الكنائس تصلي لأرواح شهداء مسجد الروضة: جسد الضحية يطلب الفداء

815
عدد القراءات

2017-12-02

ثمة مشاهد عديدة كشف عنها الهجوم الدموي على مسجد الروضة، الذي يتبع أحد الطرق الصوفية، غربي مدينة العريش بمحافظة شمال سيناء، وسقط ضحيته أكثر من ثلاثمائة قتيل.
الحادث بمثابة تتويج لاستهدافات طاولت الجماعات الصوفية، في تلك المنطقة التي شهدت اختطاف تنظيم "ولاية سيناء" التابع لداعش في سيناء، قبل عام، شيخين مسنين، أحدهما (سليمان أبو حراز)، وهو قطب صوفي معروف، كان عمره آنذاك 98 عاماً حيث جرى إعدامهما، فيما تلا ذلك تهديد صريح من مسؤول ما يعرف بـ"الحسبة"، في ولاية سيناء، لأتباع الطرق الصوفية فيها بالتخلي عن معتقداتهم، في جريدة "النبأ" الناطقة بلسان التنظيم باللغة العربية، ومحذراً: "نقول لجميع الزوايا الصوفية شيوخاً وأتباعاً في داخل مصر وخارجها إننا لن نسمح بوجود طرق صوفية في ولاية سيناء، خاصة، وفي مصر عامة".
ومن ناحية أخرى، يفصح الحادث عن محاولات إحياء التوترات المضمرة بين السلفية، بمكوناتها المختلفة والصوفية، وصراع كل منهما على تمثيل الإسلام وتأويله، وخصوصاً، في سياقات تاريخية كانت الصوفية فيها أداة الدولة لمواجهة الإسلام السياسي وخطابه التكفيري، وهو ما يمكن الاستدلال عليه في حديث مسؤول الحسبة، عن مشايخ الصوفية بأنهم: "على علاقة بأجهزة الدولة الكافرة، ومنهم سليمان أبو حزار الذي يحمل لقب شيخ وهو دجال".

أجراس حزينة في كل مصر
أحد المشاهد الرئيسية والاستثنائية في هذا الحادث عبرت عنها أجراس الكنائس التي دقت أجراسها في قرى ومحافظات مصر، أثناء أداء المسلمين لصلاة الظهر تضامناً وحزناً، على أرواح شهداء حادث مسجد الروضة، والصلاة لهم داخل الكنائس، وهو ما يفصح عن استجابة عفوية لمواجهة سردية العنف والقتل، التي تَعمَّد في دمائها ضحايا من الطرفين، تفتك بهم الصراعات والتنابذات، داخل متون الكراهية وعالمي الإيمان والكفر، في مقابل خلق سردية بديلة، تعنى بالتسامح والمحبة وقبول الآخر، وأن يتحرر الفكر الديني من وكلائه وأفكاره المغلقة والمتعصبة، وتظل التجربة الإيمانية معطى شخصياً، ذا خصوصية ملهمة، يخضع لها الفرد بكامل حريته وإرادته، دون وصاية أو تهديد، أو إرشادات نصية توجهها وتفسد دلالتها الروحية العميقة.

يفصح حادث مسجد الروضة عن محاولات إحياء التوترات المضمرة بين السلفية، والصوفية، وصراع كل منهما على تمثيل الإسلام

في صباح اليوم التالي للحادث، دقت كنائس مصر أجراسها بالنغمة الحزينة حداداً على أرواح شهداء مسجد الروضة في منطقة بئر العبد، بسيناء، حيث أعلنت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، عن تضامنها مع أسر الشهداء والمصابين في الحادث الأليم. ففي الإسكندرية، دقت بطريركية الأقباط الأرثوذكس أجراسها، حداداً على الضحايا، وأعربت في بيان صحفي عن إدانتها للحادث الإرهابي، ووصفت مرتكبيه بـ"المجرمين الذين تجردوا من كل قيم الإنسانية، ليستهدفوا مصلين"، مؤكدة كامل دعمها لأجهزة الدولة "في الحرب ضد قوى الشر". وأضافت:"نصلي في جميع كنائسنا يومياً، وسنستمر في الصلاة من أجل سلامة بلادنا".
وفي أسيوط دقت في توقيت واحد أجراس جميع الكنائس أثناء أداء المسلمين صلاة الغائب، على أرواح شهداء مسجد الروضة،  كما دعوا إلى أسر الشهداء والمصابين، في الحادث الإرهابي بالعزاء والصبر.
وأعلن القس ميخائيل مكرم، كاهن كنيسة مارمرقس الرسول، بقرية ريدة بالمنيا، تنظيم صلاة خاصة لأجل مصابي حادث تفجير مسجد الروضة بالعريش، وعزاء لأسر الشهداء، من أجل شهداء الوطن، وسلام مصر.

أحد المشاهد الرئيسية في حادث تفجير المسجد عبرت عنها أجراس الكنائس التي دقت في مصر تضامناً وحزناً

وكان البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية، بطريرك الكرازة المرقسية، قد دان الحادث الغاشم، متمنياً الشفاء للمصابين، والسلام لمصر.
إلى ذلك، أعلن القس أندريه زكي رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر، أنّ هذا العمل الإرهابي الذي استهدف أرواح الأبرياء الآمنين أثناء أدائهم الصلاة، يتنافى مع كافة الشرائع والقيم والأعراف الإنسانية، وعبر عن رفض كافة أطياف المجتمع للإرهاب بأشكاله وصوره، وطالب الجميع للتكاتف للقضاء عليه وتجفيف منابعه.
وأضاف في بيان أصدره: "هذا العمل الإجرامي الذي تتعرض له دور العبادة من مساجد وكنائس، هو محاولة يائسة لتعطيل مسيرة الوطن"، داعياً كافة القوى الشعبية والوطنية إلى "التكاتف والتضامن والوحدة من أجل استكمال المسيرة المستحقة لبناء غد مشرق يستحقه الشعب المصري الأبيّ والوفي لوطنه".
كما دان البطريرك الأنبا إبراهيم إسحق، بطريرك الأقباط الكاثوليك بمصر الهجوم، داعياً الله أن يرحم الشهداء، ويشفي المصابين.
وقال الأب هاني باخوم، وكيل بطريركية الأقباط الكاثوليك بمصر:"إن البطريرك أكد على أهمية تفعيل المجلس الأعلى للإرهاب، الذي نادى به الرئيس عبدالفتاح السيسي، من قبل لمواجهة الفكر المتطرف والقضاء على مسببات الإرهاب".

خدمة المصالحة
في تلك الغضون عقد مجمع كهنة إيبارشية البحيرة ومطروح والخمس مدن الغربية، اجتماعهم الدوري برئاسة نيافة الأنبا باخوميوس مطران الإيبارشية، حيث بدأت أعمال الاجتماع بصلاة القداس الإلهي بكنيسة القديس مارمرقس الرسول بكرمة دمنهور، وأعقبه كلمة روحية لنيافة الأنبا باخوميوس، دار موضوعها عن "خدمة المصالحة"، من خلال رسالة كورنثوس الثانية.
وثمة نموذج عبر عن انصهار المكون المصري الذي يتجاوز الطائفية والتعصب، والتجزئة الدينية التي تمارسها التيارات الإسلامية منذ انبعاثها في المجتمع، تجلى في "أشرف حنا"، الذي أعلن تضامنه مع شهداء الحادث الإرهابي بمسجد الروضة، على شاشة التلفزيون المصري بطريقة ملحمية وحميمية؛ حيث قرأ "الفاتحة" على أرواح الشهداء بأحد البرامج التليفزيونية على الهواء مباشرة، ليؤكد هويته الوطنية التي تتماهى فيها إيمانه المسيحي وثقافته المسلمة بدون فرق أو تمييز، وعلق بالقول: ربنا يعزي أهالي الشهداء، ومصر إن شاء الله لن تقع، والذي عمله الإرهابيون لن يؤثر فينا، وربنا يهدي الناس (يقصد الإرهابيين) لأنهم مغيبون".
كما طالب "حنا" بضرورة تعديل مناهج التعليم بشكل يبرز تعاليم الدين الإسلامى السمح، وأردف: "أنا مسيحي بس بناكل ونشرب مع إخوتنا المسلمين ونصوم رمضان معاهم، وكمان حافظ آيات قرآنية، وعارف إن الدين الإسلامى دين أخلاق ودين سمح".
فضلاً عن ذلك، نشر الفنان فريد النقراشي، عبر موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، صورة له في الكنيسة وهو يؤم عدداً من المسيحيين في صلاة الجنازة.
وعلق النقراشي عليها: "وقفنا اليوم في الكنيسة نصلي من أجل أرواح شهدائنا في مسجد الروضة بالعريش.. ولكي يتغمد الله ذويهم بالصبر والعزاء.. آمين فآمين".

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: