"تاريخ الفلسفة الحديثة" يؤرّخ لثورات العقل البشري

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.

70
عدد القراءات

2017-12-14

يحرصُ الفيلسوف الأمريكي، وليم كلي رايت، في كتابه الذائع الصيت "تاريخ الفلسفة الحديثة" على جعل الفلسفة في متناول الجميع، وهو ما انعكس على أسلوبه وطريقة معالجاته لأكثر القضايا الفلسفية تعقيداً.
الكتاب، الذي يؤرّخ لثورات العقل البشري، يُعدّ من كلاسيكيات الكتب الفلسفية في الجامعات الأمريكية منذ صدر أول مرة عام 1941، وطبع بعد ذلك عشرين طبعة بالإنجليزية، وواحدة بالعربية صدرت عام 1965، وتبعَتها طبعات أخرى، كان آخرها طبعة دار التنوير عام 2016 التي أنجزها د. محمود سيد أحمد، وقدّم للكتاب وراجعه د. إمام عبد الفتاح، وجاء في 606 صفحات من القطع الكبير.

يحرص الفيلسوف الأمريكي وليم رايت في كتابه "تاريخ الفلسفة الحديثة" على جعل الفلسفة في متناول الجميع

ينقسم الكتاب، إلى أربعة أجزاء كبرى، يسبقُها تمهيدٌ مكوّن من ثلاثة أقسام يتحدث فيها المؤلِّف عن الفلسفة الحديثة بصفة عامة، وكيف تفترق عن الفلسفة القديمة من ناحية، والوسيطة من ناحية أخرى، وهو يعتقد، كما لاحظ إمام عبدالفتاح، بأنّ الفلسفة الحديثة تتميّز عن الفلسفتين السابقتين بثلاث خصائص هي:
خصائص الفلسفة الحديثة
أولاً: نظرتُها العلمية في مقابل النظرة الإستاطيقية "الجمالية"عند اليونان والنظرة اللاهوتية في العصور الوسطى، كما تتميّز ثانياً: بالرّوح الفردية في الدين والعلم، إلى جانب الفكر الفلسفي. وهي ثالثاً فلسفة دولية وليست قومية، بمعنى أنها نتاج فلاسفة من دول متعدّدة.
رايت، يذهب إلى تقسيم كتابه إلى أجزاء أربعة، وفق التصوّر الآتي، حيث الأول يشمل فلسفة عصر النهضة وينقسم إلى فترتين، الأولى يسميها الفترة الإنسانية من عام 1453 حتى وفاة برونو عام 1600، والثانية هي الفترة الطبيعية العلمية، وتشمل خمسة فلاسفة هم: بيكون، وهوبز، وديكارت، وإسبينوزا، وليبنتس، وهي تمتد من 1600 حتى 1690.
أما الجزء الثاني من الكتاب، فيعنونه المؤلّف "عصر التنوير" ويشمل فلسفة كل من لوك، وباركلي، وهيوم، فضلاً عن فولتير، وروسو، وسواهما، وهم فلاسفة اهتموا أساساً بالإنسان، لا بالكون، وهي فترة تبدأ من جون لوك عام 1690، وتنتهي عام 1781.
ويُسمّي رايت، الجزء الثالث "الفترة المثالية"، ويجعلها تبدأ من عام 1781 الذي ظهر فيه "نقد العقل الخالص" وتنتهي بموت هيغل عام 1831، وتركز على الفلسفة المثالية الألمانية: كانط وفتشه وشلنغ وهيغل. في حين يتناول الجزء الرابع الفترة المعاصرة التي أعقبت وفاة هيغل، وتمتد حتى الفلسفة المعاصرة، ويتناول المؤلف فيها نحو عشرة فلاسفة: شوبنهور، ونيتشه، وكونت، ومل، وسبنسر، ورويس، وجيمس، وديوي، وبرغسون، وصموئيل ألكسندر.
بيكون.. هوبز..ديكارت.. اسبينوزا .. ليبينس

جاهدَ لكي يكون موضوعياً
وعن مناقبيّة الكتاب ومؤلفه، يقول الدكتور إمام إنّ رايت جاهد في أن يكون محايداً، مستذكراً الأب كوبلستون في موسوعته الشهيرة عن "تاريخ الفلسفة" وطلبه من مؤلف الفلسفة "أن يجاهد لكي يكون موضوعياً" إذ يعتقد إمام أنّ رايت قد حقق هذا الشرط "فعلى الرغم من أنه أمريكي الجنسية فإنه لا يكتب عن الفلسفة الأمريكية البراغماتية (جيمس وديوي معاً) أكثر من ستين صفحة، مع أنه يكتب بإسهاب شديد عن الفلسفة الألمانية - التي يقلّل الأمريكيون عادة من شأنها.. وهكذا يحقّق المؤلف ما قاله في تصديره (لقد حاولت أن أكون محايداً)".
في كتابه، يلفت وليم رايت إلى الخصائص التي سادت الفلسفة الحديثة وميّزتها عن خصائص العصور السابقة، وأولها أنّ الفلاسفة المحدثين علميون في موقفهم العادي، في مقابل الميول الإستاطيقية التي تتكرّر بكثرة عند الفلاسفة القدماء، والاهتمامات اللاهوتية المسيطرة عند المدرسين في العصور الوسطى، لافتاً إلى أنّ اليونان القدماء آمنوا بالجمال، وعبّرت آلهتهم وفنونهم والآداب المتصلة بها تعبيراً واضحاً عن ذلك الإيمان. وعندما تمايزت فلسفتهم عن الدين، استمروا في النظر إلى الكون على أنه منظم وجميل.

الفلاسفة المحدثون علميون في موقفهم العادي، في مقابل الميول والجمالية التي تتكرّر بكثرة عند الفلاسفة القدماء

وظل هذا الإيمان في تفوق وهيمنة ما ينبغي أن يكون، سائداً في الفكر الوسيط في صورة معدّلة، ووصلت فيه الفلسفة الإنسانية إلى قمتها بفضل لاهوت الكنيسة الموحى به والمقدّس. لقد كانت معتقدات الدين، كما يرى رايت، أكثر يقيناً من أي استدلال بشريّ. وكانت وظيفة الفلسفة هي محاولة تفسير حقيقة هذه المعتقدات، والبرهنة عليها بمقدار ما تقع داخل قدرة العقل البشري أن يفعل ذلك، لأنّ الفلسفة لم تكن سوى خادمة للاهوت.
وعن الميزة الأخرى التي تفترق فيها الفلسفة الحديثة عن السابقة، أنّ روح الأولى فردية، في الوقت الذي كانت فيه الفلسفة القديمة وفلسفة العصور الوسطى تميلان بطرق مختلفة إلى النظرة المؤسساتية، وهو مفهوم يوضحه المترجم بأنه "يتقيّد بنظام واحد صارم، ويضمن قواعد وقيوداً تنظيمية".
لوك.. باركلي.. هيوم.. فولتير.. روسو

المفكر الحديث يتميز بالفردية
وعندما نقارن، كما يقول رايت، بين الفلسفة الحديثة والفلسفة القديمة وفلسفة العصور الوسطى معاً، فإننا يمكن أن نصفها بأنها فردية النزعة، فالمفكر الحديث يتميز بالفردية، بمعنى أنه يستطيع أنْ يصنع لنفسه تجاربه، ويتحقق من صحة الفروض بعينيه، ويختبر منطق الحجج بتفكيره الخاص.
وثالث الافتراقات أنّ الفلسفة الحديثة فلسفة دولية، في حين أنّ الفلسفة القديمة كانت قومية، وكانت فلسفة العصور الوسطى تخصّ المواطن العالمي. فما تمتاز به الفلسفة الحديثة أنها كانت نتاج أناس كثيرين من أمم كثيرة، معظمهم من عامة الناس، فكّروا بلغتهم الخاصة، وفسّروا الحياة كما خبروها بين أقرانهم من المواطنين. وهكذا ضربت الفلسفة الحديثة بجذورها في الحياة القومية في مكان ما، وبهذا المعنى أصبحت قومية.
وحول مناهج التفسير التي تقيّم الفلاسفة، وتوضح مكانتهم في تاريخ الفلسفة الحديثة، يقترح رايت ثلاث طرق لتحقيق ذلك، أولها العلاقة المنطقية لفكر الفيلسوف والفلاسفة السابقين عليه واللاحقين. فالفيلسوف قد يعارض بصورة مباشرة سابقيه، ويحاول أن ينسلخ عنهم جميعاً، ويبدأ في اتجاهات جديدة تماماً، على الرغم من أنه يقبل من أفكارهم بدون وعي أكثر مما يدرك.
والطريقة الثانية تقتضي النظر إلى كل فيلسوف على أنه مفسّر للزمان والمكان اللذين عاشا فيهما؛ فأفكاره تعبير بطريقة ما عن نظرة عصره العلمية والدينية والأخلاقية والاقتصادية. أما الطريقة الثالثة من مناهج التفسير التي تقيّم الفلاسفة، فتحثّ على وضع الحياة الخاصة لكل فيلسوف وشخصيته في الاعتبار. فلا أحد في القرن السابع عشر، ما عدا يهودي معزول حُرم من عضوية المحفل الديني مثل إسبينوزا يحاول الإمساك بالجانب الآلي عند ديكارت وهوبز، ويقدّم لهذا الجانب تفسيراً روحياً يتيح تصالحاً وهدوءاً لنفسه المعذّبة.
فيشتة.. نيتشة.. كانط.. شوبنهور.. ديوي

النزعات التفاؤلية والتشاؤمية
ولم يستطع، كما يتابع رايت، سوى عشاق الحياة المتحمسين لها من أمثال ليبنتس وفتشه أن يجدا أساساً لنزعة تفاؤلية مطلقة تتوقع حياة خالدة لنشاط لا يهدأ. ولا أحد سوى عاشق أناني وعصابي للنجاح مع كراهية العمل من أجله، مثل شوبنهور، استطاع أن يرى في هذا التوقع تبريراً لفلسفة تشاؤمية مطلقة ونبذاً للعالم. وبالتالي فإنّ فلسفة كل فيلسوف عظيم هي الجزء الأكبر أهمية من سيرة حياته.
وما يميّز كتاب "تاريخ الفلسفة الحديثة" أنّ مؤلفه كثيراً ما يختم الحديث عن الفيلسوف بإبداء وجهة نظره الخاصة في فلسفته، فيقدّم للقارىء تقييماً عاماً أو بعض الانتقادات المختصرة التي تساعده في فهم الفيلسوف على نحو أفضل. وهو ما يتجلى في نقده توما الأكويني الذي "إذا ما كان قد طوّر كثيراً في الناحية الجمالية، فإنّ هذا أمر سيقوم به بعد ذلك دانتي... في الكوميديا الإلهية".
ويرى رايت أنّ ماكيافيللي كان سطحياً في افتراضاته بأنه "من الممكن تفسير السلوك البشري بدون أن نضع في الاعتبار الضمير البشري، بما له من مُثُل عليا ووساوس".

يقتضي النظر إلى كل فيلسوف على أنه مفسّر للزمان والمكان اللذين عاشا فيهما فأفكاره تعبير عن عصره

ولم يطوّر برونو، كما يعتقد المؤلف، مذهباً في الأخلاق، "إلا أنه تنبأ في ما يسمى "البحوث الأخلاقية" للإنسان بحياة مليئة من جميع الجوانب – الجمالية، والأخلاقية، والدينية، والعقلية – عندما يتخلص من الجهل والكسل والخرافة". في حين قام هوبز "بمجهود طيب لكي يخلّص الأخلاق من اللاهوت، ويؤكد أنه يجب تعريف الخير والشر عن طريق ما تحققه الرغبات البشرية أو ما لا تحققه".
وفي نظر رايت، فإنّ ديكارت يسمى أحياناً "بالأب الحقيقي للفلسفة الحديثة... فمنذ ديكارت أصبحت الدراسات الفلسفية أكثر دقة، واتساقاً، وأصبحت مهمة عقلية، وبالتالي أصبحت مثمرة أكثر. ولقد كان لديكارت أعظم تأثير في أي فيلسوف من فلاسفة عصر النهضة". في حين أنّ إسبينوزا "ربما يكون من أكثر فلاسفة عصر النهضة أهمية، على الرغم من أنّ تأثيره في معاصريه كان ضئيلاً".
ويكمن كثير من مجد هيوم الدائم "في واقعة مؤداها أنه بيّن أنه يمكن استخدام المنهج التجريبي في ميدان الأخلاق والعلوم الاجتماعية". أما هيغل، فهو "أعظم الفلاسفة ثقة بنفسه، فقد كان على يقين أنه فسّر البناء الروحي للكون تفسيراً مقنعاً"، بينما شوبنهور فلا يزال "فيلسوفاً مثيراً ومستفزّاً. وعندما يكون مخطئاً، نتوجه بالفكر لدحضه، وتنمو رؤية المرء الفلسفية نتيجة ذلك".
وفيما خصّ الفلسفة الأمريكية، يقول المؤلف الأمريكي "هناك اتفاق عام على أنّ جون ديوي يوضَعُ مع وليم جيمس وجوزيا رويس بين الفلاسفة الأمريكيين الثلاثة الأكثر شهرة الذين ظهروا في القرن العشرين".

//0x87h

اقرأ المزيد...

الوسوم: