لماذا يخاف العالم من النساء؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
12927
عدد القراءات

2017-11-21

ما الذي يختبئُ في أذهان مجانين اليقين؟ وما هو الخيط المشترك بين كلّ هؤلاء الأصوليين، أو الدينيين، أو السياسيين، الذين هم على استعداد لأيّ شيء، للقتل وللموت أيضاً، من أجل "الحقيقة"؟ ألا توجد وراء كلّ خطاباتهم نفسُ الأمراض: عصابٌ ذُكوريّ نمطي؟ وإحباطاتٌ جنسية، ورهابُ المرأة، وكراهية الآخرين، وكراهية النفس: ما الذي يحكم هؤلاء الرجال الذين يدّعون حُكم الآخرين؟
سواء ادّعوا دينَ الكتاب السماوي، أو الكتاب الأحمر الصغير، فإنّ مُتعصّبينا الجدد هم ورثة تقليدٍ نفسيّ متصلّب قديم، يبدو جزءاً لا يتجزأ من أنْسَنَةِ القرود الشجرية. الإيمانُ يُحرّك الجبال، ويمكن أنْ يُدمّر ناطحات السحاب، ولكنّ للإيديولوجيات فعاليتَها أيضاً، فمِن محاكم التفتيش إلى عمليات التطهير الستالينية، إلى الحلم النازي، والنقاء العرقي- وريث إسبانيا توركيمادا- إلى البِيتِينِيّة المريضة (نسبة إلى الماريشال الفرنسي فليب بيتان ( Philippe Pétain)، رئيس الدولة الفرنسية  1940-1944)، ومستقبل العقيدة الماركسية المُشرق، فإنّ ترقية مستقبلٍ مُنقَّى تُغيّر شكلها، لكنها نُظهِر نفس الإغراءات الشمولية، ونفس الروايات المِسيانية (الرسولية)؛ لأنّ التعصّبَ، هو نفسه في كلّ العصور، حتى لو كانت قوةُ سِحره متغيّرة. إنّنا نجد في كلّ المجتمعات، حبّةَ الجنون هذه، ونواةَ هؤلاء المهوُوسين، المُجنّدين وراء الريشة البيضاء لقائدٍ يبحث في هوسٍ عن عملٍ حاسمٍ، وعن حلٍّ نهائي، لقد أثبتت حالات الانتحار الجماعية في غيانا، أو معبد الهيكل الشمسي، إلى أيّ مدى يمكن أن يذهب التأثير القاتل لنبيٍّ نصّب نفسه نبياً! هتلر، موسوليني، ستالين، بن لادن، ...إلخ.

مرض الفحولة!
التعصبُ؛ هو دينُ الأب الذي يُطيع جنونَ الأقوى، والصعودُ إلى الحدود القصوى هو عُصابٌ ذكوري بامتياز، مرضُ الفحولة، قِصصُ صراعاتِ رجال فيما بينهم، رجالٌ يقارنون بعضهم ببعض، رجالٌ يَقيسون قوّتهم عبثاً، حتى الموت. وهذا لا يعني أنّ النساء، ولا سيما الأمهات، لا علاقة لهنّ بهذا الحدث المأساوي، لديهنّ نصيبهنّ من المسؤولية، بطبيعة الحال، فهنّ اللواتي ربَّين هؤلاء الأولاد الكبار! ونحن نعرف مدى التبجيل الذي تحاط به الأمهاتُ في الإسلام، لكننا، على أية حال، لا نجد نساءً انتحاريات، ولا نساء مُغتصِبات، ولا نساء غلمانيات، نحن لا نرى، في الوقت الراهن، مع بعض الاستثناءات، نساء سائرات في طريق التحرر يطالبن أيضاً بالتكافؤ في مجال الجريمة.
"خبِّئِي هذا النهد الذي لا أطيق رؤيته!" هكذا قال طرطوف في ملهاة الكاتب الفرنسي موليير. فلنأخذْ حُكمَ طالبان الراحل كعدسةٍ مكبرة، كمِرآةٍ مُكبّرة، ككاريكاتير لهذياننا، وزلاتنا، وشططنا، نحن الذين اخترعنا حزام العفّة والحروب الدينية. ها هو ذا عالَمٌ بلا وجوه، قومٌ يحجبون وجوهَهم، يَختبئون، ونظامٌ أصبح النظرُ فيه فاحشة.
حتى البوذات (مفردها بوذا)، هؤلاء الغرباء عن الإسلام، يشوَّهون، لإطاعة القانون.

الإيمانُ يُحرّك الجبال، ويمكن أنْ يُدمّر ناطحات السحاب، ولكنّ للإيديولوجيات فعاليتها أيضاً

إخفاء، إخفاء! أفغانستان، طالبان، تبدو وكأنها بالِيهْ من الأقنعة، سواء كانوا مُلتحِين، أو خلف شبابيك وأقنعة، كيف لا نشتبَه بمجتمع يضاعف الحواجز، ويُثخّن الأحجبة، أنّه يُخفي شيئاً، وأنّه يعاني من كربٍ سري؟ ففي هذا النظام، الثيوقراطي البطريركي، يتعيّن على النساء أنْ يراقبن تصرفاتهنّ جيداً؛ فهنّ دائماً غير مرئيات في جحورهنّ، تحت بُرقعهنّ الشبَحِي، فإنْ هنّ خالفن قانون الأقوى، فُجِّرت رقابهنّ في العلن، وهنّ جاثيات على ركبِهنَ في الملاعب، التي تُذكّرنا بملاعب اليونان القديمة. تماماً كما كانت محاكم التفتيش فيما مضى، في إسبانيا، وفرنسا، والولايات المتحدة، تحرق الساحرات في الأماكن العامة. لماذا كلّ هذه الكراهية؟ كلّ شيء يَحدث في هذه الأكوان "الطهُورة" المتزمّتة، كما لو كان الاختلاف الجنسي عارٌ مُخجل، كما لو كانت الأنوثة تنطوي على خطرٍ غامض، الموتُ أفضل منه ألف مرة. طالبان لا يخافون الموت، هذا صحيح: لكنّهم يخافون النساء. وبتعبيرٍ أدق: يخافون من اختلاف الجنسين، وربما من الفرق نفسه.

الخوف من الجنس اللطيف!
حجاب الأفغانيات، واغتصاب نيويورك، وَجهان لنفس الحركة، فعلانِ مُمِيتان، إنكارِيّان، مُذهلان ومتناظِران، أنجزتهما نفسُ الجهة، وألهمَهُما نفسُ الخوف؟ في صحيفة "لوموند" في 11 تشرين الأول (أكتوبر) عام 2001، لفتت الكاتبة باتريس دي بِيرْ الانتباهَ إلى "الخوف المذعور ممّا يُسمّى بالجنس الضعيف"، وهو الخوف الذي يمكن إدراكه في الحالة الكامنة في كثير من أنحاء العالم الإسلامي، والذي بلغ أوجَه بين الإسلاميّين تحديداً، من الجزائر العاصمة إلى كابول، مروراً بطهران. وكما قال بن لادن: "نحن نحبّ الموتَ أكثر مما تُحبّون أنتم الحياة". هل عكس هذا الشغف بالموت والكراهية تجاه الأنوثة بصفتها حامِلةً للحياة؟ شهداء الجهاد، وإرهابيو الجماعة الإسلامية في الجزائر GIA، وانتحاريو نيويورك، وغيرهم من الذين ضحّوا بأنفسهم باسم الربّ، وأوّل ضحايا أعمالهم قد يكونون "أطفالاً" مرعُوبين. ومن هنا جاءت النشوة الكونية الكبرى، والشكل النهائي للاتحاد مع الخالق، كالتي نجدها أيضاً في القِبالة العِبْرِيّة، (القِبالة هي التفسير الباطني للتوراة)، حول اللحظة الأخيرة كنشوة صوفية.
لكن، ما الذي يجعل كائنات بشرية قوية جداً، ونقيّة جداً، ومنتصرة جداً، يحمِلون هذا القدر الهائل من الخوف والهلع من النساء، ومن نساء "ضعيفات" إلى الحدّ الذي يجعلهنّ مُفرطات في حبّ مُعذِّبيهنّ؟ ولماذا هؤلاء الرجال الذين لا يكفّون أبداً عن تأكيد سلطتهم الذكورية، وإثبات ذلك من خلال تربية اللحَى وإطالتها، واحتقار زوجاتهم، والتضحية بأنفسهم، لماذا يُجهِدون أنفسهم حتى تصبح فحولتُهم مرئيةً جداً، وصارخة؟ هل لديهم شكّ حول هذه الفحولة، هم أصحاب اليقين المطلق الذين لا يشكون في أيّ شيء؟
فليطمئنْ عناصر طالبان! فهم ليسوا وحدهم، "اضطراباتُ الهُوية الذكورية ليست مقتصرة وحصرية على العالم الإسلامي، فمعظم الشباب يمرّون بهذا الاختبار المؤسِّس للشكّ؛ لأنه تبيّن أنّ الذكور من جنسنا، ليس لديهم سلطة على نزوات غريزتهم الجنسية، فبحسب المحلل النفسي ديدييه دوماس: "إذا كان الخوف من فقدان الذكورة عنصراً محورياً في الإشكالية الذكورية، فذلك ..لأنّ الإنسان لا يعيش أبداً هُويّته الجنسية كشيءٍ متحّدٍ مع جسده كلياً".
في سيرته عن مؤلف كتاب "كاما سوترا"، يكشف المحلل النفسي الهندي، سودهير كاكار، سرّاً خفياً عن أداء الرغبة الذكورية. الراوي، وهو طالبٌ شاب، يتساءل عن أسرار الحب، فأثناء مشيه في الشارع يلتقي النساء، وبالطبع يتوتّر، وبدلاً من أنْ يتسلى ويبتهج، نراه يغضب ويثور! ويلعن الرغبة التي تثيرها فيه النساء! لماذا؟ لأنّه لا يسيطر عليها، "أكره هذه الطريقة التي تغزوني بها النساء، أكره ما يُكبّدنَه لجسدي من دون رِضاي".
هذه هي القوة الغامضة الخفية للمرأة، وبطبيعة الحال، لا تملك النساء أيّ شيء من هذه القوة، ولا يتحكّمن عن بعد، ولا هنّ يملكن قوّة غامضة، ولا حول لهنّ ولا قوة في ذلك، فالرغبة لا تعرف قانوناً، والمرأة ليست مسؤولة عن الفرق بين الجنسين! فـ "الربّ" هو الذي شاء ذلك، حسبهنّ أنْ يظهرن في العلن، كي تظهر الحاجةُ المُلحة لاختفائهنّ فوراً، تحت حُجب سميكة.
الاحتشام المتطرف

من الناحية المنطقية حجْبُ النساء لا يعني إنكاراً للواقع وحسب؛ بل يعني أيضاً تجنّب الفرق ما بين جنسين، وأخيراً تجنب الجنسانية الذكورية. أنْ يصبح الإنسانُ رجلاً أمرٌ يتطلب بالفعل، من بين اختبارات أخرى، الشجاعةَ للتغلب على هذا الخوف المشترك، للاستمتاع، والتمتّع، بالصلة الغامضة التي تنسجها الرغبة بين رجل وامرأة، إنْ توفّرت الفرصة لذلك.
بطبيعة الحال، الإسلام لا يملك احتكارَ الاحتشام المتطرف، فالتزمّت يزدهر في أشكال التطرف، مع مواكبه من النفاق، والفضائح والانحرافات. النساء اليهوديات في مييا شيريم يرتدين الباروكات والأكمام الطويلة (في حين يستطعن ارتداء الكيباء Kippah، فلا شيء يُحرّمها في النصوص الدينية). والعقيدة الكاثوليكية ظلت لفترة طويلة تلعن بنات حواء، وزيُّ ماو كان يرمز إلى المحو المبرمَج للفرقِ بين الجنسين في البلدان الشيوعية، بحجة مجيء "رجل جديد".
كلّ مجتمع يدير اختلافاته الداخلية، وينظّم بطريقته الخاصة توزيعَ الأدوار بين الرجل والمرأة، لكنْ إذا لم تشجّعه بيئتُه الثقافية على اتخاذ هذه الخطوة الحاسمة في اللقاء مع الآخر، الذي تُجسّده امرأة، فإنّ الصبيّ سيصبح مُعرّضاً لخطر البقاء في "رهاب الأنثوية" ذات العواقب الوخيمة، فمِن شكاواه المؤلمة ("ما الذي أنا قادر عليه؟")، ومن الأسئلة الكثيرة التي ليس لها أجوبة ستولَد عنده رغبةٌ لاذعة في الاطمئنان على فحولته، وعلاقةٌ مع رجال آخرين يتم من خلالها تفادي كل ما يشير إلى عاهة الرجل الآخر.

الإسلام لا يملك احتكارَ الاحتشام المتطرف، فالتزمّت يزدهر في أشكال التطرف، مع مواكبه من النفاق والفضائح والانحرافات

وهكذا يصبح من المُلحّ أن نتصوّر أنّ هناك رجلاً على الأقل، زعيماً خالياً من الشك، ومُعلماً بلا خوف ولا لوم، المتعصّب لا يحتاج إلى ربّ، لكنّه يحتاج إلى بطلٍ، إلى زعيم طائفةٍ، إلى رجلٍ زاهدٍ عظيمٍ يملك صوتاً كصوتِ الرعد، وعيوناً مُنوِّمة.
رئيسُ العصابة يبدو وحده القادر على الإفلات من قوة الأنوثة الشريرة، فهو مؤهلٌ للسيطرة الكاملة على اندفاعاته؛ أي على رغباته؛ أي على غريزته الجنسية.
من هنا، هذا التأثير السحري للنبيّ على أتباعه المشلولين، المرعوبين، على الرغم من الحياة الشاقة، بين الرجال، في هذه السلسلة الطويلة من الجلادين والضحايا، بعيداً عن الخدر، وخارج الحريم. إنّها "الرغبة في العبودية". أهي المازوخية؟ هل هي الشغف بالمخاطر، الذي يشبه شغف القفز على الحبال، أو شغف السباقات الانتحارية على الطرق السريعة؟ كل شيء يساهم في تحويل شباب بؤساء مفتونين متعصّبين إلى قنابل طائرة، وفي هذه الأثناء، يبدأ الخوف من الأنثى، المقنَّع بالانصياع إلى القائد المُنقذ، يعمل في صمت، من خلف كواليس هذا المسرح الكبير.
وهكذا، على عكس المظاهر، لم تعد المرأة شخصية ثانوية في قصة الذكورة الكبيرة، ولكنْ رهان هذه الذكورة الاستهامي الحقيقي، كما كانت هيلين السبب المؤكد في حرب طروادة.
رهابُ النساء المرتبط بالإحباط الجنسي الشديد، ليس فقط أعراض مرضٍ يسمَّى التعصب، ولكنْ مُحرّكه السري، ودافعه الخفي. وضعُ المرأة، سيما في الإسلام، يصبح هو جوهر المشكلة، والنقطة المركزية والعمياء في آنٍ، في الرهانات الجيواستراتيجية للقرن الجديد، هذه المفارقة نجدنا قلّما نتحدّث فيها، لأننا اعتدنا اعتبارَ وضعِ المرأة كشبهِ ظاهرة، أو ظاهرة عارضة ليس إلا.
هناك تقليدٌ عمره آلاف السنين ما انفك يشكل عقولنا، وهو جعل الذكوري بمثابة قاعدة لاشعورية، ومعياراً عالمياً، وأن عدم الثقة إزاء الأنثى أمرٌ متّفق عليه. "أشكرك، يا إلهي، لأنك لم تجعلني امرأة!"، هكذا يردّد اليهود الأرثوذكس في صلاة الصباح، وكما يقول الأديب الفرنسي بيير بورديو؛ "هيمنة الذكور راسخة جداً في لاشعورنا، لدرجة أننا لم نعد نراها".

الجزء الأنثوي للإنسانية

أكثر من أي وقت مضى، بات من الضروري حلّ البديهيات، واستكشاف الهياكل الرمزية للوعي اللاإنساني، التي تعشعش في أذهان الرجال والنساء، فقط قليلٌ من الديانات الشرقية ما زالت تحتفظ بفكرة الزوج الإلهي الأصلي، الذي يبدو أنه كان موجوداً في كلّ مكان قبل دين الآب، اليهودية، القاعدة الأساسية التي سبقت الديانات التوحيدية الثلاث، استأصلت منذ فترة طويلة ذكرى "أشيرة" (Ashéra)، أو (عشيرة) رفيقة "الرب".

هكذا، فمنذ فجر الزمن، وعلى الرغم من التقدم الملحوظ في مجال تحرير المرأة، لا نزال خاضعين لـ "سلطة الهيمنة المُنوِّمة" التي تقود كوكبنا إلى كارثة، سيما أنّ "المُهيمِن نفسَه، كما يقول الكاتب بورديو، مُهيمَنٌ عليه أيضاً، ولكنْ من قبل هيمنته النابعة منه". هيمنةٌ ذكورية إذاً، منتشرة على نطاق واسع جداً على هذا الكوكب، إلى الحدّ الذي جعل الكاتبة فرانسواز هيريتيير تتساءل، إنْ لم تكن هذه الهيمنةُ عالميةً في النهاية! لأنّ كل شيء يحدث كما لو أنّ أخْذ الاختلافات في الاعتبار، في المجتمعات البشرية، قد خَلق تلقائياً تسلسلاً هرميّاً بين الأفراد، تقع النساء في أسفل درجاته، وهكذا، فكما تُحدّد الهُوية الجِنسانيّة مصيرَ الفرد، فإنّ العلاقة بين الجنسين، في نهاية المطاف، والتي يعبَّر عنها على وجه الخصوص من خلال هياكل القرابة، الغالية على قلب علماء الإثنولوجيا، هي التي تحدّد العلاقات الاجتماعية، والذهنيات، وشكل الحكومات، ومسار التاريخ أخيراً. ولذلك، من الممكن "إعادة النظر في أزمة العالم الكبرى اليوم، من خلال النظر نحو مبدأ اقتصاد الجنس، من حيث مرضه السياسي، فالوضع المفروض على المرأة، هنا أو هناك، ليس مشكلة ثانوية، بل واقع مؤسِّس، ومؤشر لدرجة الحرية أو الطغيان في مجتمع بعينه".
لكن، ما هي الآلية الشيطانية لإنكار المؤنث التي يمكن أن تؤدي إلى صراع عالمي؟ نحن نعلم أنّ أيّ رجل يشك في رجولته لا نراه يعلن عجزه من فوق الأسطح، إنّه، على العكس من ذلك، يتعجرف ويضاعف الإيماءات، والمآثر، والمظاهر، ويغطي صدره بالميداليات، ويؤكد وجهة نظره من خلال الضرب على الطاولة، مجتمع الرجال الذين يعانون من إحباطاتهم، مجتمع يريد أنْ يُثبت قوّته، وقد يُشعِل الكوكب ناراً ودماً حتى ينشر إيمانه، ومع ذلك؛ فأيّاً كانت عقيدتهم، فالأصوليون لا يشكّون في أيّ شيء، وغياب الشكّ هذا، مهما بدا مشبوهاً في أعيننا، فهو قوّة ضَربهم الرئيسة.
كيف يمكن لكافرين بائسين، وكيف يمكن لمنبوذين أنْ يُخمّنوا قلقَهم الحميمي؟ من سافونارولا إلى ابن لادن، من الخمير الحمر إلى الأصوليين الهندوس، المتعصّبون لا يضيّعون وقتهم في التساؤل حول أجهزتنا النفسية الحساسة، وعُقدنا الطفولية. المتعصّب لا هَمَّ له على الإطلاق بمعرفة الآخرين، لأنه وجد أسطورته، نافورة الجنة، فاه الحقيقة، وصوتَ سيّده. وهو ما يكفي لتبرير كل أعماله. فالمتعصّب لا يجادِل، ولكنه يؤكد، ويُنبئ ويتنبّأ. الأصولي هو هذا "الموسيو" (السيد) الذي يعرف كل شيء، فإنْ بدا كائناً لا يقاوَم، فذلك لأنّ لديه سلاحاً مطلقاً: اليقينُ من أنه على حق.
سواء كان فاشياً أو إرهابياً أو طاغية منزلياً بسيطاً، فالأصولي هو، أوّلاً، وقبل كلّ شيء رجلٌ يدرك أنّه يختنق بِيقينه هو، إلى درجة أنه يرى من الشرعية فرضَ هذا اليقين على الجميع، حتى لو كان بالكذب والقوة. فهو يمتلك الحقيقة، وهذا الامتياز يجعله لا يُقهر، تماماً كما أراد الكاثار أو "الكاثاريون"؛ (وهم حركة دينية لها جذور معرفية  بدأت في منتصف القرن الثاني عشر، اعتبرتها الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، آنذاك، أنّها طائفة خارجة عن الدين المسيحي)، أن يكونوا "مِثاليّين"، وتماماً كما تدعي البابوية؛ أنّها معصومة من كلّ الأخطاء.

يقول الأديب الفرنسي بيير بورديو: هيمنة الذكور راسخة جداً في لاشعورنا، لدرجة أننا لم نعد نراها

وبما أنه يمتلك اليقين، فإنّه يريد أنْ يستخدم هذا اليقين سلاحاً، خاصة وأنّ هذه الحقيقة مِسيانية (أي رسولية) أساساً، وتحتوي على وعدٍ يتعيّن عليه الوفاءُ به وتحقيقه.
يتعين عليه أن يُحدِث مُلك الخالق وسلطته، أو ديكتاتورية البروليتاريا، على الأرض! فالحقيقة التي يتم تصوّرها على هذا النحو حقيقة فريدة من نوعها، ثابتة وغير قابلة للتغيير، فهي لا تقبل التناقض، ولا حتى الفروق الدقيقة. والحال أنّ وجود المرأة نفسها، والأنوثة، لأنّها تُجسّد الاختلاف، يُناقض هذا القول أحادي الاتجاه، وهذا الإيمان الفولاذي. فهكذا يُجرّم هذا الأصولي الخالقَ، ولهذا السبب ابنتُك خرساء، أليست المعركة هي نفسها مع كينيث ستار، والخميني، وماو؟ إنّ خط الانكسار إذاً لا يمر، على عكس ما يعلنه هنتنغتون، بين حضارات مختلفة، وبين الشرق والغرب، وبين الشمال والجنوب، وبين الإسلام والغرب، وبين الفكر والحداثة وغيرها من الثنائيات الاصطناعية، إنّما يمرّ بين متطرّفين ومُعتدلين من جميع الأطياف، ومن جميع البلدان، بين أولئك الذين يعتقدون أنّهم يعرفون كلّ شيء، وأولئك الذين يتساءلون، بين الحاخام كاهان وإسحاق رابين، بين كينيث ستار وبيل كلينتون، بين لوبين وشيراك، بين الرجولة الهستيرية والفحولة المعتدلة السوية، بين أولئك الذين يُخفون نقاطَ ضعفهم، وأولئك الذين يواجهونها ويتحمّلونها، بين أولئك الذين يعتقدون أنهم يعرفون وأولئك الذين يُتقِنون فنّ الشك والتساؤل، بين أولئك الذين ينشرون عقيدتهم وأولئك الذين يعرفون كيف يُخاطرون بالحوار، الحوار الذي تُجسد نموذجه الأول العلاقةُ بين الجنسين. بين منطق شمولي، قائم على التضخم المتفجر للأيجو (الأنا)، ومنطق ديمقراطي، قائم على الاعتراف بالغيرية. بالتالي؛ بالجزء الأنثوي للإنسانية.                              

    عن "lemondedesreligions"

اقرأ المزيد...

الوسوم: