ماذا تفعل أغنيات العالم وموسيقاه في زمن التوحش؟

1196
عدد القراءات

2017-11-16

ليس جديداً، ارتباط الغناء بأغراض الحماسة، والحضّ على الدفاع عن الأوطان، ومواجهة الظلم بكل أشكالها؛ بل إنّ مراجعة سريعة حتى لعيون الموسيقى "الكلاسيكية" تضعنا حيال لائحة من أعمال قصد أصحابها أن تكون "وطنية" تثير حماسة المقاتلين. خذ "افتتاحية 1812" لتشايكوفسكي كمثال في مواجهة غزو نابليون لروسيا، أو سيمفونية بيتهوفن الثالثة "البطولة"؛ بل خذ أغنيات المقاومين اليساريين الإسبان، ولاحقاً الفرنسيين، وخذ بعض أغنيات المقاومة الفلسطينية وقليلاً من أناشيدها.

كذلك لم تعد الموسيقى المعاصرة، مجرد أغنيات وألحان وجدانية تستغرق في العواطف الذاتية، بل راح المحتوى الاجتماعي - الثقافي، يرافقها شكلاً ومضموناً. وقد تكون الجملة التي قالها المفكر البريطاني برتراند راسل: "أعط السلام فرصة"، محرضاً جمالياً للفريق الغنائي (البيتلز)، مثلما هي تجربة فريق الروك الشهير "بنك فلويد"، التي لا تبدو منفصلة عن رسالة حفل "لايف أيد" في ملعب ويمبلي بلندن وفيلادلفيا بأمريكا 1985: الغناء لنصرة ضحايا الجوع في أفريقيا.

لم تعد الموسيقى المعاصرة، مجرد أغنيات وألحان وجدانية، بل راح المحتوى الاجتماعي - الثقافي، يرافقها شكلاً ومضموناً

وفي ثمانينيات القرن الماضي أيضاً، نشط المغني الإنجليزي ستنغ، والفريق الغنائي الأيرلندي "يوتو"، المغني الإنجليزي بيتر غبريال، والمغنية الأمريكية تريسي تشابمان، ضمن جولة غنائية أخذتهم إلى غير عاصمة غربية، وانتظمت انتصاراً لحقوق الإنسان.
"ملعب ويمبلي" ذاته شهد عام 1989 تجمعاً غنائياً ضخماً، من أجل التذكير بضوء شمعة نيلسون مانديلا للاحتفال بعيد ميلاده السبعين وهو في السجن. وكانت التظاهرة واحدة من التغييرات العميقة التي طالت مفهوم الأغنية والموسيقى في عصرنا، والتي أبعدتها عن مجرد كونها وسيلة للتسلية العابرة.
لفلسطين حرية وسلام
وفي العام 2001 غالب الموسيقار اليوناني الشهير ميكيس ثيودوراكيس، أعباء السنوات، حين وضع الكوفية الفلسطينية على كتفيه، في ميناء قريب من العاصمة اليونانية أثينا، وهو يتقدم حفلاً موسيقياً للتضامن مع الشعب الفلسطيني. ولم يبدُ الحدث بعيداً عن مسار الرجل الذي أعاد توزيع موسيقى النشيد الوطني الفلسطيني عام 1981 في خطوة رمزية عبّر من خلالها عن تضامنه مع الفلسطينيين وقضيتهم العادلة. وهذا يتصل بما قدمه صاحب موسيقى "زوربا" من أنغام، فهو كان منسجماً مع فكرة الحرية والنضال بلا هوادة ضد القتلة، ودفع ثمناً باهظاً من حياته، حين أودع السجن جراء نضاله بالموسيقى الرفيعة ضد الديكتاتورية العسكرية التي حكمت بلاده في ستينيات القرن الفائت.

بوتين يضيق ذرعاً بأغنية طالبة فلسفة
يبدو أنّ ديمقراطية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بلغت حداً من التهافت حين ضاقت ذرعاً بأغنية قدمتها ناديا تولوكونيكوفا، فأمر باعتقالها العام 2012 وترحيلها إلى معسكر اعتقال يبعد 600 كيلومتر عن مكان إقامة عائلتها في موسكو، في استعادة على ما يبدو لطريقة الديكتاتور الروسي ستالين في إبعاد معارضيه إلى معسكرات الموت في سيبيريا.
وناديا (23 عاماً) مغنية في فرقة "بوسي رايوت"، وطالبة في كلية الفلسفة، وأوقفت مع زميلاتها أثناء أداء أغنية تنتقد بوتين ومساندة الكنيسة الروسية له.
ومنذ تلك الحادثة، تحولت فرقة "بوسي رايوت" إلى رمز للاحتجاج على نظام الرئيس بوتين الذي عاد إلى الرئاسة في العام 2012 لولاية ثالثة يشوبها انتشار الفساد وانتهاك الحريات.

الغناء في مواجهة الإرهاب
المغني البريطاني المعروف ستنغ، أعلن ميداناً جديداً لإبراز الجانب الاجتماعي- الثقافي للموسيقى المعاصرة، عبر إحيائه حفلاً في مسرح "الباتكلان" الباريسي 2016، بعد عام من إغلاق أبوابه، حين هاجمه عدد من الإرهابيين أثناء حفل لفرقة غنائية أمريكية ما أدى إلى سقوط 130 ضحية.
المغني البريطاني الذي سبق له أن زار العاصمة الأردنية عمّان العام 2000 صحبة المغني الجزائري الأصل الشاب مامي لتقديم الأغنية المحتفلة بروح الشرق "وردة الصحراء"، شدّد على أنّ الحفل يأتي تكريماً لذكرى الضحايا واحتفالاً بـ"الحياة والموسيقى اللذين يمثلهما هذا المسرح"، فيما ستذهب عائدات الحفل عوناً للناجين من ضحايا الهجمات الإرهابية التي طالت العاصمة الفرنسية، في 13 نوفمبر 2015، وأكثرها وحشية، تلك التي استهدفت المسرح الباريسي الشهير.
ويأتي الحضور الفني – الاجتماعي الجديد للمغني ستينغ تضامناً مع ضحايا الإرهاب وانتصاراً لقيم الحياة، مكملاً لسلسلة من المواقف الفكرية المتقدمة التي سجّلها المغني الإنجليزي ولا يمكن فصلها عن دراسته للأنثروبولوجيا، وخاصة التذكير بفضل الفيلسوف كلود ليفي شتراوس صاحب "الفكر البري" عليه، فهو كان مشرفاً على أطروحة الموسيقى التي أهلته كي يكون أستاذاً للإنسانيات في جامعة لندن قبل احترافه الغناء والموسيقى.

ضد الموسيقى .. ضد الحياة
رغم التأثيرات الرهيبة لوجود المجموعات المتطرفة السلفية وسيطرتها الثقافية والاجتماعية في السنوات العشرين الماضية على مناطق واسعة في بلدان عربية عدة، وتحريمها الموسيقى ومناهضة رموزها ومبدعيها واستهدافهم اغتيالاً واعتقالاً، إلا أنّ تلك الوقائع السود قدمت خلاصة فكرية واضحة مفادها أنّ من يستهدف الموسيقى بالتحريم تارة وبقتل أصحابها تارة أخرى، إنما يقتل روح المجتمع وثقافته وحريته، بل يعدم فيه الحياة. لذا لا نجد اليوم حدثاً موسيقياً وغنائياً عربياً رفيعاً من بغداد إلى سوسة بتونس مروراً بالقاهرة وعمّان وبيروت، إلا ويحتفي بعمل فردي أو جماعي، يرد بالجمال النغمي على غول التطرف ووحش التحريم.

من يستهدف الموسيقى بالتحريم تارة وبقتل أصحابها تارة أخرى، يقتل روح المجتمع وثقافته وحريته ويعدم فيه الحياة

المؤسسات الراعية للعمل الموسيقي عربياً، مدعوة للحوار مع أبرز مبدعي النغم في ثقافتنا للتصدي للتطرف وثقافة العنف، فثمة من يرى أهمية تقديم أعمال غنائية- موسيقية خاصة في مواجهة الإرهاب، تتصل بالشكل ذاته الذي عرفته مرحلة "الأغنيات الوطنية والثورية"، بينما يرى فريق آخر أنّ رسالة ثقافية تنويرية يمكنها التصدي للتطرف والقسوة والظلم، عبر أعمال موسيقية ونغمية وفنية تراعي المعايير والقيم الفنية الرفيعة، بغض النظر عن مهمة تجنيدها في التعبير الحماسي عن هذه القضية أو غيرها، فيكفي تماماً أنّ تشيع الجمال الموسيقي والغناء الأنيق.

*كاتب وناقد عراقي مقيم في واشنطن

 

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: