"سيدي وائل" صوفيّ منفتح يعشق الموسيقى وأم كلثوم ويبحث عن سعادة الروح

صورة رشا سلامة
كاتبة وصحافية أردنية

18
عدد المشاهدات

2018-01-02

لا يبدو وائل دهشان، أو "سيدي وائل"، كما يناديه مريدو الطريقة الخلوتية الجامعة الرحمانية، بعيداً عن نمط الشخصية الصوفية عموماً؛ إذ هو دائم التبسّم، كثير الودّ، بروحانية ضافية، غير أنّه لا يحبذ الحديث للإعلام.
لعلّ أول ما يتبادر لذهن من يحاول التواصل مع صوفي، وتحديداً من مريدي الزاوية الآنفة، ذلك التنبيه لمرتاد عرض "المولوية" في قونيا التركية، مفاده "لا تصفق في نهاية رقصة سما مهما تجلّيت"؛ إذ يعتريهم الارتباك إذا ما شعروا بالزائر يدقّق في أجوائهم، حتى ولو محتفياً.
دهشان واحد من أولئك؛ بل هو لا يفرح كثيراً إن وجد من ينعته بـ "الصوفي"؛ إذ يقول "الأسماء غير ذات أهمية. أحبّ الأسماء لقلبي مسلم"، مستشهداً بالآية الكريمة "ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى اللّه وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين".
ذلك النهار الربيعي
يستذكر دهشان ذلك النهار الربيعي الذي يعود للعام 1995، حين أَمّ "دار الإيمان"، في منطقة الجندويل، للشيخ حسني بن حسن بن خير الدين الشريف، مؤسّس الطريقة الخلوتية الجامعة الرحمانية، في العام 1991.
يقول "ثمة من يأتي باحثاً عن الصوفية، أما أنا فقد حضرت مصادفة، لتستحوذ عليّ تلك الأوراد والأذكار. انخرطت في الحضور واستمر حالي كذلك منذ 22 عاماً".
في الزاوية الخلوتية، استرعت حلقات الذِكر انتباه دهشان؛ إذ لطالما افتقدها محلياً وتمنّى وجودها، حين كان يراها في مساجد عالمية أثناء سفره، كما يقول.

الصوفي ينال أتباعاً من حيث لا يقصد حين يُرى أثر الروحانيات على تصرفاته فتُستثار نزعة الفضول لدى الآخر

يوضح: "الجسد يستمتع أما الروح فتسعد. ووجدت بعد بحث طويل، أنّ سعادة الروح تكمن في درجة التواصل مع الله عبر هذه الأوراد والنوافل، وتحديداً عند صلاة الفجر وبين المغرب والعشاء".
من يستمع لحديث دهشان من دون أن يعلم عدد الأعوام التي أمضاها في الزاوية، وما يتبع إليها من مراكز أيتام وتعليم للغة العربية وأصول التجويد ومدارس وتكيّات، يحسبه محض مصلٍّ عابر؛ إذ إلى جانب ما يجافيه من نعوت وتوصيفات، فإنّ مظهره يبدو بعيداً عن الصورة التقليدية للشيخ الصوفي؛ ذلك أنه لا يرتدي الجبّة والعمامة؛ بل بدلة، كما يستخدم نبرة حديث تشي بتحصيله العلمي الرفيع في الجيولوجيا وتجارته الممتدة لمناطق عدة. كذلك هو ينثر مجسمات ذات ثيمات تاريخية وروحانية في زوايا عدة من بيته، ويحتفي بالموسيقى وغناء "الست" أيّما احتفاء، كما لم يتدخّل في قرار حجاب أي من بناته الخمس.
الشيخ حسني الشريف

من لا يعشق الموسيقى مصابٌ في إيمانه
يقول "أحسب أن من لا يمتلك حساً فنياً وذائقة جمالية مُصاب في صُلب إيمانه"، متسائلاً "ألا نقرأ القرآن على مقامات: الصبا والبيات والنهاوند وغيرها؟".
في ردّ له على سؤال الصوفية والسياسة، وإذا ما كان الصوفي ينخرط بأي شكل كان في المشهد السياسي، يقول "ترك السياسة سياسة. القاعدة الأهم لدينا هي النأي بأنفسنا عنها؛ إذ لها رجالها. أُفضّل السياسي المتديّن على المتديّن السياسي".
يقرّ دهشان أن جزءاً من أسباب ترك السياسة لدى الطريقة الخلوتية "الخوف على سيرورة العمل في المدارس والمراكز والتكيّات وغيرها"، متسائلاً: "ما الذي سيترتب على التدخّل في الشأن السياسي؟ تضييق للحريات الممنوحة وتعطيل للعمل وتشويش للروحانيات التي يرنو إليها الصوفي. هناك ساسة، فلماذا يتدخّل رجل الدين؟".

وائل دهشان: في البدء عانيت اجتماعياً وعائلياً حين انتظمت في الزاوية والآن تغيّر الوضع وصار المعترضون معي

على الرغم من ذلك، لم يحتمل دهشان محاولة استفزازه بسؤال عن موقف الصوفية من قضية فلسطين على سبيل المثل؛ إذ تجافي الصوفية أي صدامٍ حاد أو دموي وفي الوقت ذاته تنادي بتحرير الأرض والمقدسات الدينية من الغاصبين، ليقول باندفاع "كل من قادوا النضال كانوا صوفيين، منهم مثلاً صلاح الدين الأيوبي، وعز الدين القسّام، وعبد القادر الجزائري، وعمر المختار، وغيرهم".
صوفي شركسي هادىء
دهشان، المولود في العام 1965 لأسرة شركسية، لا يتخذّ أي موقف عدائي أو حتى حاد من أي شخص يعارض نمط حياته الصوفي الهادئ، موضحاً "في البدء، عانيت اجتماعياً وعائلياً حين انتظمت في الزاوية. الآن تغيّر الوضع؛ إذ كل من عارضوني باتوا مع الزاوية أو من المعجبين بها".
يقول "هنا في الزاوية الخلوتية، نحاوِل أن نخرج بالصوفي من صومعته؛ إذ لا بد له من الانشغال بقضايا مجتمعه وأمته. لذا، نحن الطريقة الصوفية الوحيدة التي يمتدّ نشاطها لمناحٍ عدة اجتماعية وتنموية، وليس دينية فحسب".

دهشان: أنا على علاقة طيبة بمريدي طرق صوفية وزوايا أخرى غير الخلوتية كالرفاعية والقادرية والشاذلية وغيرها

يُقرّ دهشان ببعض الصور السلبية التي تُسبَغ على الصوفي، والتي تمتزج فيها النزعة الاستشراقية  بالجهل والاستسهال في إطلاق الأحكام. يتساءل: "حين تذهبين لمدينة أوروبية وتوضعين في مرتبة تساويكِ بإرهابيي تنظيم داعش مثلاً. هل هذا يعني أنكِ معهم في الكفّة نفسها لمجرد أنّ الإطار العام، ولو زوراً، هو الإسلام؟".
لا يُسهب دهشان كثيراً عند سؤاله عن نبرة التحفظ بين الطرق الصوفية في الأردن. يقول: "شخصياً، أنا على علاقة طيبة بمريدي طرق صوفية وزوايا أخرى غير الخلوتية كالرفاعية والقادرية والشاذلية وغيرها".

مجموعة من أتباع الطريقة الخلوتية الجامعة الرحمانية

ثقب الأجساد
وعند سؤاله عن رأيه في أتباع طرق أخرى يثقبون أجسادهم بـ "الشيش"؛ ليثبتوا أنه يخرج منهم من دون أذى، كنوع من الكرامات، اكتفى بالصمت. بعد ثوانٍ، تساءل: "هل تتفق هذه الممارسات، بالمجمل، مع أي فطرة إنسانية؟"، مستدركاً "هذا الانحراف موجود عند السيخ أو مذاهب أخرى أو حتى جمعيات بريطانية وغيرها. لكن هل نعمّم على نتاج فكري على سوية عالية مثل نتاج الشيخ أحمد بن علي الرفاعي، لمجرد أنّ بعض أتباع طريقته انحرفوا عن المسار الصحيح؟".
يتحاشى دهشان الحديث عن العلم الصوفي بحد ذاته على الرغم من تبحّره فيه، وفقاً لمريدي الزاوية، بيد أنه يقول: "في الآونة الاخيرة، انتشرت بعض الروايات عن الصوفية. ربط  البعض نشأتها بشخص جلال الدين الرومي. وهذا غير صحيح؛ إذ لم يمضِ على وفاته سوى ثمانمائة عام، أما الصوفية فهي أقدم من هذا بكثير".

دهشان: من لا يمتلك حساً فنياً وذائقة جمالية مُصاب في صُلب إيمانه ألا نقرأ القرآن على مقامات الصبا والبيات والنهاوند وغيرها

وينوّه "لعبت ترجمة مؤلفات الرومي للغات شتى دوراً كبيراً في رواجها عالمياً. لذا، بات الرجل رمزاً للصوفية، بل مُلهِماً حتى لدى من يُعجبون بنهجه الفكري فحسب".
قلّما تفلح محاولات إخراج دهشان عن نبرته الهادئة؛ ذلك أنه عند سؤاله عما إذا كانت العلاقة بين الرومي ورفيقه شمس الدين التبريزي مريبة، وفقاً لمعايير هذا الزمان؛ بل حتى ذلك الزمان إلى حد وصل فيه الأمر لشبهة قتل التبريزي لاحقاً؛ غيرة من عائلة الرومي وأتباعه عليه، اكتفى بالابتسام، قائلاً بهدوء: "لا. ما حدث هو انتهاجهما الخلوة للوصول لقواعدٍ صوفية اصطُلِح عليها لاحقاً: قواعد العشق الأربعون، وهي قمة في الرؤية الصوفية".
تعبيرية

الرومي وعشق رفيق دربه
عند محاولة الاستشهاد بوقائع أخرى ثابتة عنهما، وأقوال للرومي فيها عن عشق رفيق دربه الكثير، اكتفى بتلويحة وادعة بيده: "قد يتعذّر فهم بعض الأجواء لغير مريدي الطرق الصوفية؛ إذ كانا يتحدثان بالرموز والمصطلحات والروحانيات، ما يجعل فهمها متعذراً لدى البعض، وقد تكون نزعة الأدب والدراما لعبت دورها لدى من دوّنوا هذا الأمر، لكن في المحصّلة: ألم تكن النتيجة مضيئة للإنسانية جمعاء؟".
وهل هنالك "دعوة" للصوفية، على طريقة الدعوة في الإسلام والتبشير في المسيحية؟ يقول دهشان: "ليس مطلوباً أن تدعو أي أحد كان لأي اتجاه كان. من يريد شيئاً يبحث عنه ولا يُرشَد إليه"، مستدركاً أنّ الصوفي "ينال أتباعاً من حيث لا يقصد، حين يُرى أثر الروحانيات على تصرفاته، فتُستثار نزعة الفضول، لدى الآخر، ومن ثم حب الصوفية لاحقاً".

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: