هل باع الفلسطينيون أرضهم حقاً؟

صورة محمد عزت
كاتب مصري

17960
عدد القراءات

2018-01-02

في الأيام الأخيرة، وفي خضمّ الانتفاضة التي تشهدها فلسطين، عقب قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنقل سفارة بلاده إلى القدس المحتلة، برزت أصوات، حتى بين المثقفين العرب، تنبّه إلى ضرورة إعادة قراءة التاريخ، وأنّ العرب هم من لم ينجحوا في احتضان اليهود ودمجهم، وأنّه آن الأوان لمعالجة الخطأ التاريخي الذي قام به العرب الآن، وفي ثنايا هذا الخطاب المتردّد منذ عقود من بعض المثقفين، تتردّد أحياناً بشكل خفيّ، وأحياناً قليلة بشكل علني، مقولة إنّ الفلسطينيين هم من باعوا أرضهم لليهود، ومن ثم فالقضية الفلسطينية بإطارها الراديكالي بنيت على باطل.

ولأن الدعوة إلى إعادة قراءة التاريخ دائماً وفهمه بعيداً عن التحيزات المسبقة هي دعوة سليمة البنيان من حيث المبدأ، فإنّ هذا التقرير سيحاول الغوص في التاريخ لمحاولة تقديم مقاربة للسؤال العلني عن "هل العرب هم من فشلوا في الاندماج بسلام مع اليهود في فلسطين؟" والسؤال الخفيّ أيضاً الخاص بـ"هل باع الفلسطينيون أرضهم؟"، وسيحاول التقرير أن يبتعد في مصادره عن المراجع العربية، وسيعتمد بالأساس على كتاب البندقية وغصن الزيتون.. جذور العنف في الشرق الأوسط "The Gun and the Olive Branch: The Roots of Violence in the Middle East" للمؤرخ دافيد هيرست (David Hirst) الذي ولد عام 1936، وهو، ومنعاً للخلط، ليس الصحافي السياسي البريطاني الشهير ديفيد هيرست (David Hearst).

أجيال متتالية من الفلسطينيين يتمسكون بأرضهم

البداية.. عجائز يدرسون التلمود بين أحضان العرب

رغم ما يقال كثيراً هذه الأيام عن أن العرب هم من فشلوا في استيعاب اليهود بينهم تاريخياً، وواجهوا هجراتهم بشكل لا سامٍ، فإنّ التاريخ الواضح يروي عكس ذلك. ما لا يتذكره الكثيرون أنّ الأجيال الأولى من المهاجرين اليهود إلى فلسطين في القرن التاسع عشر، والذين بلغ عددهم بحلول الثمانينيات، 24 ألف يهودي أغلبهم وافدون من أوروبا، كانوا يلاقون من السكان العرب معاملة مسالمة للغاية، ولم يخبرنا التاريخ بأي حالة انتهاك حدثت بحقهم، هؤلاء كانوا من الطاعنين في السن، وكانوا غالباً يعيشون في فلسطين في حالة زهد وفقر مدقع؛ يتأملون الماضي ويقرأون التلمود وهم من عرفوا فيما بعد بمصطلح الـ"يشوف".

الشعب العربي في فلسطين بمسلميه ومسيحييه لم يبدأ في اتخاذ موقف مسلح ضد الصهيونية والمهاجرين باعتبارهم عدواً

كان هؤلاء يقررون أن يختموا حياتهم في القدس أو طبرية أو صفد أو الخليل لأهداف دينية، فبعد حياة حافلة بالمعاناة في أوروبا التي تقتل أحلامهم الشخصية في شبابهم، يأتون إلى ديار العرب التي توجد بها أماكنهم الدينية المقدسة ليعيشوا حياة الزهد في الأحلام، وليس الحديث هنا عن قتل أحلامهم الشخصية في أوروبا فترة شبابهم حديثاً إنشائياً، فتيودور هيرتزل "أبو الصهيونية" نفسه كان يدرك أن كون المرء يهودياً في أوروبا سبب كافٍ لتعطيل أحلامه وكبحها في ظل الجو المشحون باللاسامية في القارة "المتنورة" آنذاك، وكان هيرتزل يود لو يعلن اعتناقه بالمسيحية في شبابه، لولا خوفه من حزن والده، وقد واجه هيرتزل رحلة من المعاناة لكي يصبح مراسلاً صحافياً كما يحلم.

هكذا، وفي الوقت الذي كان فيه هيرتزل يواجه براثن اللاسامية الأوروبية التي تكبح تحقيق حلمه في الاعتراف والاحتضان والنجاح، كانت القدس وطبرية والصفد والخليل، بمسلميها ومسيحييها البسطاء الأميين ترحب بالطاعنين في السن من اليهود، وتحتضنهم في نهاية حياتهم، فلم يبد حتى تلك اللحظة أنّ العرب فشلوا في احتضان اليهود باعتبارهم يهود، ولم تنشأ بدايات المشكلة بالأساس إلا مع مجيء الجيل الثاني من المهاجرين اليهود؛ هؤلاء لم يكونوا مثل العجائز السابقين، فهؤلاء جاؤوا بنوايا مغايرة للفقراء المدقعين.

"أعيدوا العرب إلى موطنهم الأصلي".. لا مكان للفلاح الفلسطيني هنا

"منذ تأسيس دولة إسرائيل وهي تحاول الخروج من تلك العزلة الإلزامية القاسية التي فرضها من حولها العالم العربي بأسره، ويختلف المدى بصورة لا حدّ لها، ولكن هذا الحصار العربي، وفقًا لكل قوانين الوراثة، ما هو إلا نتيجة مباشرة لأول عملية طرد لعامل عربي من مزرعة يهودية"، هكذا قال المؤرخ الصهيوني عاموس إيلون، فما هي حكاية طرد الفلسطينيين من الأراضي الزراعية؟

إننا ههنا لا نحكي حكايات من تاريخ السياسة، ولا نتحدث عن فظائع نشأة الدولة اليهودية، وإنما كما ذكرنا في المقدمة نتحدث عن أمرين بعينهما، لهما صلة بتاريخ ما قبل نشوء دولة الاحتلال الصهيوني، والتعامل مع المهاجرين اليهود من قبل الشعب العربي. في الواقع وبعكس ما يقال عن أنّ العرب لم يتعاملوا مع هؤلاء المهاجرين بتحضر، يحكي المفكر الصهيوني العلماني المعارض للصهيونية في شكلها التقليدي "آحاد هعام"، والذي سمي شارع بتل أبيب باسمه بعد وفاته، في شهادته عن المستوطنين اليهود في فلسطين عام 1891، أي مع بدايات نشأة الصهيونية: "إنهم يعاملون العرب بعداء وقسوة، ويجردونهم بلا ضمير من حقوقهم، ويهينونهم دون سبب؛ بل ويتباهون بمثل هذه الأفعال، وليس هناك من يعارض هذا الميل الخسيس والخطير".

تيودور هيرتزل "أبو الصهيونية" نفسه كان يدرك أنّ كون المرء يهودياً في أوروبا سبب كافٍ لتعطيل أحلامه وكبحها

في وقت لاحق، في عشرينيات القرن العشرين، لم يخجل رجال الفيالق المسلحة الصهيونية أن يرددوا القول بأنّه ينبغي إعادة توطين العرب الفلسطينيين في المناطق التي يقال إنّ أسلافهم وفدوا منها منذ قرون!

في كل الأحوال لا يخبرنا التاريخ بأنّ الشعب العربي في فلسطين بمسلميه ومسيحييه بدأ في اتخاذ موقف عدائي مسلح ضد الصهيونية والمهاجرين باعتبارهم عدواً، إلا منذ تطبيق سياسة صهيوينة جديدة في الأراضي التي وفدوا إليها، فقد أعلن الصندوق القومي اليهودي عام 1901 أنّ كل الأراضي التي يمتلكها في فلسطين ستظل يهودية ولا يمكن بيعها أو تأجيرها لغير اليهود، وقد بدأت بعنف آنذاك سياسة تهويد العمل، وكانت بداية تلك السياسة قد تمت عبر نكتة واقعية للغاية وحدثت بالفعل، فحين قرر أول رئيس للمكتب الصهيوني، دكتور روبين، أن يبني تل أبيب باليد العاملة اليهودية فقط ويستغني تماماً عن العرب، انهار أول بيت بناه العمال اليهود وهو في طور البناء.

استمرت عمليات تهويد العمل والسيطرة أكثر وأكثر على أبواب الرزق، واستفحلت أكثر وأكثر في ظل العمل على إنشاء "دولة واحدة" في هذه المنطقة التي يمثل فيها هؤلاء المهاجرون الجدد أقلية؛ دولة يهودية، واستمر طرد الفلاحين والعمال العرب من الأعمال لتحلّ الأيدي العاملة اليهودية، وعلى الجانب الآخر كتب أحد المراقبين اليهود عن عملية طرد الفلاحين العرب من الجليل الأردني يقول: إن رشيد بك، الوالي التركي  قام بطرد المستأجرين العرب، في حين لم يتمسك قائمقام طبرية بدفع التعويض للعرب المطرودين؛ بل ورأى بعد طردهم القضاء على الطابع العربي للمنطقة.

دافع الفلسطينيون عن بلادهم ضد الاحتلال منذ بداية العدوان على فلسطين

عملية بيع الأراضي

"الفلسطينيون هم من باعوا أراضيهم للمهاجرين من قبل فلماذا يطالبون الآن بوطنهم؟"، هذه الجملة لا تقال صراحة كثيراً، لكنها تقال كثيراً خلف الأبواب المغلقة، وفي ظل محاولتنا لإعادة قراءة التاريخ، علينا أن نسأل هل هذا الأمر حقيقياً؟

من عام 1900 إلى 1914 ومنذ وضوح نوايا المهاجرين الجدد انخفضت مساحة الأراضي التي تخلّى عنها فقراء الفلاحين وصغار الفلاحين إلى 4.3% بعد أن وصلت إلى 42% من 1891 إلى 1900. وتوضح لنا الإحصاءات أنّ الأراضي التي اشتراها المهاجرون الجدد كانت في أغلبها أراضي الملاك الغائبين.

ويبقى السؤال: هل يحاسب فقراء فلسطين وشبابها حينها بجريرة الإقطاعيين في الشام والمسؤولين المرتشين في تركيا؟

ويظهر بوضوح في عملية بيع الأراضي اسم "أسرة سرسق"، التي كانت تعيش أغلب الوقت في أوروبا الغربية، ومن عام 1891 إلى عام 1920، باعت أخصب أراضي فلسطين التي كانت تمتلكها إلى المهاجرين الجدد، ولم تؤثر فيها النداءات اليومية التي كانت تطلق من الصحف العربية ومن الشخصيات الوطنية، كانت الأسرة تبيع مناطق بأكملها بما فيها من قلاع وآثار تاريخية للمهاجرين الجدد، وفي عام 1920 باعت أسرة سرسق آخر أملاكها في فلسطين، وكان يعمل فيها ثمانية آلاف فلاح، حصل كل منهم على تعويض قدره ثلاثة جنيهات فقط. في الواقع كانت العائلة تبيع أملاكها بعشرات أضعافها؛ لأنها كانت قد اشترتها من المسؤولين العثمانيين المرتشين بمبالغ هزيلة.

ويبقى السؤال هنا، هل يحاسب فقراء فلسطين وشبابها حينها بجريرة الإقطاعيين في الشام والمسؤولين المرتشين في تركيا؟ هؤلاء الفلاحين كانوا الأكثر حاجة للمال ومع ذلك امتنعوا عن بيع أراضيهم الصغيرة رغم العروض الكبرى منذ عام 1900؛ أي منذ أن اتضحت النوايا الاستعمارية من الشراء، فهل حقاً باع "الفلسطينيون" أرضهم؟!

اقرأ المزيد...

الوسوم: