الأنظمة السياسية والإسلام السياسي: الخصمان المتحالفان!

صورة إبراهيم غرايبة
كاتب أردني

70
عدد القراءات

2018-04-05

يمكن ملاحظة دور الأنظمة السياسية العربية في تكريس الإسلام السياسي والتطرف الديني في مواقف وسياسات كثيرة جداً، ولا ينقض هذه المقولة أن تكون السلطات السياسية تدير سياسات حازمة في ملاحقة المتطرفين ومواجهة جماعات التطرف والإسلام السياسي؛ ذلك أنّه يغلب على غالبية الأنظمة السياسية العربية والإسلامية، رغم عدائها مع الإسلام السياسي والتطرف والإرهاب، أنّها  لا تختلف معها في الفهم والتطبيق، وأنّها أيضاً محتاجة للدور الديني السياسي في تأكيد شرعيتها وتمرير كثير من السياسات غير الشعبية وتبرير الفشل الاقتصادي والتنموي، وفي ذلك يتحول الصراع مع الإسلام السياسي إلى صراع على الدين والشرعية الدينية والسياسية وليس صراعاً أو اختلافاً حول فهم الدين وسياسات الدولة والمجتمع، وفي النتيجة، فإنّه حتى في حال إضعاف الجماعات الدينية المتطرفة والإرهابية، فإنّ البيئة الملائمة لنشوء وازدهار هذه الجماعات وأفكارها تظل قائمة، وتظل الفرص مهيأة لاستمرار التطرف الديني والكراهية وعودة الجماعات المتطرفة في أسماء وهيئات جديدة مختلفة، ويؤدي ذلك بطبيعة الحال إلى استمرار الصراع وإدامته؛ ما يضعف التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويؤثر سلباً على البيئة الثقافية والاجتماعية السائدة، وينشئ توترات وأزمات اجتماعية وطائفية وسياسية، وإلى تدخل دول وقوى خارجية أجنبية، وتطور الصراع وزيادته تعقيداً وصعوبة.

الجماعات المتطرفة ما تزال تجتذب كثيراً من المؤيدين والمقاتلين من العالم الإسلامي وبين المسلمين في دول غير إسلامية!

وربما تجيب هذه المقولة على السؤال: لماذا لم تنجح طوال العقود الماضية في مواجهة الجماعات الدينية المتطرفة والإرهابية؟ فالجماعات المتطرفة والإرهابية ما تزال تجتذب كثيراً من المؤيدين والأنصار والمقاتلين في أنحاء واسعة من العالم الإسلامي وبين المسلمين في دول غير إسلامية! وفي ذلك، فإنّ المقالة ترجح تفسير صعود الإسلام السياسي والتطرف الديني بالسياسات الحكومية وتطبيقاتها الدينية.

تستند التشريعات في معظم الدول الإسلامية إلى الشريعة الإسلامية، وإن كانت تخالفه في بعض الأحيان، وتستمد منه حرفياً قوانين الأسرة والأحوال الشخصية، كما تدير كثير من الحكومات أنظمة تعليم ديني في المدارس والجامعات وتنظم شؤون الدعوة والإفتاء والإمامة والمساجد والأوقاف.

ويجري فهم تطبيق الشريعة في الدول والمجتمعات الحديثة وفق فهم محافظ متشدد، وتراجعت الاتجاهات العصرية والتحديثية في فهم الدين كما في أمثلة ونماذج محمد عبده وعلي عبد الرازق، وعلي محمود طه؛ تراجعت لصالح تفسير محافظ، وفي هذا السياق فقد عوقب علي عبد الرازق، وطه حسين، ونصر حامد أبو زيد.

انتصر النموذج المحافظ في فهم الدين وتطبيقه لأسباب عدة أهمها؛ الاتجاه السياسي المحافظ في الدول العربية، إضافة إلى ملاءمة الفهم المحافظ للدين مع استعادة الهوية والثقافة الوطنية والمحافظة على التراث الوطني؛ فالشريعة الإسلامية هي المكون الأساسي للمشروع الحضاري الإسلامي، ويأتي لاحقاً في الأهمية صعود التدين في العالم، ولكن كان من الممكن جداً أن يمضي هذا التدين في اتجاهات عدة، ليبرالي وعصري وعقلاني ويساري ومحافظ.

انتصر النموذج المحافظ في فهم الدين وتطبيقه لأسباب عدة أهمها؛ الاتجاه السياسي المحافظ في الدول العربية

ومن اللافت في رأي أستاذ علم الاجتماع في جامعة لندن سامي زبيدة (كتاب الشريعة والسلطة في العالم الإسلامي) أنّ قضاة القرون الوسطى كانوا أكثر تساهلاً في تطبيق العقوبات وأكثر تسامحاً من المحاكم الإسلامية الحديثة، وهذا الأمر يجعل زبيدة يتمسك بمقولة إنّ عمليات الدعوة إلى تطبيق الشريعة أو تطبيقها بالفعل هي تعبيرات سياسية واجتماعية متعددة تعبر عن جماعات وقيادات محافظة تسعى لاسترداد السلطة أو التمسك بها، وسلطات سياسية تبحث عن الشرعية، وحركات سياسية معارضة تسعى لإضعاف السلطات وإحراجها فتزايد تلك عليها، وحركات قومية ووطنية واستقلالية ترى في الشريعة مظلة لمواجهة الاستلاب والغزو والاحتلال، وإطاراً للاستقلال وبناء المشروع الحضاري الخاص بالأمة.

وفي الجدل حول الهوية والأغلبية والأقليات والوحدة والتنوع يعتبر الدين مركزياً؛ لأنه يوفر قاعدة أخلاقية لكل من هذه الرؤى المختلفة للمجتمع، ويعكس ذلك التناقض ما يطلق عليه سكوت آبلباي (كتاب الدين والعنف والمصالحة) الالتباس الجوهري للدين: ألا وهو التوتر المستمر بين التفسيرات المتنافسة لدين ما ونمط الحياة الاجتماعية الذي يتصوره كل من هذه التفسيرات، ومن ثم لا تعكس الأيديولوجيات الدينية والمذاهب الأصولية الخلاف بين التقليد والحداثة، ولا تمثل عودة إلى التقليد، على العكس تلك الأيديولوجيات التي تجسد تفسيراً انتقائياً للتقليد الديني، وجرى تطويرها بوضوح لمصلحة سياق سياسي حديث.

ويرد المنظور المادي السياسة الدينية المعاصرة إلى الدوافع والكوامن الاقتصادية والسياسية، رغم استخدامها لهجة دينية ثقافية. وفي هذا السياق، يرد انبعاث السياسة الدينية إلى فشل التنمية، أو إلى أنّها رد فعل لبيئة اجتماعية واقتصادية وسياسية سريعة التغير، ووفق هذا المنظور فإنّ التحولات في الإنتاج الاقتصادي والخيبة من النتائج تساهم في الانجذاب إلى السياسة الدينية؛ ما يؤدي إلى ظهور مجموعات من المنشقين والميل إلى التطرف، أو على الأقل دعم ضمني للأيديولوجيات المتطرفة وتأييد للحركات التي تعبر عن النقد الثوري للوضع الراهن.

قضاة القرون الوسطى كانوا أكثر تساهلاً في تطبيق العقوبات وأكثر تسامحاً من المحاكم الإسلامية الحديثة

الدين مسألة معقدة، وليس هناك تفسير واحد متجانس للدين، ولا يوجد معانٍ دينية ثابتة ولكنها تتغير؛ ما ينشئ جدالاً متواصلاً بين التفسيرات المتعددة للدين، ويتطور هذا الجدل لينشئ طوائف ومذاهب دينية متعددة، ويحدث "صدام الحضارات" الحقيقي داخل التقاليد وليس فيما بينها، كما يحدث اليوم في الشرق العربي.

ويكمن مدى ارتباط الدين بالنسبة إلى البلدان الحديثة في قدرته على تقديس النمط الحالي من علاقات القوة، ويوفر الدين أيضاً إطار عمل معيارياً وبالتالي يوفر معنى للسياسة الحديثة من خلال إرشاد الأيديولوجيات الطائفية أو الوطنية، ويحفز القبول الشعبي، ويعتبر الدين قادراً على توفير الإطار الفكري لأيديولوجية الاتحاد في الدولة، وتوفر الأيديولوجية قاعدة فكرية، وغالباً، انفعالية للسلطة أو للمطالبة بالسلطة، وهكذا تغير الأيديولوجيا علاقة السلطة بين الحاكم والمحكوم إلى نظام كامل متناغم من الحقوق والواجبات المقبولة، ومن دون هذا الدعم تكون الدولة أكثر بقليل من آلية للإجبار والقسر.

ويعد الدين محورياً بالنسبة إلى قضية الشرعية؛ لأنه يوفر أساساً أخلاقياً وثقافياً للمطالب المتنافسة بتولي القيادة السياسية، وأياً كان توجه الدولة محافظاً أو متحرراً أو متديناً أو علمانياً، فقد استخدمت الدول الحديث لغة عامة دينية بهدف بناء التضامن القومي والشرعية الأيديولوجية، وينتج المسؤولون السياسيون موقفاً يبدو وكأنهم متسقون مع الدين أو الوطنية أو كليهما، وبالتالي فإنّ المعارضة تكون إما غير وطنية أو غير متدينة أو كلاهما.

اقرأ المزيد...

الوسوم: