في الذكرى الأولى لرحيل صادق جلال العظم ناقد الفكر الديني ومفجّر أسئلة الهزيمة

1888
عدد القراءات

2017-12-19

إن كانت تجارة النقد الاجتماعي والفكري عربياً، تجارة خاسرة فهي تصدق في عصرنا على أمثولات كثيرة، بل تكاد تتطابق في نتائجها، مع من تجرأوا على نقد الفكر الديني تحديداً، ومنهم المفكر السوري صادق جلال العظم الذي نشر كتابه الجوهري في مجاله "نقد الفكر الديني" في العام 1969 وما انفك، للآن، يثير غضب كثيرين في أوساط  المؤسسات الدينية في عالمنا العربي.
وإذا كانت الأفكار النقدية سياسياً تراجعت عربياً في نصف القرن الماضي بسبب سطوة الأنظمة الحاكمة، فالفكر النقدي الاجتماعي تراجع تحت سطوة القيم السائدة ضمن "تحالف القيم القبلية والدينية"، وصارت موجهات القمع "شعبية" بعد أن ظلت لفترة طويلة سياسية حكومية.
كتاب "نقد الفكر الديني" جرّ على صاحبه غضباً شعبياً وحكومياً حد اعتقال المؤلف لفترة قصيرة في بيروت بعد محاكمته بذريعة "اثارة الفتن الطائفية" و"تحقير أديان الأمة"، يوم كان لبنان "بلد الحريات"، وورشة العمل الفكري والثقافي المتحرر عربياً، مما حدا بمؤسسة عريقة هي الجامعة الأمريكية في بيروت إلى فصله من عمله فيها أستاذاً للفلسفة، بعد الحملة التشهيرية الواسعة التي طالته، وليغادر "قلعة الحرية" إلى الجامعة الأردنية قبل أن يعود إلى دمشق أستاذاً للفكر في جامعتها.

يرصد العظم التعارض الأساسي بين الدين والعلم، معتبراً محاولة طمس معالم النزاع بينهما دفاعاً يائساً عن الدين

في الجوهري من كتاب صادق جلال العظم، ثمة فهمه للدين، فهو "قوة هائلة تدخل في صميم حياتنا وتؤثر في جوهر بنياننا الفكري والنفسي وتحدد طرق تفكيرنا"، بل هو واقعياً "مجموعة من المعتقدات والتشريعات والشعائر والطقوس والمؤسسات التي تحيط بحياة الإنسان".
وحيال مفهوم الدين السائد في مجتمعاتنا بوصفه معتقدات وشعائر وطقوس وتشريعات، يضع مفهوماً مقابلاً عماده أربع حركات مفصلية: "حركة النهضة الأوربية"، "الثورة الصناعية"، كتاب "أصل الأنواع" لداروين وكتاب "رأس المال" لماركس.
ويذهب العظم إلى فكرة جوهرية تتعلق بالتعارض الأساسي بين الدين والعلم معتبراً "محاولة طمس معالم النزاع بين الدين والعلم ليس إلا محاولة يائسة للدفاع عن الدين"، وهي محاولة يلجأ إليها "كلما اضطر الدين أن يتنازل عن موقع من مواقعه التقليدية".

العلم والدين اليوم؟
وبما إن العنف صناعة فهي تحتاج دوافع ومحركات فكرية وروحية لدفعها بقوة، ولا فكر مؤثراً في هذا الجانب الأكثر حضوراً في منطقتنا اليوم مثل الدين بما فيه قدسية وتأثير ساحق، فضلاً عن كونه يعطل العقل (العلم) وأسئلته عن  خيارات التعصب والعنف والتشدد، لذا فنحن اليوم حيال مرحلة الدين في مهمته التجارية أو "الدين التجاري" الذي يستخدم في عمليات العرض والطلب التي تحددها صناعة العنف. لكن إذا كان هناك من يسعى لتفنيد هذه الفكرة بالحديث عن تجارب محلية تجمع التدين مع العلم المتقدم، فهو يتناسى طبيعة "العلم" ومعالمه الحاضرة عندنا، فهو علم نشتريه بالمال عبر عمليات تجارية محض ولا ننتجه، فهو علم "تجاري" كما صنوه "الدين التجاري" ومن هنا لا غرابة في وجودهما معا ضمن ظاهرة تكاد تطغى على عالمنا العربي.

العظم علامة على قيمة الفكر الحر والجدلي في تجلياته الاجتماعية، لجهة تحريض الوعي العربي على التفكير

ويثبت استخدام الدين في العنف، الفكرة التي كانت جوهرية في كتاب "نقد الفكر الديني"، فالعنف والتوحش ضد العقل، والدين بوصفه "شعائر وطقوس وتشريعات" مادة سريعة لتعطيل أسئلة العقل (العلم)، ومن هنا تأتي أهمية الدرس المبكر الذي قدمه صادق جلال العظم في كتابه الرائد، والذي صار علامة على قيمة الفكر الحر والجدلي في تجلياته الاجتماعية، لجهة "تحريض الوعي العربي على التفكير وفحص كل يقينياته ومسلماته"، ورفض التداخل بين الديني والدنيوي، أي استخدام الدين في الحكم وفرض السلطة الدنيوية.

قيمة صادق جلال العظم (الذي رحل في 11 ديسمبر 2016)،  أصبحت ثابتة في عملين جوهريين مقامين على فكرة النقد العميق للسائد العربي سياسياً وثقافياً واجتماعياً، فهو فضلاً عن "نقد الفكر الديني" كان قد وضع "النقد الذاتي بعد الهزيمة"، (هزيمة العرب في 5 حزيران/ يونيو 1967) ، ينتظمان في إعلاء التفكير العقلاني ضمن عمل لا ينشغل بالنظريات و"أسرارها" المعرفية، بل في نقد البيئات العربية المحلية وفق منهجي تحليلي علمي.
درس العظم في نقد الموروث الثقافي والسياسي العربي بمحمولاته الدينية والاجتماعية، لم يؤخذ على نحو جدي، وتحذيره من استمرار بنية المجتمعات العربية على خمولها الفكري والعلمي، لم يشهد تطبيقاً فعلياً، مثلما نحن عليه اليوم، حيث سيادة القيم القبلية والعائلية والطائفية المحرّضة على التعصب والتشدد، والنتيجة: هزيمة تلد أخرى.

اقرأ المزيد...

الوسوم: