حقوق الطفل في تونس.. وسائل التواصل تفجر المسكوت عنه!

صورة عيسى جابلي
كاتب وباحث وإعلامي تونسي
4253
عدد القراءات

2018-03-11

في الوقت الذي تمثّل فيه التشريعات التونسية الخاصة بالطفل مثالاً يحتذى وفق ما تؤكده تقارير دولية، إلا أنّها لم تستطع أن تخفي ذلك الواقع الذي تعانيه براءة الطفولة على صعيد الانتهاكات المتكررة المرشحة للتصاعد.

تشريعات وأرقام

انفردت تونس بإصدار مجلة حماية الطفل سنة 1995 في العالم العربي والإسلامي، بعد أن صادقت العام 1991 على اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل، وقد مكّنها ذلك من إجراء تعديلات وتنقيحات على تشريعات قانونية لها صلة بحقوق الطفل مثل "الأحوال الشخصية" و"الإجراءات الجزائية" وغيرهما، كما صادقت تونس على العديد من الاتفاقيات الدولية التي تتعلق بحماية الطفولة أهمها ما يتعلق بعمالة الأطفال، وأحدثت منصب قاضي الأسرة وقاضي الأطفال، وتم تعيين ما يفوق 80 قاضياً لهذه المهمة حسب ما يذكره موقع "مندوب حماية الطفولة".

صادقت تونس على العديد من الاتفاقيات الدولية التي تتعلق بحماية الطفولة أهمها ما يتعلق بعمالة الأطفال

وينص الدستور التونسي في الفصل 47 منه على أنّ "حقوق الطفل على أبويه وعلى الدولة ضمان الكرامة والصحة والرعاية والتربية والتعليم، على الدولة توفير جميع أنواع الحماية لكل الأطفال دون تمييز ووفق المصالح الفضلى للطفل"، وهو فصل قريب في روحه من المبادئ الأساسية التي انبنت عليها الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل: مبدأ عدم التمييز ومبدأ مصلحة الطفل الفضلى ومبدأ الحق في الحياة والبقاء ومبدأ الحق في المشاركة.

وبحسب تقرير "Indice Kids Rights" السنوي الذي تصدره مؤسسة "حقوق الطفل" ويصنف الدول حسب أربع مؤشرات هي الحق في الحياة، والصحة، والتعليم، والحماية والبيئة المناسبة لحقوق الطفل، صنفت تونس التاسعة دولياً في العام 2017 متقدمة مرتبة واحدة عن 2016. وتلي تونس كل من البرتغال والنرويج وسويسرا وإيسلندا وإسبانيا وفرنسا والسويد وتايلاندا، وبذلك كانت تونس الدولة العربية الوحيدة التي كانت ضمن العشر الأوائل.

لا تستر مع مواقع التواصل

غير أنّ التشريعات وحدها لا تكفي لتضمن للأطفال ما يحتاجونه من أمن اجتماعي ونفسي وضمان لحقوقهم وممارستها؛ ففي العام 2016 مثلاً بلغ عدد الإشعارات المتعلقة بالاستغلال الجنسي الواردة على مكاتب مندوبي حماية الطفولة، 635 إشعاراً حسب التقرير السنوي الذي يصدر عن مندوبي حماية الطفولة الصادر في شباط (فبراير) 2017، وهو رقم مفزع يفيد تزايد عدد حالات الاعتداء على كرامة الأطفال، وتمثل نسبة التحرش الجنسي 50% من إجمالي الحالات، في حين تبلغ نسبة ممارسة الجنس مع أطفال 35%.

التشريعات وحدها لا تكفي لتضمن للأطفال ما يحتاجونه من أمن اجتماعي ونفسي وضمان لحقوقهم وممارستها

ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي لم يعد ممكناً حجب هذه الحوادث عن المجتمع التونسي، خصوصاً بعد الثورة التي مكّنت من فضح تجاوزات كثيرة في حق الأطفال؛ إذ إنّ السلطة السابقة لم تكن تسمح بكشف فضائح كثيرة وجرائم متعددة إلى العلن بدعوى المحافظة على صورة تونس لدى الرأي العام وخارجها، والترويج لها بوصفها جنّة حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية. غير أنّ انفجار وسائل التواصل وتحرر الإعلام وبحثه عن تحقيق السبق ولهاثه وراء الإثارة لتحقيق أقصى ما يمكن من نسب المشاهدة، جعل فضائح كانت غريبة عن المجتمع التونسي إلاّ ما ندر، تخرج إلى العلن وتثير الصدمة والذهول وتضع حقوق الطفل موضع تساؤل.

عُشر الأطفال التونسيين يشتغلون و6% (136 ألفاً) منهم يعملون أعمالاً خطرة

انتهاكات وعنف

يمثّل الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و17 سنة ثلث المجتمع التونسي تقريباً، حسب إحصائيات المعهد الوطني للإحصاء، الذي أجرى مسحاً شمل شهري أيار (مايو) وحزيران (يونيو) 2017 عن تشغيل الأطفال المحظور، فتبين أنّ عُشر الأطفال التونسيين يشتغلون، و6% (136 ألفاً) من الأطفال يعملون أعمالاً خطرة، وهي أرقام مفزعة رغم تطور المنظومة التشريعية الخاصة بالأطفال في تونس.

السلطة السابقة لم تكن تسمح بكشف فضائح كثيرة وجرائم متعددة إلى العلن بدعوى المحافظة على صورة تونس

أما العنف المسلط على الأطفال فإنّ الإحصائيات تدعو فعلاً إلى تأمل واقع الأطفال جدياً ليتلاءم معيشهم مع ما تضمنه لهم الاتفاقيات والقوانين والدساتير خصوصا في تونس. فمثلاً، في دراسة أجرتها وزارة التنمية والتعاون الدولي، بالتعاون مع منظمة "اليونيسيف"، والمعهد الوطني للإحصاء العام 2012، أكدت تعرض نحو 93% من الأطفال التونسيين ممن تتراوح أعمارهم بين 2 و14 سنة، مرة واحدة على الأقل، إلى شكل من أشكال العنف، من خلال تسليط عقوبة نفسية، أو جسدية عليهم من قبل أمهاتهم أو ممن يتكفلون بهم، أو من أحد أفراد العائلة، كما أثبتت الدراسة نفسها أن أكثر من 30% من الأطفال تعرضوا لعقوبات جسدية صارمة.

ومنذ مدة قصيرة صُدم المجتمع التونسي إثر تداول ناشطين على شبكات التواصل الاجتماعي فيديو لإحدى المربيات في مركز لرعاية أطفال التوحد في تونس وهي تمارس العنف بلا رحمة بحق طفل صغير، ظهر وهو يحبو على ركبتيه ويديه محاولاً الابتعاد عن المربّية التي تنهال عليه ركلاً بقدميها وضرباً بالعصا على ظهره وهو يصرخ مستغيثاً، إلى جانب مشاهد ومقاطع أخرى تمثل عينة من العنف المسلط على الأطفال في تونس، ما دفع النيابة العمومية إلى غلق المركز وإيقاف صاحبته ومربّيتين وفتح تحقيق في القضية.

يقدّر عدد المنقطعين عن التعليم في تونس وفق تقارير وزارة التربية بقرابة 100 ألف سنوياً

فوضى تعليمية

بدوره يعد الحق في التعليم واحداً من أهم الحقوق المكتسبة للطفل، وكانت تونس سبّاقة في هذا المجال لمّا أقرّت مبدأ إجبارية التعليم ومجانيته فور استقلال البلاد، غير أنّ ما يشهده التعليم من فوضى عارمة يضع دور المدرسة ورياض الأطفال والكتاتيب القرآنية موضع تساؤل عميق خصوصاً بعد الثورة.

ويقدّر عدد المنقطعين عن التعليم في تونس وفق تقارير وزارة التربية بقرابة 100 ألف سنوياً، وهو رقم مفزع ساهم في رفع معدلات الجريمة لدى الأطفال، كما رفع نسب الانحراف بسبب البطالة والفراغ، كما ضخم نسبة العاطلين عن العمل وتنامت حالات الانتحار في صفوف الأطفال.

أما رياض الأطفال والكتاتيب فتعتبر المؤسسات الأكثر انتشاراً للفوضى سواء من حيث التنظيم أو من حيث المضامين التي يتلقاها الأطفال في صغرهم أو في حرمانهم بحقهم في اللعب، وتعويضه بحشو أدمغتهم بمواد متعددة يفوق مستواها في كثير من الأحيان مستوى ما يتلقاه التلميذ في السنة الأولى أساسياً في أول أعوامه بالمدرسة، ويعود السبب الرئيس إلى انعدام تكوين الإطار المشرف على تنشيط الأطفال في الروضة والكُتّاب.

إنّ الوضع الذي يعيشه الأطفال في تونس أصعب ما يكون، والجرائم التي تُرتكب في حقهم أكثر من أن تُحصى، ولمّا كانت الترسانات الكثيرة من القوانين والتشريعات قد ضمنت لهم نظرياً حقوقاً تمكنهم من عيش حياة لائقة، فإنّ الوعي العام لدى التونسي لم يرتقِ بعد إلى مستوى هذه التشريعات، ثم إنّ الدولة لم تُرسِ بعد المؤسسات اللازمة لتطبيق هذه القوانين وترسيخها في الواقع ومراقبتها بما يضمن عدم التعدي على الأطفال وعلى حقوقهم.

اقرأ المزيد...

الوسوم: