سامر عساف: العنف قادم بقوة!

صورة منى شكري
كاتبة وصحافية أردنية

8
عدد المشاهدات
8
عدد المشاركات

للمشاركة
2018-01-11

حذّر الباحث السوري، سامر عساف، من التبعات والآثار والندبات النفسية، التي ستخلّفها الحروب على جيل كامل، على الأقل، من الأطفال، منوهاً إلى أنّ الحرب لا تنقضي بتوقف القتال؛ بل أصبحت "ثقافة" تأصلت، ومفاعيلها "مستمرة" بشكل واعٍ ولاواع.
وشدد الباحث، في حواره مع "حفريات"، على أهمية تأهيل ومعالجة أطفال الحروب نفسياً، حتى لا يتحولوا إلى قنابل موقوتة بيننا، فالتأخّر أو عدم التصدّي لهذه الأزمة النفسية، عربياً ودولياً، سيؤدي بالضرورة لاستمرار المفاعيل الهدامة في السلوك والأفكار وبشكل خطير في العملية التربوية للأجيال اللاحقة.
عساف الذي وصف الحرب بأنّها "زلزال نفسي وأخلاقي"، يرى أن الجيل القادم سيكون "مأزوماً" بالضرورة، على الصعيد الأخلاقي والتربوي،  وبشكل أساسي على صعيد العلاقات الاجتماعية، المهزوزة،  كما ستهتز الصورة الذاتية والثقة بالنفس ويصبح العنف "سلوكاً شرعياً".
وسامر عساف باحث سوري من مواليد مدينة اللاذقية 1977 مقيم في ألمانيا، متحصل على ماجستير في علم النفس من جامعة لابيزج في ألمانيا، ومختص وباحث تفسي في أثر الحرب على نفسية الأطفال والمراهقين.
يعمل في الإرشاد الأسري والتربوي، وجزء من العمل هو مع المهاجرين واللاجئين إلى ألمانيا الاتحادية.
وفيما يلي نص الحوار:
حملتْ رسالة الماجستير التي اشتغلتَ عليها عنوان "الآثار النفسية للحرب الأهلية السورية على نفسية المراهقين والأطفال"، ما الذي دفعك لتبنّي هذا الموضوع الشائك في ظل كثرة عوامل تلك الآثار وتداخلها؟

تعتبر الأزمة السورية من أخطر الأزمات في التاريخ المعاصر، ليس على الصعيد الوطني فحسب؛ بل على الصعيد الدولي أيضاً، كما أنها من أخطر الأزمات ليس من حيث عدد الذين قضوا في الحرب؛ بل بسبب الآثار والندبات النفسية التي طبعت- على الأقل- جيلاً كاملاً؛ فالحرب لا تنقضي بتوقف القتال، بل أصبحت "ثقافة" تأصلت، ومفاعيلها مستمرة بشكل واعٍ ولاواع.
ما دفعني بشكل أساسي لتبنّي هذا الموضوع،  هو المعرفة بمآلات الحروب وتوابعها النفسية، والتي تقع ضمن اهتماماتي واختصاصي. كما أنه في ظل الأزمة السورية، والتي تعاني من حالة "بات"، كما يقال في الشطرنج، أصيب السوريون بالعجز عن الفعل سياسياً فتوجّه كثيرٌ منهم للمنظمات الإنسانية كنوع من إرضاء الضمير وبعضهم توجّه للبحث العلمي لتقديم معلومةً قد تنفع بعد الحرب؛ إذن هي حالة واجب ومسؤولية تجاه "الوطن" والمواطن، كما أن رسالة الماجستير تهدف إلى لفت انتباه المؤسسات الغربية البحثية لأهمية الموضوع علمياً وإنسانياً.
تقول إحصاءات اليونيسيف: إن الحروب عرَّضَت ما يزيد على عشرة ملايين طفل للاكتئاب والصدمات النفسية، الجزء الأكبر من هذه الأرقام يقَع في بلدان العرب والمسلمين، هل ثمة اضطرابات نفسية وأمراض أخرى تنتشر بين هؤلاء الأطفال وفق مشاهداتك ودراستك؟ وما هي مخاطرها على المديين؛ القريب والبعيد؟ وكيف يمكن معالجتها؟
هذا الرقم لا يدهشني في حقيقة الأمر وبخاصة بعد الدراسة التي أجريتها، فبالإضافة إلى الاكتئاب واضطراب كرب ما بعد الصدمة يعاني الأطفال تقريباً من أغلب المشاكل النفسية والاضطرابات التي يصنفها "نظام الأمراض العالمي" (ICD 10) فهم يعانون من الخوف واضطراب الشخصية،  اضطرابات السلوك،  السلوك الانتحاري والأفكار السلبية والهدّامة.
ويعاني أطفال الحرب بشكل خاص من مشاكل الثقة بالنفس والآخرين،  والاضطرابات الجنسية والاجتماعية بالمعنى العريض للمصطلحات، وأقدم هنا مثالين للتوضيح: في أحد مخيمات اللاجئين،  في سورية،  وأثناء تقديم نشاط ترفيهي لمجموعة من الأطفال،  لا يزيد عددها عن 15 طفلاً،  أخبرتني طفلة عمرها حوالي ثماني سنوات،  أنها جرّحت يدها بشفرة الحلاقة عدّة مرات،  وانبرت أخرى لتؤكّد بنوعٍ من الفخر أنهما فعلا الأمر معاً! فعندما تفصح طفلتان من أصل 15 طفلاً وبشكل تلقائي وبدون سؤال موجّه عن هذا السلوك "الانتحاري"،  يمكننا توقع،  أن نسبةً كبيرةً من الأطفال لديها اضطرابات نفسية.
عندما يصل المراهقون والأطفال إلى ألمانيا بدون ذويهم،  يحاول المربّون عرضهم على مختصين نفسيين بسبب معرفتهم بالحالة السورية، وكونهم لا يتكلمون العربية يحاولون إرسالهم إلى مختصّين عرب،  أغلب من يأتي من هؤلاء يعاني من اضطرابات في التركيز والنوم واضطراب ما بعد الصدمة.

هناك الكثير من البرامج العلاجية التي طوّرها الباحثون في الغرب لا نجد نسخاً عربية منها

لا يمكن التنبؤ بشكل دقيق بآثار الحرب على الأجيال القادمة،  فهي كثيرة وشديدة على الأرجح،  وقد أثبتت الدراسات التي أجريت في ألمانيا،  أن الألمان ولجيلين متعاقبين بعد الحرب العالمية الثانية ظهرت عليهم آثار الحرب وعانوا منها.
إذن لدينا مجتمع مضطرب شعورياً،  مضطرب أخلاقياً و اجتماعياً،  فمهمة التصدّي لهذا الواقع لا تنحصر بمعالجة الاضطرابات النفسية الراهنة والتقليل من آثارها،  بل لابد من عمل وقائي يأخذ بعين الاعتبار أن أطفال الآن هم آباء المستقبل،  فجملة المعطيات النفسية الناجمة عن تجربة الحرب ستبقى محدّداً أساسياً في النظرية التربوية،  على الأقل اللاشعورية منها،  لآباء المستقبل، فعلى سبيل المثال،  يصبح السلوك العنيف لمن عاشوا الصدمات أسلوباً وآلية في التواصل الجسدي والنفسي مع الغير، بل حتى مع الذات؛ حيث إن الكفاءة في قراءة الحاجات الذاتية وفهم حاجات الآخرين والطريقة المناسبة للتعبير عنها،  تعتبر لازمة للحياة السويّة.
لابدّ من أن تتكافل المؤسّسات الحكومية وغير الحكومية،  المحلية والدولية للتصدي لهذه الأزمة النفسية،  كما أنه لابد من الاطلاع على تجارب الشعوب الأخرى،  كما في السلفادور وأوغندا، وعلينا أن لا ننسى غزّة أيضاً؛ فالأخوة في فلسطين لهم تجربة كبيرة في هذا السياق. لابدّ أيضاً من الاهتمام بالبحث العلمي والترجمة،  فهناك الكثير من البرامج العلاجية التي طوّرها الباحثون في الغرب،  لا نجد نسخاً عربية منها، من المهم تأهيل المختصين والمربين ليتمتّعوا بالقدرة على فهم السلوكيّات ومحدّداتها النفسية، وهذا ليس طوباياً بل أساسي،  باختصار يجب أن يتم الفعل على المستوى المجتمعي العام،  فالخطب جلل لما تهدّم في النفوس.

صدمة .. وأفكار سلبية

كيف يمكن الربط بين الصدمات النفسية للأطفال وتأثيرها على الميل إلى الانتحار؟

هذا سؤالٌ مهمٌ جداً، ويمكننا مقاربة الرابطة على مستويين؛ الأول نفسي علمي والثاني فلسفي وجودي.
بالنسبة إلى الأول فقد تمّ، من قبل إحدى الباحثات، تطوير اختبار نفسي لاضطراب ما بعد الصدمة يعتمد على قياس الأفكار السلبية. على أبعاد ثلاثة (أفكار سلبية عن الذات،  أفكار سلبية عن العالم،  والإحساس بالذنب)،  بمعنى آخر إن الأشخاص الذين تعرضّوا للصدمة تتشكّل لديهم منظومة فكرية سلبية "هدّامة" اذاً هناك دراسات نفسية عديدة تكشف العلاقة بين الاثنين،  من المهم هنا التفريق بين الميل للانتحار؛ أي قتل النفس العضوي،  والسلوك الانتحاري بما يمثله من سلوك هدّام،  مثلاً ممارسات رياضات خطرة،  هناك من يجرح نفسه بآلات حادة في الذراع أو الفخذ أو البطن أو يحرق نفسه بسيجارة وما شابه،  هذا أيضا ينضوي تحت نفس التسمية مع أنه لا يبلغ صيغة قتل النفس.

إنْ تأخرَ صديق عن موعد يميل الشخص ذو الأفكار السلبية إلى الظن بأنّ صديقه لا يودّ لقاءه

فالمفهوم هنا عريض يشمل حتى الإدراك والمحاكمة العقلية؛ بل التوقعات أيضاً،  فمثلاً يميل الشخص الذي تعرّض للصدمة،  إلى إدراك الأحداث والصفات السلبية بشكل أسرع من إدراكه للإيجابي منها،  فهو حسّاس جدّاً للنقد،  بينما لا يلفت انتباهه المديح مثلاً.
بنفس الوقت،  إنْ تأخرَ صديق عن موعد،  يميل الشخص،  ذو الأفكار السلبية،  إلى الظن،  أن صديقه لا يود لقاءه،  وقد يكون تأخر بسبب واسطة النقل، باختصار،  تتغير كامل جملة المعطيات الأساسية التي تحدد الوعي والإدراك بناء على هذه الخبرة السلبية التي عايشها المصاب،  فالصدمة تعريفاً هي حدث لم تستطع المنظومة النفسية التعامل معه في تلك اللحظة نظراً لشدته و خطورته. وبالتالي نشأت تشوهات على التركيبة النفسية في مراحل لاحقة، بعضها يصبح صفات تنتمي للشخصية لاحقاً.
من ناحية فلسفية،  وانطلاقاً من نظرية  ثنائية القطبية التي تعتقد أن الوجود يتأرجح بين قطبين (الله والشيطان،  السالب والموجب،  طاقة حركية وطاقة كامنة) يمكن اعتبار الصدمة،  حالة رجحان لدوافع الموت "تناتوس" بمقابل دوافع اللذّه "الليبيدو" بشكل عام،  فتصبح الحياة لـ "العذاب" وليس لـ "اللذّة" أو لنقول "التلذذ بالعذاب".
من ناحية أخرى، ما الآثار المترتبة على التأخر في علاج ضحايا الحروب من الأطفال أو عدم علاجهم؟
إن التأخر في علاج الأطفال أو عدم علاجهم نحصره في خطأين،  كما أسلفنا؛ خطأ مرحلي فهذا واجبنا ومسؤوليتنا تجاه هؤلاء وفعاليتهم البناءة كشرط لازم لبناء ما تهدّم، ومن ناحية أخرى إنّ التأخّر أو عدم التصدّي لهذه الأزمة النفسية سيؤدي بالضرورة إلى استمرار المفاعيل الهدامة في السلوك والأفكار وبشكل خطير في العملية التربوية للأجيال اللاحقة.
ما المسؤولية التي تقع على عاتق الأهل للتخفيف من حدة الحرب على أطفالهم؟ وهل هم مؤهّلون في ظل الظروف التي يعيشونها للقيام بهذا الدور؟
تستهلك الصدمة الطاقة النفسية بشكل كبير،  وهذا يعني أن الطاقة المتوفّرة للوظائف الأخرى،  أقل بالضرورة،  ومن الجدير بالذكر هنا،  أنه بالإضافة إلى الوظائف النفسية اليومية كالتعاملات الاجتماعية والوظيفية وغيرها من الضغوطات،  هناك وظائف تطوريّة تخصّ مراحل عمرية محدّدة كبناء الهوية والثقة بالنفس تستهلك المدّخرات النفسية أيضاً،  إذاً لدينا في حالة الصدمة "أزمة طاقة"،  وتقع مسؤولية الأهل مبدئياً في فهم الواقع النفسي للطفل ومن ثمّ التصرّف بما يخفّف من هذه الضغوطات و"يشحن" المدّخرات النفسية،  ليس هذا ممكناً دائماً للأهل فهم نفسهم يعيشون حالة الفاقة هذه في أغلب الأحيان،  كما أن الاهتمامات في حالة الحرب تعيش حالة نكوص إلى الفيزيولوجي، وتصبح الحاجات النفسية ثانوية.

على الأهل مراجعة المختص عند ملاحظة عوارض الصدمة كالتبول اللاإرادي والسلوك العدواني والسلوك التجنبي

على الأهل إذاً مراعاة الفاقة النفسية وعدم إجهاد الطفل بوظائف تربوية أو مدرسية،  وبالتالي ترسيخ صورة الأبوين "الداعمين" لا صورة "الأبوين المتطلبيّن" في ذهن الطفل.
طبعاً، هناك نقاط تتعلّق بالحدث الصادم وعوارضه وهذه تحتاج إلى مختصيّن نفسيين فهم القادرون بشكل أفضل على تقدير شدّة الصدمة ومبلغ تأثيرها،  ننصح الأهالي هنا بمراجعة المختص عند ملاحظة عوارض الصدمة؛ كالتبول اللاإرادي،  الأحلام المزعجة،  السلوك العدواني،  الخوف والسلوك التجنبي المرتبط به،  والأفكار السلبية اللاإرادية. كما علينا أن لا ننسى أن الحدث الصادم سبق هذه العوارض.

ضحايا تتغذى على الطائفية!
يعاني قرابة 15 مليون طفل من آثار الحروب والصراعات الطائفية، وفق إحصاءات منظمة اليونيسيف في تقريرها عام 2014، أغلبهم في البلدان العربية والإسلامية، هل لمستَ فرقاً بين تأثيرات الحروب الطائفية عن غيرها تجاه الأطفال؟ وهل نحن بصدد أجيال تتغذى على الطائفية، حيث تتحول من ضحية إلى جلاد؟

هذا السؤال يطرح علاقة طبيعة الحرب بآثارها،  ومن جهة أخرى تأثر الأطفال بانتشار الثقافة الطائفية وتأثيرها في الاستعدادات النفسية لممارسة العنف على الغير. بالنسبة إلى الشق الأول من السؤال،  لا توجد حسب علمي دراسات حتى الآن في هذا الخصوص ولكن يمكننا القول،  إن الحروب الأهلية هي من أسوأ أنواع الحروب،  وأن آثارها أشدّ وطأة وأبعد زمناً. ولكن على بعد آخر توضّح التجارب النفسية التي أجراها "أيرمان" وغيره من الباحثين،  أن نصف من تعرض للصدمة، كحدث،  قد طوّر لاحقاً اضطراب كرب ما بعد الصدمة،  فليس كل من تعرّض للصدمة يطوّر هذا الاضطراب لزاماً،  بل تلعب العوامل الشخصية والبيئية دوراً مهمّاً في هذا السياق. من هنا تصبح العوامل الثقافيّة،  وقد أثبتها الباحثون كـ "ميركر" مثلاً،  عاملاً مضادّاً لتطور الاضطراب. بكلمات أخرى تلعب العوامل الاجتماعية كالعائلة والدين وثقافة الحياة السائدة في المجتمع دوراً لا يمكن تجاهله في تطوّر الحدث الصادم إلى اضطراب أو لا.

العنف لن يأتي إلا بالعنف ولا يمكن تحقيق السلام بالرصاص ومن خلال فوهات البنادق

بالنسبة إلى الشقّ الثاني من السؤال فهذا يحتاج إلى شرحٍ طويلٍ على مستويات نفسية واجتماعية وهنا لا أشعر بالحرج لأقول أن الثقافة الطائفية هي ثقافة إلغائية تحطّ من قدر الآخر لانتمائه لا لفعله، وهي مرتبطة بالظن السيئ بالآخر وتنزع إلى "تصغيره" ويكمن الكره بين طياتها.
هنا،  لابد أن نعرّج على الموضوع في سياقه السياسي،  "فالحدود" أو بالأحرى التمايزات الثقافية كالإثنية،  هي أسلحة يجب أن تبقى محرّمة في الحراك السياسي الوطني،  فنحن نلاحظ مثلاً مدى تأثيرها على الوعي الوطني العام،  كما حدث في لبنان ويحدث في سورية وليبيا والعراق. لقد قامت القوى السياسية المتصارعة باستغلال الفروقات الثقافية والإثنية لتحصيل مكاسب سياسية وهذا ما أدى إلى تدمير الوعي والنسيج الوطني بقدر كبير.
من المعلوم والمثبت أيضاً في علم النفس،  أن كثيراً من ضحايا العنف يصبحون لاحقاً أنفسهم جناة، وهذا يوضّح أهمية سلمية الحراك السياسي،  فالعنف لن يأتي إلا بالعنف ولا يمكن تحقيق السلام بالرصاص ومن خلال فوهات البنادق. بعد أن قررت أمريكا غزو أفغانستان والعراق للقضاء على "الإرهاب" نما الحراك الجهادي منذ ذلك الوقت بشكل مضطرد،  إذاً هي دائرة شيطان فكلما استخدمنا العنف للقضاء عليه ازداد وطأةً.
بناء على هذه المعرفة وعلى الأرقام الواردة في السؤال، نستطيع أن نقول،  إن العنف سيكون جزءاً لا يمكن تجاهله من الحياة اليومية للجيل القادم. كما أن المدراس ورياض الأطفال في ألمانيا مثلاً تشتكي من السلوك العنيف للأطفال المهجرين،  ولديّ عدة حالات منها، ويعود سلوكهم إلى سببين؛ الأول يتعلق بالقلق النفسي الداخلي للطفل،  أما الثاني فمرتبط بآلية تواصل وتعبير اجتماعية غير بنّاءة تعلمها الطفل للتعبير عن حاجاته.
الهوية والطائفية
ما العلاقة بين الهوية والطائفية، برأيك، وما تأثيرهما على الانتماء سيما في الحروب وما بعدها؟

الانتماء بحد ذاته هو الجزء الاجتماعي من الهوية؛  فالهوية هي ليست مكان الولادة والإقامة أو الاسم والجنسية،  هي الجواب على سؤال من هو؟ هنا الجواب لا يغني،  أن أقتصر على الجنسية وغيرها من المحددات الموجودة في البطاقة الشخصية،  بل الصفات الشخصية بحد ذاتها وجملة النزوعات والميول هي الجواب الأهم على السؤال،  فلا تقودنا معرفة جنسية ودين شخص ما إلى معرفة شخصيته أو التنبؤ بها، بل يمكننا أن نتنبأ أكثر عنه إذا علمنا توجّهه السياسي مثلاً،  ففي هذا الجزء من الهوية يتضح لنا البعد الاجتماعي لها،  حيث إن الانتماء هنا يعطي صفات أكثر تحديداً من المعلومات الموجودة في البطاقة الشخصية؛ إذاً الهوية الاجتماعية هي معطيات عن الفرد انطلاقاً من انتمائه إلى مجموعة أو مجموعات متعددة،  فكلما ضاقت الدائرة الاجتماعية وتحددت صفات المجموعة،  نستطيع بشكل أسهل تعميم صفات المجموعة على الفرد المنتمي لها، طبعاً هذه آلية إدراك من ناحية،  ومن ناحية أخرى محددات السلوك تجاه المجموعة ذاتها والمجموعات البشرية الأخرى. فالهوية الاجتماعية هي حاجة نفسية للفرد تتعلق شدّة هذه الحاجة بشخصية الفرد من جهة وصفات المجموعة من جهة أخرى.
بالقياس على هذا، يصبح الانتماء الطائفي أكثر قيمة لشخص يعرّف نفسه طائفياً من شخص تتجاوز هويته هذا الحد إلى مستوى فكري مثلاً.

الانتماء للمجموعة يصبح ضرورة في حالات الخطر فالخوف من الانقراض يدعو إلى التماهي مع المجموعة

الجزء المهم في هذا السؤال،  هو علاقة جُزئيّ الهوية (الفردي والاجتماعي) ببعضهما،  وتبرز هنا أهمية دراسة دوافع الانتماء إلى المجموعة،  بغض النظر عن طبيعة وماهية المجموعة.
قدم الباحثون نظريات متعددة تخص هذه المعضلة أو الجدلية (السيكولوجيه ـ السيسولوجيه) أمثال "تاجفل" و "زمبادرو"؛ فالإنسان كائن اجتماعي بطبيعته والانتماء والتجمع سلوك طبيعي. وأظهرت التجارب الحديثة أن الجزئين لا يغنيان بعضهما بالضرورة،  فكلما تطورت القيم الذاتية وأُغني الجزء الفردي بالثقافة والوعي،  تصبح الهوية الاجتماعية أقل أهميةً بما يخص السلوك البشري. إن الانتماء للمجموعة يعني نفسياً؛ سحب وتعميم قيم وصفات المجموعة على الذات الفردية،  وهكذا يصبح الانتماء ضرورة في حالات الضعف والفاقة،  أو الشعور بالدونية.
وتجد الإشارة هنا إلى نقطتين أساسيتين،  أوّلاً: هناك نظرية تعتقد،  أن الانتماء للمجموعة يصبح ضرورة في حالات الخطر؛  فالخوف من الانقراض،  كنوع،  يدعو إلى التماهي مع المجموعة،  التي ستحمل صفات الفرد إلى أجيال قادمة في حال موته. ثانياً: تصبح سعة الاستيعاب وقدرة المحاكمة محدودة في حالات الفاقة،  وبالتالي يميل الفرد الى الأحكام المسبقة،  والتعميمات المطلقة. في ظل هذه الظروف غير المناسبة،  تصبح الهوية الجماعية (الطائفية هنا) طريقاً بديلاً وملجأ، كما تكمن خطورة الهوية الطائفية في مجتمعاتنا بشكل أساسي،  لأهمية الدين،  وبسبب التنوع الإثني لمجتمعنا العربي كما في سورية والعراق.

قنابل موقوتة !
أعلنَت منظَّمة اليونيسيف أن 2014 كانت سنة مليئة بالرُّعب والخوف واليأس لملايين الأطفال؛ حيث إن النزاعات المتزايدة عرَّضَتهم للعنف الشديد والتجنيد الإجباري، والاستهداف المتعمَّد من قِبَل المجموعات المتحاربة والميليشيات الطائفية والعنصرية، ما هو الدور المنوط بالمجتمع الدولي لنزع فتيل هذه القنابل الموقوتة بيننا؟

لا يمكن بشكل مبدئي للحكومات الوطنية مواجهة هذه الأزمة،  التي تتمثّل في تشريد ملايين العائلات ومغادرة الملايين من الأطفال لمدارسهم وتعرضّهم لكلّ أشكال العنف،  لذلك تقع على عاتق المجتمع الدولي مسؤولية أساسية في الدرجة الأولى،  في نشر الاستقرار السياسي ووقف الحروب من خلال تفعيّل دور الأمم المتحدة و المنظمات الدولية الأخرى،  كما يجب على المجتمع الدولي تحمّل مسؤولياته في تقديم العون لضحايا الحروب من خلال إيوائهم وتقديم العناية الطبية والوسائل التربوية والثقافية اللازمة لهم.
ولكن بالنظر إلى الحالة الدولية الراهنة،  نرى أن التمايز السياسي يزداد شدّةً بما يشابه إلى حدّ ما حالة "الحرب الباردة" كما تصلّبت المحاور السياسية وانتشرت الحروب بالوكالة،  وهذا لا يدعو إلى التفاؤل بالضرورة.
يواجه أطفال الحرب واللاجئون والمهجَّرون "أزمة هوية" ما أبرز المخاطر المتوارية خلف هذه الإشكالية؟
تثبت التجارب النفسية التي بحثت في التأقلم،  أن الشخص المغرّب،  يعيش أزمتين نفسيتين متعاقبتين،  في مسيرة تأقلمه في الموطن الجديد،  تفصل بينهما مسافة زمنية تتراوح من عدة أشهر إلى سنتين. هذه الأزمة،  ناشئة بالدرجة الأولى عن محاولة تغيير "الأنا" بمفهوم "فرويدي"،  بما يتناسب مع المعطيات الاجتماعية الجديدة.
هو صراع إذاً،  بين جملة القيم والخبرة التي حصدها الشخص في موطنه السابق، وهذه التي فرضها المجتمع الجديد.
يعتبر الموطن والشبكة الاجتماعية أحد أهم المدخرات النفسية للأطفال خصوصاً وللبشر عموماً، وقد أظهرت الدراسة التي قمت بها،  أن الأطفال،  الذين فقدوا موطنهم،  أظهروا عوارض الصدمة أكثر من أقرانهم،  الذين بقوا في موطنهم وتعرضوا لنفس الصدمات. كما أن الهجرة بحد ذاتها؛ أي الطريق وظروفها،  تعتبر في علم النفس من الأحداث الصادمة؛ إذن ترتبط الهجرة بفقدان عوامل نفسية داعمة من جهة وتفرض متطلبات تتعلق بالبنية النفسية من جهة أخرى. أما من حيث الهوية،  فليس لديّ معرفة بدراسات أظهرت آثاراً سلبية للانتقال لموطن جديد. قد تكون الهجرة الموفّقة عامل إغناء نفسي،  وقد تنتج العكس،  وقد اطلعت على حالات اغتراب أدت إلى مرض "الشيزوفرينيا". هذا الاضطراب النفسي مرتبط بشكل أقل بالهوية،  بل بعوامل قد يحفزّها الاغتراب.
طبعاً، تلعب الظروف السياسية والثقافية للبلد المضيف دوراً مهماً في الاستقرار النفسي للمهاجرين.
الحرب تتطور إلى أزمة ثقافة
حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) من أن أكثر من 13 مليون طفل في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا يلتحقون بالمدارس بسبب الصراعات المسلحة المتأججة في بلدانهم، ما المستقبل الذي ينتظر هؤلاء الأطفال ومجتمعاتهم تعليمياً وتنموياً؟

تعيش الشعوب في حالات الحرب،  حالة نكوص ثقافي،  وتتغير الأولويات والاحتياجات،  فتصبح الحاجات الأساسية،  على سلّم "ماسلو" كالمأكل والأمان،  في المقدمة ولا تجد العائلة المساحة الزمنية ولا النفسية للاهتمام بالحاجات الثقافية،  وبالتالي لا تعد هناك سعة كافية للبناء والتطور الثقافي،  أو تحقيق الذات الفردية في الوجود،  هذا من ناحية،  من ناحية أخرى تفرض الحروب حالة أخلاقية ونفسية متدنّية وتزداد ثقافة الغاية تبرّر الوسيلة،  ويصبح الناس انفعاليين أكثر من الطبيعي،  كما أن استهلاك المواد المخدرة يزداد بشكل كبير.
إذن الحروب،  هي حالة ضغط مستمرة وطويلة،  وقد تتطوّر إلى أزمة ثقافة في مراحل لاحقة،  يصعب تجاوزها،  إذا استمرت لوقت طويل.
طبعاً هذا الضغط النفسي لا يصيب الطفل فحسب، بل كامل العائلة،  وبالتالي لابدّ أن يتأثر الجو الأٌسري بهذه العوامل،  كما أن اهتمامات الأهل،  تختلف كما أسلفنا، ويصبح مفهوم المستقبل مقصوراً على النجاة،  ويصبح البناء الثقافي مسألة ترف،  كما يتم تحميل الأولاد مسؤوليات إضافية،  كالعمل والعناية بالأخوة الأصغر،  أو القيام بأعمال منزلية،  ولذلك لا يبقى متّسع لتطوّر شخصية الطفل ويُعرف هذا بالنضوج المبكّر.

العساف: العنف سيكون جزءاً لا يمكن تجاهله من الحياة اليومية للجيل القادم

وهكذا يفقد الطفل العوامل التطورية الضرورية،  كالرعاية الأسرية والمدرسة،  وقد أظهرت الدراسة التي أجريناها،  أن فقدان المدرسة والبيت ومكان اللعب،  كانت عوامل أساسية في اكتئاب الأطفال و ظهور المشاكل النفسية،  وحتى أكثر من فقدان شخص قريب
في علم النفس هناك مصطلح يُعرف بـ " war identity" للباحث ايرمان،  أي هوية الحرب،  وهو مصطلح لهذه الصفات التي تحدثنا عنها مجتمعة،  تميّز الأشخاص الذين عاصروا وعاشوا تجربة الحروب.
نستطيع القول إذن،  إن الجيل القادم سيكون مأزوماّ بالضرورة،  على الصعيد الأخلاقي والتربوي،  وبشكل أساسي على صعيد العلاقات الاجتماعية وسترتفع معدلات الطلاق والمشاكل الأسرية.

استهداف النساء في الحرب!
هروب الفتيات القاصرات في مناطق الحرب والنزاعات بسبب الخوف من الاغتصاب، كارثة أخرى تنضاف لما يعانيه أطفال الحرب، فضلاً عن تعرضهن للانتهاكات الجنسية في منطقة النزاع أو حتى في بلد اللجوء، ما مدى واقعية معالجة هذه الاختلالات في ظل قيود تقاليد وأعراف المجتمعات العربية؟

تعد الفتيات والنساء عموماً في أحوال الحرب في البلدان "الذكورية"،  مجموعة مستهدفة بشكل خاص،  أولاً بسبب الثقافة الذكورية وثقافة الشرف،  التي حرمتها خلال الأجيال الماضية من القدرة على التقرير، وهكذا بقيت "تابع" للذكر في هذه المجتمعات وبالتالي أصبح مصيرها مرتبطاً بشكل أساسي بمصير الزوج و الأب،  لذلك نلاحظ،  أن أغلب الواصلين من اللاجئين إلى ألمانيا مثلاً،  إما العائلة بشكل كامل،  أو ذكوراً حصراً،  إذ تعتبر المرأة في هذه المجتمعات قاصرة و"عورة" يجب حمايتها فهي "ضعيفة". هذه الثقافة ليست إيجابية،  بأنها تحمي المرأة،  بل تخبئ في طيّاتها أيضاً،  أن المرأة هي "فريسة" كما لاحظنا في ليبيا والعراق وسورية،  فقد خطفت النساء واغتصبت،  بل بيعت كالرقيق.
هذا الواقع يفرض على الفتيات متطلبات نفسية إضافية؛  فالحماية والنجاة هنا لا تقتصر على عدم الإصابة الجسدية فقط، بل يقلل هذا الواقع أيضاً من الإمكانيات المتاحة للهرب،  كما أنها في طريقها -إلى وفي- مكان اللجوء ليست بأمان. في ظل هذه الظروف، يصبح البغاء أيضاً سلوكاً ممكناً بسبب تفكك الدوائر الاجتماعية،  وبسبب الظروف المعيشية في مناطق اللجوء،  وقد صادفتُ فتيات في شوارع لبنان وقد امتهنَّ التسوّل. كما أننا سمعنا عن "زواج المسيار" في مخيمات الزعتري وغيرها.
لا يمكن فصل معاناة الفتيات ومقاربتها من دون مقاربة الحالة السياسية والواقع الاجتماعي بشكل عام، فبالدرجة الأولى لابد من مجتمع مستقر سياسياً،  من ثمّ بناء مجتمع يحترم حقوقهن وينظر لهن بعين الاحترام لقدرهن.
نحتاج بشكل أساسي إلى تأهيل مختصين اجتماعيين،  يتناول عملهم الأسرة والمدرسة وكل الدوائر التربوية،  كما نحتاج إلى مختصين نفسيين يتصدون لهذا الواقع المأزوم،  وبشكل عام إلى حركة نسوية سياسية،  تسلط الضوء بشكل مستمر على حقوق النساء ودورهن.
احتواء المهجرين
آلاف الأطفال السوريين فروا من الحرب قاطعين البحر وتعرضوا أثناء رحلة الهجرة غير الشرعية لأوروبا لكثير من المعاناة والصعوبات، ما تأثير تلك التجربة  فيهم، خصوصاً لمن فقدوا أهلهم غرقاً؟ وكيف يمكن احتواؤهم في المجتمع الجديد؟

كما أسلفنا،  يمكن مقاربة الصعوبات التي تعترض المهاجرين على ثلاثة مستويات؛ الأول،  هو فقدانهم لموطنهم ودوائرهم الاجتماعية المألوفة،  والتي تعتبر مدخرات نفسية لازمة لتجاوز الصعوبات. أما المستوى الثاني،  فهو جملة الصعوبات التي تعترضهم في الطريق إلى البلد المضيف،  كالجوع والبرد وبعضهم يتعرض للاستغلال والعنف أيضاً، في حين يتعلق المستوى الثالث،  بالبلد المضيف ومتطلبات التأقلم،  وتلعب هنا الظروف الاقتصادية و الاجتماعية للبلد المضيف دوراً مهماً في معاناة القادمين الجدد. وأثبتت الدراسات النفسية التي أُجريت في مناطق اللجوء،  أن الأطفال اللاجئين في البلدان،  ذات الظروف الاقتصادية "المتدنية"،  يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب،  أكثر من أقرانهم اللاجئين في البلدان الصناعية المتقدمة اقتصادياً.
إذن تلعب ظروف استقبال الأطفال دوراً مهماً في التقليل من المشاكل النفسية لدى الأطفال.
ويفرض الواقع الجديد متطلبات ليست بالهيّنة نفسياً للأطفال،  فلدينا معوقات لغوية،  وتقاليد وأعراف مغايرة في الوسط الجديد. ومن هنا يقع على عاتق الدول المضيفة تأمين حياة كريمة للقادمين الجدد وتأمين احتمالات التأقلم والانخراط بالمجتمع الجديد،  كما تفعل مثلاً السلطات الألمانية في هذا السياق،  من خلال تقديم المساعدات الاجتماعية،  بما فيها المسكن والحاجات المادية المجانية،  وتقديم دورات لغة والتدريب على ممارسة العمل.

فقد جيل كامل
أعربت اليونيسف عن مخاوفها من "فقد جيل" من الأطفال السوريين، هل ترى مبالغة في هذا التحذير؟

لا أعتقد أن هناك مبالغة في هذا التعبير، فبالنظر إلى الحالة السورية، حيث قُتل مئات الآلاف وشُرّد ملايين البشر، يصبح هذا التوصيف ليس مبالغةً،  بل حقيقة يجب التعامل معها خلال عشرات السنين القادمة. فالحالة السورية لن تنتهي بإيقاف الحرب، والتي ستستغرق سنوات حتى بعد توافق الفرق المتصارعة على حل سياسي،  فالسلاح يملأ البلاد ولن تستطيع حكومة أن تفرض سيطرتها على كامل البلاد إلا بعد عدة سنوات. فأغلب من ترك البلاد قد يستوطن في البلد المضيف ومن بقي فيها تنقصه كل إمكانيات البناء في ظل الوضع الاقتصادي والاجتماعي المزري.
كشف تقرير لمنظمتي اليونيسيف وإنقاذ الطفولة نشر في تموز 2015 أن المزيد من الأطفال بين اللاجئين السوريين في الأردن وتركيا يضطرون للعمل لإعالة أسرهم، ما يعرضهم لمخاطر كبيرة ويجعلهم عرضة للاستغلال الجنسي. ما الذي يمكن عمله للسيطرة على هذا الأمر وعلى من تقع هذه المسؤولية؟
هذا السلوك هو سلوك طبيعي بالنظر إلى ظروفه،  فلا تستطيع الأسرة التي فقدت معيلها أو تعيش في بلدان تعاني اقتصادياً،  كلبنان والأردن مثلاً، مقارعة صعوباتها الراهنة إلا بتطويع أغلب أعضائها للعمل وجلب القوت. يجب علينا ألا ننسى،  أن إمكانية العمل لهؤلاء في البلدان المضيفة هي محدودة،  فيقعون فريسة "الأعمال القذرة" أيضاً.
تقع مسؤولية حماية اللاجئين،  بما فيهم الأطفال،  على عاتق الدول المضيفة،  وعلى عاتق المجتمع الدولي والمنظمات الإغاثية العالمية،  التي يجب أن تقوم بتأمين الأمن الغذائي والصحي لهؤلاء،  كما على البلدان،  ذات الإمكانيات الاقتصادية،  أخذ دور أكبر في التصدي لمعاناة اللاجئين واستقبالهم.
هل لاختلاف الثقافات دور في التأثير على أطفال ضحايا الحروب والنزاعات من ناحية، وعلى علاجهم من ناحية أخرى؟
بالتأكيد لاختلاف الثقافات دورٌ مهم، سواء في شدة الإصابة أو من ناحية المناعة والعلاج، فجملة الدعائم النفسية مرتبطة بشكل أساسي بالخلفية الثقافية،  فمفهوم العائلة وجملة المعتقدات والمفاهيم المجتمعية هي مرتبطة بنظرية أنطولوجية خاصة بالمجتمع،  كالدين والعدل والقدر وغيرها من المفاهيم.
في المجتمع الشرقي تعتبر العائلة دعامة أساسية للتركيبة النفسية لما تقدمه من الدعم والإحساس بالقيمة،  كما أن الإيمان "بالقدر المكتوب" "يعفي" الشخص من المسؤولية بعكس مثلاً الثقافة الغربية التي تعتمد على استقلال الشخصية وقدرة السيطرة على الظروف الشخصية.
انطلاقاً من هنا، لا يمكن أخذ المحصلة العلمية للثقافات الأخرى بكليّتها،  بل يجب مراعاة الخصوصية الثقافية للمجتمع وإنشاء المخابر و مراكز البحث المحلية،  التي تنتج المعلومة في حقولها الأصلية.
 كيف يمكن للحروب بإسهامها في التغيير الديمغرافي أن تؤثر على العلاقات الاجتماعية، كما في الحالة السورية؟
في الحقيقة هذا التغيّر خطر جداً،  فهو يؤدي الى تغييرات في الهوية الوطنية،  من خلال هجرة و زوال الأقليات الإثنية، .كما أن الحروب الأهلية تقود إلى هجرة داخلية وبالتالي تتعرض حالة التمازج الإثني إلى مخاطر جديّة. فتنشأ حالة "تجانس" إثني على البعد الجغرافي،  طبعاً سيكون لهذا عواقب ثقافية كثيرة، فتفاعل الثقافات هو ضرورة حقيقية لإنتاج فكر حر.
الحرب زلزال نفسي وأخلاقي
ما الثقافات الجديدة الناشئة في مجتمع تسوده الحرب والنزاعات؟

الحرب هي زلزال نفسي وأخلاقي،  هي انحدار للرغبات،  هي حالة فرض وقسر بقوة السلاح وهذا يعني قهر الآخر،  هي حالة تدمير،  ولو ظهرت بأشكال ووجوه متعددة،  فمهما كانت الحروب "عادلة" تحمل في طيّاتها الهدم والفقر،  التخّريب والقتل،  هي مناقضة لثقافة الحب والسلام،  الخير والبناء.
تتميّز هذه الثقافة بالعلاقات الاجتماعية المهزوزة،  كما تهتزّ الصورة الذاتية والثقة بالنفس، ويصبح العنف سلوكاً شرعياً. تنتشر في الحرب ثقافة الغاية تبرّر الوسيلة ويزدهر الشك والخوف.
طبعاً هذا الكلام عام، وتخضع هذه الأحكام للظروف الموضوعية،  فتظهر ثقافة الحرب بصور متعددة. فبينما اجّتر الشعب الألماني حروبه واستخلص العِبر فنشأ جيل مناهض للحرب تماماً،  لم يكن هذا هو الحال مثلاً بعد انتهاء الحرب الأهلية في السلفادور،  فالقضايا الاجتماعية كالفقر والفروقات الطبقية،  والخلافات السياسية،  هي من يحدّد مسيرة المجتمع بعد انتهاء الحرب. فمثلاً تعتبر السلفادور من أخطر الدول في العالم في الوقت الراهن،  فالحرب لم تؤدِ الى حلّ مشكلة الفقر مثلاً بل أصّلتها وأضافت إليها العنف،  بعكس الحرب الأهلية الأمريكية التي قادت إلى تحرّر الشعب الأسود،  ونشوء "إمبراطورية" العصر!

اقرأ المزيد...

الوسوم: