"حفريات" لمواجهة هذا الليل

السبت 21 أكتوبر 2017

كان جدُّنا المتنبي يستشعر أثقالَ المهمّات الصعبة عندما هتف: "إذا كانت النفوسُ كباراً، تعبت في مُرادها الأجسام". فالحفر، منذ قديم الأزمان، كان يجرح الأكفّ ويشقق الأصابع، لكنّه كان يفتح مجرى لماء يطلّ على الحقول، ويبلّل أهداب الذرى، فتشعّ الخضرة وتبتهج الظلال.

والحفر، في الزمن المعاصر، صعبٌ ودونه الموتُ الزؤام. وليت الأصابع هي من يتولى المهمة الكأداء، وإنّما العقول التي تشقى كي تبدّد عتمة الظلام. والظلام في أيامنا هذه كثيف، حتى ليكاد المرء لا يُبصر في غمرته سبّابته، فيعوّل على شمس قلبه كي يرى.
وهذا وصف حالنا، ونحن نطلّ على الناس من نافذة هذا المنبر الإعلامي الذي شئنا أن نطلق عليه "حفريات"؛ لأنّه يتمثل عراكَنا الموصول ومواجهتنا المستمرة مع فلول العتمة التي تتلفّع بعباءات التطرّف الديني والتزمت الاجتماعي والكراهية والإقصاء.

أدرك القائمون على صحيفة "حفريات" أن لا سبيل إلى مكافحة التطرّف إلا بخطاب مضادّ يعمل على تفكيكه وبيان تهافته

اخترنا "حفريات" لمواجهة هذا الليل، ليقيننا أنّ الصبح لا بد منبلجٌ، ولو تأخّر. ومثلما كان أسلافنا صنّاع الحضارة ينشئون الأبجدية، وينحتون في الصخر، ويرفعون الأهرامات إلى شاهق السماء، ويكتبون نشيد الإنسان الذي روّض الوحش، فإنّنا على تلك الخطى سائرون؛ سلاحنا الكلمة والصورة، وأداتنا العقل، ووجهتنا التنوير، ومرادنا شقّ الأقنية الصغيرة أمام الخير، لتكثر روافده، وتتعدّد منابعه، وتتناسل مصبّاته. الخير وافرٌ، لكنه مسجون وراء سدود الجهل والبغضاء، واحتكار اليقين.
لقد أدركنا، ونحن نخطّط لإطلاق "حفريات"، أنّ لا سبيل إلى مكافحة التطرف إلا بخطاب مضاد يعمل على تفكيكه وبيان تهافته، وتأكيد أنّ الأديان جاءت لسعادة الإنسان لا لشقائه وتفخيخ الحياة، وإضرام الشر والأذى في عروق الحضارة والتمدن والرفاهية. وكانت خطابات الكراهية تتسارع أمامنا، فاخترنا أنّ نقوّضها بخطاب فكري عقلاني يُعيد إلى أدوات الثقافة بهاءها، وينفخ عنها الغبار، ويقدّم للناس خطاباً يقرّب إلى مداركهم معاني المقاصدية الحقة للأديان، ويساعد أكفّهم على إحاطة شمعة الأمل بسوار الحب الذي يجمع الناس أجمعين في رابطة الإنسانية.
وفي الطريق إلى هذا المسعى النبيل، لا بدّ من إماطة اللثام عن الآليات والأدبيات التي يعمل بها خطاب العنف والكراهية، والديناميكيات التي ترفده وتُغذيه، وبالتالي إخضاع ذلك الخطاب لمنهج التحليل، والنظر العميق الذي يجلو الظاهرة، ويعاين، من قرب، سيروراتها.
سنقوم في "حفريات" بتحليل سرديات الإسلام السياسي والجهادي، ومراجعة الأسس التي يستند إليها، وبخاصة الفقهية التي يتخذها وسادة ودرعاً لحماية ممارساته وصبغها بالختم الشرعي.
وسيكون علينا، في غضون ذلك، قراءة سرديات الكراهية في الخطابات الإسلامية المعاصرة، وبخاصة خطاب جماعة الإخوان المسلمين التي تعمل، عبر آليات تتصاعد بشكل هستيري، على فرض أجندة وحيدة لا شريك لها لنمط الحياة والحكم والحضارة، بهدف تقويض مسارات التمدّن التي بذلت الأسرة الكونية قروناً طويلة في تدشينها.
وسيكون علينا لزاماً أن نحفر عميقاً في ظاهرة تَفجُّر ما يعرف بـ"الإسلام الجهادي" كمنتج طبيعي للرؤية المنغلقة التي ولّدتها حركات الإسلام السياسي في مفاصل الاجتماع العربي، ومتابعة المسار الفكري للتنظيمات المنبثقة عنه وطرائق عملها، وتمويلها ودعمها، ومرجعياتها الدينية، والغائيات الأيديولوجية التي ترتجيها.

تعمل "حفريات" على تفكيك الآليات والأدبيات التي يعمل بها خطاب العنف والكراهية، والديناميكيات التي ترفده وتُغذّيه

وسنلجأ إلى انتهاج الاستقصاء الصحفي في العمل على تعرية حلقات العمل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والعنفي التي تتّبعها الجماعات والأحزاب الدينية المتطرفة، على نحو يتمازج فيه الفكري بالسياسي والديني والاجتماعي والنفسي، لأنّ في تراكم هذه التجربة ما يُعين القارئ والباحث وصانع القرار على فهم هذه الظاهرة المتطرّفة من وجوهها المتعدّدة، والمعقّدة أحياناً.
ونأمل أن يكون النجاح حليف "حفريات" التي ستعمل، بلا هوادة، على جَبْه قوى الظلام، وتفكيك ذرائع التوحّش الصادرة عن الأيديولوجيا المفخّخة التي تنظر إلى العالم من ثقب البندقية أو المدفع أو الحزام الناسف، أو الأحكام التكفيرية الغاشمة. وسيكون التفكيك المرجو لهذه الذرائع مشفوعاً بنظر لا يتوقف في المسوّغات الأخلاقية التي ينبثق عنها خطاب الموت الذي يربّت على الوحش الذي يرقد في دواخل الكثيرين، ويُغذيه بالهواجس والمخاوف والأكاذيب.

*رئيس تحرير صحيفة "حفريات"

وسم:

    اترك ردا