشعبي منذ دخولها السودان في أوائل القرن العشرين، بوصف هذا الدين مزيجاً من العقائد الصوفية الفاسدة الواجب تطهير المجتمع منها، رافعة شعار التوحيد كما جاء ملخصاً عند محمد بن عبدالوهاب، وهو شعار بدأ يتسلل شيئاً فشيئاً حتى وجد مكانة له في منهج التربية الدينية، ويحمل دلالات سلبية بالنسبة للدين الشعبي؛ إذ هو بالنسبة للأخير، دين يحمل تصورات دخيلة في باب الإيمان والتوحيد.

قوبلت توجهات تعديل المناهج التي وُضعت أصلاً برؤية سلفية باعتراضات كثيرة من التيارات الإسلامية المحافظة عامة

يحتوي المنهج على التوحيد كما يعرفه التيار السلفي؛ التوحيد في صورته التثليثية كما بيّنه ابن تيمية ومحمد بن عبدالوهاب، وهذا يعتبر عند الدين الشعبي والمتصوفة أمراً مرفوضاً ودخيلاً، وذريعة للتكفير ولاتهامهم بالشرك في بعض ممارساتهم الدينية؛ فالتيار السلفي يصر على بقاء باب التوحيد كما جاء عنده؛ إذ ينقسم إلى توحيد ألوهية وربوبية، وأسماء وصفات، وهو تقسيم غير متفق عليه كون التصورات حول الربوبية والأسماء والصفات لم تكن موحدة بين مجمل الطوائف والمذاهب الفقهية والكلامية في تاريخ الإسلام.
ويروج التيار السلفي في السودان لرؤيته حول التوحيد بوصفها حقيقة الإسلام كما جاء في الصدر الأول، وهو التقسيم الذي تعتبره التيارات الصوفية والأشعرية السودانية مدخلاً لتكفيرهم أيضاً، فقد أشار الوزير الأسبق لوزارة الإرشاد وأحد مشايخ المتصوفة الشيخ محمد الياقوتي، إلى أنّ دروس التربية الدينية في المدارس والجامعات هي "المسؤول الأول عن التطرف الديني ونزوع الشباب نحو التكفير".

ارتبط التعليم الديني بالمعاهد التي كان يقوم عليها الكهنة المنادون آنذاك بربوبية الملك

يتعلق الباب الآخر المحذوف من مقرر الصف السادس الإعدادي بالفقه والعقيدة؛ إذ يحتوي على درس تنقية العقيدة من الخرافات، وهي التمائم والتمسح بأضرحة أولياء الله الصالحين والتوسل بهم، وكلها أمور مصاحبة للتدين الشعبي السوداني منذ دخول الإسلام للسودان. ويرفض التيار الصوفي في السودان تسميتها بالخرافات والشوائب، ويرى أنّها أمور خلافية تحمل أدلة عليها عند من يعتقدون بها.

إنّ حذف درس كدرس "الإسلام دين التوحيد" من المنهج يعتبره التيار السلفي أمراً دُبِّر بليل من الطرق الصوفية؛ بل إنّ بعضهم يعده استجابة للدعوات التي أطلقها الشيخ الصوفي المعروف علي الجفري عند زيارته للسودان قبل عامين؛ حيث طالب من نائب الرئيس، في محاضرة عامة، بضرورة وقف العبث بمنهج التربية الدينية الذي تمارسه الوهابية، على حد تعبيره، الأمر الذي أغضب التيار السلفي في السودان فصدح أكثر من ثلاثمائة مسجد في العاصمة الخرطوم بخطب تهاجم وزارة التربية على خلفية حذف الدروس ومشروع تنقيح منهج التربية الدينية، وقد ربط الرئيس العام لجماعة أنصار السنة إسماعيل عثمان، بين زيارة الجفري ومشروع تنقيح المناهج، واعتبره تدخلاً في سيادة السودان.

اقرأ المزيد...

الوسوم: