مراجعات الإخوان والسلفيين: حديث بيانات تفنّده الوقائع

الجمعة 13 أكتوبر 2017

ساهمت أحداث الفتنة التي تمرّ منها المنطقة، والتي يُصطلح عليها إعلامياً بأحداث "الربيع العربي"، في تسليط الضوء البحثي بلْه الإعلامي على العديد من القضايا والمفاهيم التي كان يتم تداولها باحتشام أو بتواضع شديد في حقبة ما قبل يناير 2011، من قبيل الخوض في مفهوم "العَلمانية"، مفهوم "الدولة" في السياق، وغيرها من المفاهيم.
وواضح أن مفهوم "المراجعات" عند التيار الإسلامي الحركي، في شقّيه؛ الإخواني والسلفي، يوجد ضمن هذه المفاهيم. نقول هذا أخذاً بعين الاعتبار لائحة من المستجدات الميدانية التي لم يتوقعها صناع القرار، بلْه العامة في المنطقة، بُعيد اندلاع هذه الأحداث، ونقصد بذلك التطورات التي طالت مواقف العديد من الفاعلين الإسلاميين، مباشرة بعد اندلاع هذه الأحداث، نذكر منها بداية ما صدر عن بعض رموز "المراجعات" في المنطقة، وخاصة في مصر؛ ونذكر منها أيضاً ما طال الجسد الإخواني بشكل عام، ليس في مصر وحسب، ولكن في المنطقة، بما في ذلك أعضاء وأتباع المشروع الإخواني في القارة الأوروبية.

المراجعات الحقيقية عند الإخوان، تُفيد أن يأخذوا مسافة نظرية وتنظيمية من خطاب المفاصلة الشعورية والحاكمية والجاهلية

ومعلوم أن "مراجعات" التيار "الجهادي" في نسخته المصرية، أفضت إلى صدور مجموعة من الإصدارات التي تُصنّف في خانة "المراجعات"، من قبيل: "نهر الذكريات: المراجعات الفقهية للجماعة الإسلامية"، ثم "سلسلة تصحيح المفاهيم" [وتضم أربعة كتب: "مبادرة إنهاء العنف: رؤية شرعية ونظرة واقعية"؛ "حُرمة الغلو في الدين وتكفير المسلمين"؛ "تسليط الأضواء على ما وقع في الجهاد من أخطاء"؛ "النصح والتبيين في تصحيح مفاهيم المحتسبين"]، وهناك أيضاً العمل القيّم الذي يحمل عنوان: "استراتيجية وتفجيرات القاعدة: الأخطاء والأخطار"، ونعتبره أهم ما حُرّر في النقد الفقهي ضد أدبيات "الجهاديين".
صدرت هذه الأعمال النقدية، التي تفكك فقهياًّ الخطاب الإسلامي "الجهادي"، قبل اندلاع أحداث "الربيع العربي"، ولكن، مما عايناه بُعَيد اندلاع هذه الأحداث، أن رموز "الجماعة الإسلامية" التي اشتغلت على هذه الأعمال، انقسمت إلى اتجاهين بارزين في معرض التفاعل مع التطورات التي كشفت عنها أحداث الفتنة، بين فريق بقي متشبثاً بشكل صريح وواضح بالمعالم الكبرى لهذه المراجعات، ويتقدم هؤلاء، الداعية والقيادي ناجح إبراهيم؛ مقابل فريق "مضاد" جسّد الأغلبية على أرض الواقع، من نفس المجموعة، ولكنه عاد إلى مرحلة ما قبل "المراجعات"، وانخرط في إعلان الولاء السياسي للمشروعين الإخواني أو "الجهادي" في المنطقة، وتطورت الأوضاع إلى فراره من مصر بمقتضى التراجع عن "المراجعات"، أو اعتقال بعض أعضائه.
هذا عن التيار الإسلامي القتالي أو قل "الجهادي"؛ ولم يخرج المشهد العام لمعالم المراجعات كثيراً مع التيار الإخواني؛ أي التيار الذي يرفع شعارات "الإسلام هو الحل" في الاستحقاقات الانتخابية، بلْه في عمله الدعوي والتربوي؛ حيث عاينّا انخراط أغلب الحركات والأحزاب الإسلامية في المنطقة، المحسوبة بالتحديد على العمل السياسي الإسلامي ["الإسلام السياسي"]، في حملات "نُصرة" المشروع الإخواني، ولو تطلب الأمر ما يُشبه التورط في لائحة قلاقل سياسية مع أنظمة الساحة، فالأحرى مع باقي الفرقاء السياسيين، كما عاينا على سبيل المثال لا الحصر، مع الحالة المغربية، وتفاعل الفصيل الإخواني فيها، المُجسَّد في حركة "التوحيد والإصلاح" بحليفها السياسي حزب "العدالة والتنمية"، في نُصرة المشروع الإخواني، بالرغم من أنّ الحزب الإخواني كان ولا يزال يقود حكومات ما بعد "الربيع المغربي"، وقد اتّضح ذلك في عدة محطات، نذكر منها واقعة دالة، وكانت صادمة حينها، واصطلح عليها بـ"واقعة أحمد منصور"؛ إذ وجهت اتّهامات إلى الإعلامي أحمد منصور الذي يعمل في فضائية "الجزيرة" بخصوص تورّطه في زواج متعة عبر وساطة إخوانية مغربية، وهي اتهامات ردّ عليها بشدة، في صفحته على موقع التواصل الاجتماعي، مورداً لائحة من الاتهامات الأخلاقية ضد فاعلين مغاربة في السياسة والإعلام، وهذا شأنه الخاص في نهاية المطاف، ولكن ما فاجأ الرأي العام المحلي، أنّ حزب "العدالة والتنمية" الإخواني المرجعية، نشر مُجمل التدوينة، في الموقع الرسمي للحزب، تعبيراً عن تأييده مضامين التدوينة، والحال أنّ الحزب يقود حكومة، وليس حركة دعوية لديها هامش كبير من العمل الدعوي يُخول لها التصرف بهذا المنطق.
الشاهد هنا، أنه آن الأوان للحسم في بعض الرؤى وأخذ مسافة من المجاملة والدبلوماسية في التعامل مع موضوع "المراجعات" الخاص بالظاهرة الإسلامية الحركية، أو قل، أخْذ مسافة من مراجعة "الحقيقة الدينية" كما تتخيلها الحركات والأحزاب الإسلامية في المنطقة، والتي تعتقد أن تديّنها هو الدين.

الحركات الإسلامية بشكل عام، تنهل من أدبيات المؤسس حسن البنا ومن أدبيات باقي الرموز اللاحقة، من قبيل أبي الأعلى المودودي وسيد قطب وسعيد حوى وسواهم، وهي أدبيات مُتغلغلة في الجهاز المفاهيمي لقيادات وأتباع المشروع الإسلامي الحركي، بل تُعتبر مفاهيم مؤرقة وعصية على التنازل بين ليلة وضحاها، من قبيل مفاهيم "المفاصلة الشعورية" و"الولاء والبراء" و"الحاكمية" و"الجاهلية" و"الطائفة المنصورة" وما يُشبه قاموس من المفاهيم يحتاج إلى مزيد تفكيك وتشريح.

آن الأوان للحسم في بعض الرؤى وأخذ مسافة من المجاملة والدبلوماسية في التعامل مع مراجعات الظاهرة الإسلامية

رُبّ معترض أنّ مواقف الإسلاميين في الساحة العربية، أو أغلبها على الأقل، وخاصة عبر ما تصدره من بيانات وبلاغات، تصب في تزكية الحديث عن المراجعات.

هذا اعتراض مشروع إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ مواقف المشروع الإسلامي الحركي نعاينه فقط في هذه البيانات؛ والحال أنّ هذه المواقف، نعاينها أيضاً في مواقع التواصل الاجتماعي، والتي يكون فيها موقف المشروع أكثر صراحة وأكثر تعبيراً عن المواقف الحقيقية، وهنا المعضلة الأخلاقية والسلوكية بالذات؛ لأنّ ما كشفت عنه تفاعلات أتباع المشروع الإخواني مثلاً، بلْه المشروع "الجهادي"، في حقبة ما بعد أحداث الفتنة العربية، يكاد يُقوض مضامين المراجعات سالفة الذكر.
ــ المراجعات الحقيقية عند الفاعل الإخواني، تُفيد أن يأخذ مسافة نظرية وتنظيمية نهائية من خطاب "المفاصلة الشعورية" و"الحاكمية" و"الجاهلية" وما إلى ذلك.
ــ المراجعات الحقيقية عند الفاعل السلفي، تُفيد بأن يأخذ مسافة نظرية وتنظيمية من خطاب "الطائفة المنصورة" و"الفرقة الناجية" وأهل "الولاء والبراء".
حينها وحينها فقط، يمكن الحديث عن مراجعات.
أما السائد الآن، وهو عين ما كشفت عنه مجموعة من التطورات التي تمر منها المنطقة، فلا يُساعد الباحث أو المتتبع كي يكون صارماً في الحديث عن "مراجعات" حقيقية مرت أو تمر مها الحركات الإسلامية.
صحيح أنّنا نُعاين مراجعات تُفضي إلى تقاطعات مع أطروحة "ما بعد الإسلاموية" كما اشتغل عليها الباحث آصف بيات، ولكنها حالات لا زالت فردية، ولا ترقى إلى مقام التنظيم أو المشروع.

 

 


وسم: