المرأة كما تصوّرها حسن البنا: مكانها المنزل ووظيفتها الإنجاب

الجمعة 13 أكتوبر 2017

أراد حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، من خلال رسائل كان يبثّها، وضع اللّبنات الأولى في بنيان الجماعة التي تشكل الآن كبرى الحركات الإسلامية وحركات الإسلام السياسي، من خلال تصوراته عن الراهن الثقافي والاجتماعي والعقدي وسبل إصلاحه بوصفه فاسداً من جهة انفصاله عن الشرع، وإن لم يكن كذلك في باب العقل ومنطق الأرض.

ومن ضمن هذه التصورات التي وضعها، ويجب إعادة النظر فيها، تصوراته عن المرأة في الإسلام والتي بثّها من خلال رسالة صغيرة مقتضبة وعجولة وغير متأنية في طرحها للأفكار، كما يثبت ذلك كتاب "المرأة المسلمة" الصادر عن دار الجيل في بيروت. ففي هذا الكتاب يعتبر البنا أنّ ما يقوله هو في الحقيقة تحصيل حاصل؛ أي تذكر لنسيان طبع المجتمعات المسلمة عموماً والمجتمع المصري على وجه الخصوص.
ويظهر هذا من خلال إهمال البنا لكتابات ما يسمى بعصر النهضة في هذا الشأن الذي يخص المرأة؛ فيبدو واضحاً للقارئ أنّ حسن البنا لا يؤسس لأي نوع من الحِجاج في هذا الشأن.
البنا، وحسب، يعتمد على الوجدان العام المعادي للمنتج الغربي وتمظهراته في الثقافة الإسلامية بوصفها طهرانية اجتاحتها دناسة الفكر الغربي، وهذا الفكر في مسألة المرأة ليس له عند البنا محدد موضوعي، فكل ما ينافي تصوراته الإسلامية لشكل المجتمع يدخل في خانة الدناسة الغربية، وهنا يكمن الإشكال؛ إذ ينطلق من بساطة تخلّ بغنى وتعدّد الرؤى داخل الإسلام وتعدّد الرؤى الغربية نفسها ومسيرتها الطويلة خصوصاً في بناء المجتمعات والتعليم والتربية.

المرأة، في تصوّر البنا، كائن بشري لا دور له في الحياة سوى الإنجاب والتربية والرعاية

يضع البنا في البداية تصوراً عاماً نجده شائعاً في معظم المقولات الإسلامية، وهو كون الإسلام جعل للمرأة حقوقاً كما الرجل، ولكن هذه المقولة المعمّمة والمفتوحة يتضح أنّها مجرد شعار برّاق يخالفه بقية المضمون النظري التفصيلي لها، وهي أيضاً تنطوي على ثبات لا نقاش فيه لحقوق الرجل تقاس حقوق المرأة، الأمر الذي يظهر في الصياغة "كما الرجل". واعتبر حسن البنا هذه المقولة ليست بحاجة إلى مزيد تفصيل؛ إذ يحيل القارئ إلى ما يتوهّم هو أنه معلوم وليس بحاجة إلى إيضاح كما يرد في كتابه.
 

من اختلاف التنوع إلى اختلاف الحقوق
الاختلاف هنا ليس اختلافاً طبيعياً داخل الوحدة، وهي الكائن البشري بوصفه ذكراً وأنثى، إنما اختلاف له اعتبارات حقوقية وتراتبية؛ إذ يبرر حسن البنا التصور القائل بنقصان مكانة المرأة وحقوقها بكون هذا النقصان هو بالأصل فائدة للمرأة نفسها، ما يجعل لها طريقاً مختلفاً عن طريق الرجل في نظم الحياة؛ فطريق المرأة عند حسن البنا ومهمتها في الحياة التي خلقها لأجلها الله هي الرعاية والتربية وحسب، كما يقول في كتابه، الأمر الذي يعفيها من القيام ببقية الأعباء.

المرأة، في تصور حسن البنا، كائن بشري لا دور له في الحياة سوى الإنجاب والتربية والرعاية؛ فهي مستقيلة من الفعل في الحياة العامة، فوفقاً لاختلافها عن الرجل لا يجب أن تتعلم شيئاً غير الدين، وما تحتاجه من الحساب والكتابة، أما بقية العلوم كالتبحّر في اللغات والفن ودراسة الحقوق والقوانين فعبث لاطائل منه، كما يقول البنا في كتابه، ليرد على أصحاب الرؤى المخالفة بطريقته التبسيطية المخلة المعهودة قائلاً: ستعلم –أي المرأة – أنّها للمنزل أولاً وأخيراً.
مجتمع فردي وحياة عامة بلا نساء
يكرّر البنا مراراً في رسالته حول المرأة أن المجتمع الإسلامي مجتمع فردي يعيش فيه الرجل منفصلاً عن المرأة، والمرأة منفصلة عن الرجل في سياق منع الاختلاط وأسبابه في الحياة العامة كالمدارس والجامعات والمؤسسات، وهذا الأمر يعني ضمنياً، بحسب قاعدته، أنّ الحياة العامة وفقاً للشرع الذي يتخيله حياة عامة بلا نساء؛ فالأعمال العامة، كما يقول في الكتاب المذكور، أمر محرم في الإسلام، ما يجعل الفعل الحضاري فعلاً يقوم على ساق واحدة، وهو ما لن يحدث إذا انزوت المرأة، وغدت كائناً أبكم لا وجود أنطلوجياً مستقلاً لها في الحياة باعتبارها أحد الجزأين اللذين يكونان الوجود البشري ويعمرانه.
البنا يصنع مخيالاً يميت دور المرأة في سياقنا الثقافي الاسلامي والعربي بتحجيم دورها وحرمانها من العمل والعلم، فما دوّنه في رسالته حول المرأة ردة ونكوص عن مسيرة تحرير المرأة من الحتميات الثقافية الخاصة والظلم الاجتماعي الذي يقتلها انطلوجياً.

 


وسم: