حيدر إبراهيم: فرض الإخوان المسلمون نفوذهم في السودان بالسيطرة على الاقتصاد والتعليم

صورة سامح إسماعيل
كاتب وباحث مصري

541
عدد القراءات

2018-01-07

أكّد المفكر السوداني الدكتور حيدر إبراهيم أنّ الإخوان المسلمين هدفوا لفرض نفوذهم على مفاصل السلطة في السودان، سيّما في قطاع التعليم والاقتصاد؛ حيث إنّهم سيطروا على النظام المصرفي الإسلامي منذ السبعينيات، وراكموا ثروات طائلة، بينما كان المجتمع السوداني يمرّ بأزمة اقتصادية طاحنة في ظل حكم جعفر النّميري؛ بل وصل الأمر إلى انتشار المجاعات في بعض المناطق.

وكان هدفُ الإخوان من ذلك في بلد فقير، مدّ صلاتهم التجارية إلى الخارج، من خلال علاقاتهم مع بعض دول الخليج؛ حيث تمّ إنشاء العديد من المؤسسات، من ضمنها؛ منظمات الإغاثة، ومنظمة الدعوة الإسلامية، وكل هذه المؤسسات كانت تضخ أموالاً لجماعة الإخوان.

ونوّه إبراهيم، في حواره أجرته معه "حفريات"، إلى أنّ الإخوان المسلمين استثمرت جيداً في أنّ التعليم السوداني كان يعاني مشكلة كبيرة؛ حيث سافر عدد كبير من المنتمين لجماعة الإخوان إلى مصر، وتلقّوا تعليمهم في الأزهر ودار العلوم، وعند عودتهم إلى السودان اشتغلوا بالتدريس، ما انعكس ذلك على المجتمع.

حين دخل الإخوان إلى السلطة في السودان كان نظام النّميري يتآكل فأصبحوا وحدهم القوة الأساسية القادرة على الاستمرار

والدكتور حيدر إبراهيم، مفكر سوداني ولد في العام 1943، تحصّل على الدكتوارة في فلسفة في العلوم الاجتماعية من جامعة فرانكفورت عام 1978، عمل في العديد من المراكز البحثية في العالم العربي، شغل مناصب عدة منها: منسّق الدراسات والنشر بالمجلس القومي للثقافة العربية، مدير مركز الدراسات السودانية، رئيس تحرير مجلة دراسات سودانية، الأمين العام للجمعية العربية لعلم الاجتماع، له عديد الأبحاث والدراسات التي أثرت المكتبة العربية، منها: لاهوت التحرير، الدين والثروة في العالم الثالث، مقدمة في علم الاجتماع، أزمة الإسلام السياسي – الجبهة الإسلامية نموذجاً، التيارات الإسلامية وقضية الديمقراطية، سقوط المشروع الحضاري، وغيرها.

وهو مؤسس اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد في السودان، شغل عضوية العديد من المؤتمرات ولجان التحكيم، مثل: عضوية المؤتمر القومي العربي ببيروت، وعضوية  لجنة تحكيم جائزة نادي دبي للصحافة 2003م، وهو عضو لجنة تسيير المجموعة السودانية للسياسات البديلة، وعضو لجنة علم اجتماع الدين، بالجمعية الدولية لعلم الاجتماع في إيطاليا، وأمين عام الجمعية العربية لعلم الاجتماع، وعضو مجلس الأمناء الآن، وهو عضو الجمعية الدولية لعلم الاجتماع، وعضو رابطة الانثروبولوجيين الملكية في بريطانيا، ومحكم مجلة العلوم الاجتماعية التابعة لجامعة الكويت.وغير ذلك

وفيما يلي نص الحوار:

في الوقت الذي عمل فيه إخوان الخارج ضمن تنظيم "الجبهة الوطنية" المعارض، كان إخوان الداخل يعقدون صفقة مريبة مع نظام النّميري، تمخّض عنها تعيين "الرشيد طه بكر" المقرب من الإخوان رئيساً للوزراء ونائباً للرئيس، قبل أن يسيطروا عقب مصالحة عام 1977 على عدد كبير من المناصب في المؤسسات السيادية، كيف تقرأ سيناريو القفز على السلطة في ضوء هذا التحرك النفعي؟ وكيف فشل النميري في قراءته؟

كانت هذه المصالحة بوابة ذهبية دخل من خلالها الإخوان إلى السلطة؛ حيث يظل جعفر النّميري رئيساً، بينما يتمكنون هم من مفاصل الدولة، وبالفعل تقلدوا عدداً من المناصب المهمة جداً، فمثلا تولى حسن الترابي وزارة العدل، وتولى أحمد عبد الرحمن وزارة الداخلية وغيرهم .

في الوقت الذي دخل فيه الإخوان إلى السلطة في السودان، كان نظام النّميري يتآكل، فأصبحوا وحدهم القوة الأساسية التي لديها القدرة على الاستمرار، وقبيل الانقلاب على النّميري، وكان في رحلة سفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، اتخذ قراراً بمحاكمة الإخوان عند عودته، وقام بالفعل بعدة إجراءات، ففصل البعض، واعتقل البعض الآخر، وهو ما نجح الإخوان في الترويج له دعائياً، مدّعون أنّهم "آخر من خرج من سجون النميري"، على الرغم من تعاونهم معه، وقصر مدة اعتقالهم، والتي لم تتجاوز أشهر معدودة، وهو ما جعل البعض ينادي بمحاكمتهم لتعاونهم معه عقب انتفاضة 1985.

سيطر الإخوان على النظام المصرفي الإسلامي وراكموا ثروات طائلة بينما كان المجتمع السوداني يمرّ بأزمة اقتصادية طاحنة

بعد قيام الانتفاضة اختلفت الأحزاب حول الفترة الانتقالية، فتمّ الاتفاق على إنشاء مجلس انتقالي عسكري، هذا المجلس كان للإخوان المسلمين نصيب كبير فيه، وكذلك لذوى الميول الإخوانية، مثل "سوار الذهب"، وبصفة عامة كانت الحكومة الانتقالية التي جاءت بعد النّميري ذات ميول إخوانية، ومع حلول مع الانتخابات تم إنشاء دوائر خاصة لخريجي الجامعات، والتي عملت بطريقة إقليمية وليست قومية، وهذه الدوائر هي التي نجح بها الإخوان، واستطاعوا الحصول على الأغلبية بها، ويمكن القول إنّ النميري قرأ السيناريو متأخراً، في وقت نجح فيه الإخوان في التمدد في البنى التحتية والفوقية، وهو ما أدى إلى تمكنهم من السلطة عقب الانتفاضة.

جعفر محمد النميري، الرئيس الخامس للسودان، خلال الفترة من 25 مايو 1969 إلى 6 أبريل 1985

وهل كانت هناك قواعد اقتصادية ساعدت الإخوان على تقوية مركزاهم؟ خاصة في ظل ما أنفقوه من أموال في انتخابات 1986.

بالفعل، سيطر الإخوان على النظام المصرفي الإسلامي منذ السبعينيات، وراكموا ثروات طائلة، بينما كان المجتمع السوداني يمر بأزمة اقتصادية طاحنة في ظل حكم النميري؛ بل وصل الأمر إلى انتشار المجاعات في بعض المناطق، وكان هدف الإخوان هو تحقيق السيطرة الاقتصادية في بلد فقير، وامتدت صلاتهم التجارية إلى الخارج، من خلال علاقات مع بعض دول الخليج، من خلال هذه العلاقات تم إنشاء العديد من المؤسسات، من ضمنها منظمات الإغاثة، ومنظمة الدعوة الإسلامية، وكل هذه المؤسسات كانت تضخ أموالاً لجماعة الإخوان المسلمين، كما تم إنشاء العديد من المنظمات من خلال التمويلات الخليجية خاصة القطرية، من خلال البنوك الإسلامية التي تمكنت من القطاع المصرفي في السودان، كبنك التضامن الإسلامي، وبنك فيصل الإسلامي، وكلها كانت بأموال خليجية.

في انتخابات 1986 جاءت الجبهة الإسلامية القومية التابعة للإخوان في المركز الثالث خلف حزبي الأمة والاتحاد، وبغض النظر عن الأموال الضخمة التي ضختها الجبهة، يبقى السؤال: كيف أمكنها تحقيق هذا المركز المتقدم عقب انتفاضة أطاحت بحليف لم ينقلب سوى في الأشهر الأخيرة؟ وهل لعب نظام التعليم الذي غلبت عليه السمة الإسلامية دوراً في ذلك؟

نجحت الدعاية الإخوانية في ترويج خطاب المظلومية، والتي لم تتجاوز أشهر معدودة في ظل تاريخ طويل من التحالف مع النّميري، كما لعب التعليم دوراً كبيراً، ففي ذلك الوقت كان التعليم السوداني يعاني مشكلة كبيرة، استثمرها الإخوان جيداً؛ حيث سافر عدد كبير من المنتمين إلى الإخوان المسلمين إلى مصر، وتلقوا تعليمهم في الأزهر ودار العلوم، وعند عودتهم إلى السودان اشتغلوا بالتدريس، وهذا كله كان له تأثير كبير جداً على المجتمع السوداني، يكفي أن تعرف أن كتاب "شبهات حول الإسلام" لمحمد قطب، كان يدرس في المدارس الثانوية السودانية.

بالإضافة إلى ذلك، إن نظام دوائر الخريجين، وهو نظام انتخابي، كان موجوداً بعد الاستقلال، حتى تتمكن النخب المتعلمة في السودان من الوصول إلى البرلمان، خاصة مع انتشار الأمية وقلة عدد المتعلمين، وبالتالي تفوق الإخوان في معظم دوائر الخريجين، مع السماح للمغتربين بالتصويت.

ولكن، ورغم وجود هذا التفوق النوعي لحزبي الأمة والاتحاد في الانتخابات، كانت الجبهة الإسلامية هي الأكثر نفوذاً، والأعلى صوتاً؛ حيث ظهر أنّها الحاكم الفعلي للبلاد، كيف تفسر فشل أكبر حزبين في منع تمدد نفوذ الجبهة الإسلامية صاحبة المقاعد الأقل في البرلمان؟

كان حزبا الأمة والاتحاد حزبين كبيرين، لكنهما تقليديان ولديهما مرجعية دينية، بحكم الانتماء إلى خلفيات صوفية،  لذلك لم تكن لديهما القدرة على مجابهة الإخوان، نعم، حصلا على مقاعد كثيرة في الانتخابات؛ حيث كان لهما أكثر من 170 مقعداً في البرلمان، لكن السيطرة الحقيقية كانت للإخوان الذين رفعوا شعار الدولة الإسلامية، وعليه فليس في مقدور حزب قائم على أساس ديني أن يرفض هذا الشعار.

وماذا عن الأحزاب المدنية الأخرى؟

كانت هناك قوى مدنية حزبية، كالحزب الشيوعي وعدد آخر من الأحزاب، لكن لم يكن تتوفر لهم الإمكانيات المادية التي كانت متوفرة لجماعة الإخوان المسلمين، فمثلاً؛ في انتخابات النقابات أنفق الإخوان قدراً هائلاً من الأموال، وكأنها انتخابات برلمانية، وهو ما لم يكن متوفراً لغيرهم من القوى السياسية الأخرى .

فشل الإخوان بمصر في تجربة الحكم، وكذلك تساقطوا تباعاً في البلدان التي وصلوا فيها إلى دوائر السلطة، بينما نجحوا في السودان وشددوا قبضتهم، واستمروا في الحكم لأكثر من ربع قرن، كيف تفسر ذلك؟

في البداية، وعقب انقلاب عام 1989، اشتغل الإخوان على الناحية الأمنية؛ حيث استمر حظر التجوال في السودان قرابة العام، كما اهتموا بجهاز أمن المتبقي من نظام النّميري، والذي تلقى أفراده تدريباً عالياً في مدرب في الولايات المتحدة، وكان على كفاءة عالية جداً، بالإضافة إلى أن الإخوان كان لديهم كوادر تم تدريبها في إيران، ثم قاموا بعزل كل من لا ينتمي لهم أو يتعاطف معهم، في كل مؤسسات الدولة وأجهزتها من الخدمة المدنية، ففي الجامعة قاموا بفصل العديد من أساتذة الجامعات وكذلك الحال في الشرطة والقضاء والإعلام والجيش، وغيرها من المؤسسات، وقاموا بتعيين أفراد منهم أو موالين لهم، وبناء عليه، وبهذه الطريقة، تم تغيير جهاز الدولة، ليصبح تابعاً لهم.

من مظاهرات الإخوان السودانيين المؤيدة لإخوان مصر عقب ثورة 30 يونيو

انفجرت عاصفة "الربيع العربي"، وتناثرت شظاياها الثورية هنا وهناك، لتسدل الستار على أنظمة حكم أصحابها طويلاً، في تونس ومصر وليبيا واليمن، ورغم انتماء السودان لنفس المحيط الجغرافي، ورغم وجود صراعات داخلية وحروب أهلية منهكة، وحده نجا النظام السوداني من رياح التغيير. كيف يمكن أن نقرأ ذلك في ضوء بنية النظام، وطبيعة المعارضة؟

كانت محاولة توحيد المعارضة السودانية نقطة ضعف دائمة؛ لأن بها العديد من المشاكل؛ حيث كان هناك اتجاهان، الأول؛ تمثله الأحزاب التقليدية، والقوى اليسارية، وهم دائماً معارضون للنظام، لكن للأسف كان هناك دوماً صعوبة شديدة في العمل فيما بينهم، والتعاون مع بعضهم البعض، وفي كل مرة نجدهم يتحدون ظاهرياً، لكن الصراعات والخلافات الداخلية التي لا تنتهى بينهم سرعان ما تجهض أية محاولة لتوحيد قوى المعارضة المدنية، والاتجاه الثاني هو المعارضة المسلحة، فهناك العديد من القوى السودانية التي تؤمن بالكفاح المسلح، كالحركة الشعبية بجنوب السودان، والمجموعات المسلحة بدارفور، كما أنّه في فترة من الفترات كونت كل الأحزاب داخل السودان مليشيات مسلحة، ففي اجتماع "أسمرا" قرر كل حزب أن يُكَوّن جناحاً عسكرياً، وكانت هناك موجة حمل فيها الكل السلاح، خاصة بعد أن صرح الرئيس السوداني "عمر البشير" أن النظام السوداني: "جاء بالقوة ولا يمكن أن يخرج إلا بالقوة"، فقامت الأحزاب بتأسيس أجنحة عسكرية لها، وإنشاء معسكرات تدريب لها في أريتريا.

وهل تجد تعارضاً بين النمطين؟ وهل أدى ذلك إلى تقويض جهود حركة المعارضة؟

بالطبع، هناك تعارض كبير بين هذين النمطين من المعارضة: المسلحة والمدنية؛ وهو ما أحدث خللاً في المعادلة، لعدم اعتماد وسيلة واحدة ومحددة للتغيير والتعامل مع النظام، ويبقى الجدل لا ينتهي حول تساؤلات إشكالية مثل: هل الأنسب حمل السلاح ضد النظام؟ أم الأنسب هو الكفاح المدني عن طريق التظاهرات والإضرابات والاعتصامات؟ كان هذا الجدل العقيم هو السبب الرئيسي الذي أدى إلى عدم فاعلية أحداث "الربيع العربي" داخل السودان مثل بقية الدول العربية .

في النهاية، إلى متى يستطيع نظام الإنقاذ في السودان حل تناقضاته والاستمرار في السلطة؟

نظام الإنقاذ في السودان ليست لديه مقومات الاستمرار، فالنظام السوداني الآن يمر بأزمة اقتصادية صعبة جداً؛ حيث بلغت قيمة الدولار الأمريكي حوالي 27 جنيهاً سودانياً، كذلك هناك صعوبات ومشاكل متعلقة بالمواد التموينية، كما أنّ قطاع الخدمات منهار تماماً، فمثلاً أي سوداني يمر بأزمة صحية، سوف يضطر للسفر إلى القاهرة لتلقي العلاج، وهو أمر غير متوفر للجميع في ظل الأزمة الاقتصادية الحادة، فالسودان الآن يمر بوضع متأزم جداً، لذلك يسعى النظام لخلق مشاكل خارجية والدخول بها، والتورط في أحلاف عسكرية إقليمية، في محاولة يائسة لجني أي مكاسب، أو الاعتراف بوجوده وشرعيته.

اقرأ المزيد...

الوسوم: