لماذا وصفت الصحف العالمية سوهارتو بالوحش الأكثر فساداً؟

لماذا وصفت الصحف العالمية سوهارتو بالوحش الأكثر فساداً؟


20/04/2020

في أواخر كانون الثاني (يناير) عام 2008، وتحت عنوان "موت الوحش الأكثر فساداً"، نشرت معظم الصحف العالمية خبر وفاة الديكتاتور الأشرس في شرق آسيا "سوهارتو"، الذي حكم إندونيسيا لثلاثين عاماً بالحديد والنار، بعد انقلاب عسكري دموي، راح ضحيته مئات الآلاف من المعارضين، وكوادر اليسار الإندونيسي، ليجعل من بلاده أداة في أيدي الإمبريالية خلال الحرب الباردة، حتى جاءت نهايته، عام 1998، بعد مقتل ستة طلاب على أيدي قوات الأمن في الجامعة.
النشأة الاستعمارية
ولد الديكتاتور في الثامن من حزيران (يونيو) عام 1921، في عهد جزر الهند الشرقية الهولندية، في منزل مُغطى بجدران من الخيزران في قرية كيموسوك، وهي جزء من قرية غودان الأكبر، إبّان انتهاء الحرب العالمية الأولى، لأبوين من أصل جاوي، وكان الطفل الوحيد لزواج والده الثاني، كان لوالده، كيرتوسوديرو، طفلان من زواجه الأول، وكان مسؤولًا عن الريّ في القرية، وكانت والدته تدعى سوكيرا، وبعد خمسة أسابيع من ولادة سوهارتو، عانت أمه من انهيار عصبي، فوضع في رعاية عمته، ثمّ طلّق أباه أمّه، وتزوّج بأخرى، وفي سنّ الثالثة؛ أعيد سوهارتو إلى والدته، التي تزوجت من مزارع محلي ساعده سوهارتو في ريّ حقول الأرز.

اقرأ أيضاً: عيدي أمين: خلطة سحرية لديكتاتور مثالي
وعام 1929؛ أخذه والده للعيش مع أخته مرة أخرى، والتي كانت متزوجة من مشرف زراعي، وظلّ في تشتت، متنقلاً بين الأب والأم والعمّة، حتى قرر الانضمام للمؤسسة العسكرية، من أجل حياة ثابتة وروتينية، وهو ما حدث بحلول عام 1940، إذ أصبح ضابطاً بالجيش، بعد قيام الحرب العالمية الثانية، واحتلال الصين من قبل اليابان.

فقد قبضته على السلطة عندما أدت الأزمة المالية الآسيوية لاضطرابات شعبية حول الأسعار والبطالة

أصبح سوهارتو ضابطاً تحت قيادة الجيش الاستعماري الذي أنشأه اليابانيون، بعد إعلان الاستقلال الإندونيسي، عام 1949، وانضمّ إلى الجيش الإندونيسي المنشأ حديثاً، ومن ثم خدم كضابط مهني في ثلاثة جيوش مختلفة خلال عقد من الزمن، كانت هذه سمة مميزة تماماً لهذا الرجل، وفق كتاب "حجة القتل الجماعي: حركة 30 سبتمبر وانقلاب سوهارتو في إندونيسيا"، للمؤرخ وأستاذ التاريخ بجامعة كولومبيا، جون روسا، الذي يصف سوهارتو في كتابه بأنّه "كان سفاحاً ساخراً، بلا مبادئ على الإطلاق، مستعداً للخدمة أيما كان الهدف والغاية، فإذا تولى الحزب الشيوعي الإندونيسي السلطة، فلا شكّ في أنّه كان سيخدم الجيش تحت حكمهم بدلاً من أن يكون قائد الجيش المسؤول عن مذبحتهم"، مضيفاً: "كان فخوراً بافتقاره للمبادئ السياسية؛ إذ قال أحد زملائه في الجيش لأحد الصحفيين "سوهارتو قال عام 1948، "سياستي في نهاية حربة"، وبعد عقدين من الزمن، اكتشف شعب إندونيسيا مدى صحة هذا التصريح، ولمدة 32 عاماً، وضع حزبه على رقبة الشعب الإندونيسي، بدعم كامل من "الديمقراطيين" الغربيين، وغالباً ما أشاد "المجتمع الدولي" بالنظام الجديد (Orde Baru) كنموذج للديمقراطية في آسيا، فلم يولِ أيّ اهتمام لمعاناة الناس، والافتقار التام للديمقراطية والاستغلال الوحشي للعمال والفلاحين.

طريق الانقلاب
بعد الاستقلال؛ حكم إندونيسيا بونابارتيست سوكارنو، الذي حاول خلق حالة من التوازن بين الطبقات ليستمر بالسلطة؛ إذ كان الحزب الشيوعي الإندونيسي (PCI) أكبر حزب شيوعي خارج الكتلة السوفيتية، ولديه أكثر من ثلاثة ملايين عضو، وعشرة ملايين عامل في النقابات العمالية، وعدد مماثل من الفلاحين، علاوة على ذلك، حصل على تأييد 40% من القوات المسلحة، وكان هذا موقفاً في غاية القوة، ربما أقوى من موقف البلاشفة، عام 1917، كان بإمكان الحزب الشيوعي الاستيلاء بسهولة على السلطة، لكن كانت لديهم نظرية الثورة الستالينية عبر المراحل، وقد دفعهم ذلك إلى دعم "البونوازية" بونابارتيست سوكارنو، وهي سياسة تعاونية طبقية شجعت بكين على انتهاجها، ثم بحلول نيسان (أبريل)، زادت التوترات بين الجيش والشيوعيين؛ إذ أيّد سوكارنو التنفيذ الفوري لاقتراح "PKI" "للقوة المسلحة الخامسة"، التي تتكون من الفلاحين والعمال المسلحين، ومع ذلك تمّ رفض هذه الفكرة من قبل قيادة الجيش، وفي شهر أيار (مايو)؛ أثارت "وثيقة جيلكريست" خوف سوكارنو من مؤامرة عسكرية للإطاحة به، وهو الخوف الذي ذكره، مراراً وتكراراً، خلال الأشهر القليلة قبل الانقلاب الفعلي عليه.

سوكارنو

في خطاب يوم الاستقلال، في آب (أغسطس)، أعلن سوكارنو عزمه على إلزام إندونيسيا بتحالف مناهض للإمبريالية مع الصين، وغيرها من الأنظمة الشيوعية وحذّر الجيش من التدخّل؛ لذا كان الأمريكيون قلقون بشأن قوة "PCI"، وخططوا لتدميره وإسقاط سوكارنو بانقلاب عنيف. عرفت قيادة"PCI" " كلّ هذه الاستعدادات، بدلاً من شجبهم علانية وتنظيم إضراب عام وانتفاضة، حاولوا حلّ المشكلة باغتيال الجنرالات اليمنيين، في 30 أيلول (سبتمبر)؛ إذ فشل هذا التكتيك الكارثي وانتقلت زمام الأمور إلى سوهارتو واليمين، لقد حشدوا عصابات من المسلمين المتعصبين لمهاجمة الشيوعيين في جميع أنحاء البلاد وذبحهم، تمّ قطع رؤوس مئات الآلاف من العمال والفلاحين، أو طعنهم بالسكاكين حتى الموت، في ثورة من العنف الفاشي، بينما ظلّ ما أسماه روسا "العالم المتحضر" صامتاً، ينظر في ترقّب.
كما يذكر أنّ حمام الدم الرهيب هذا تمّ إعداده وتنظيمه ودعمه بنشاط من قبل وكالة المخابرات المركزية، كما دعمت بريطانيا بشكل مخجل المجازر في إندونيسيا، كان الهدف جعلها "آمنة من الشيوعية" في وقت كانت الولايات المتحدة منخرطة في حرب فيتنام.

الصمت الغربي
وبحسب كتاب "معارضة سوهارتو"، للكاتب والبروفيسور في العلوم السياسية وعلوم التحول الاجتماعي بجامعة سيدني، إدوارد أسبينال؛ فإنّ الأمريكيين رأوا أنّ الانقلاب وسيلة لتسليم ثروات إندونيسيا الرائعة لشركات التعدين الكبرى والشركات غير الوطنية في الولايات المتحدة، لذا فإنّ دكتاتورية سوهارتو الدموية، التي حظرت النقابات والإضرابات وقتلت النشطاء العماليين، جعلت إندونيسيا حظيرة للإمبريالية الأمريكية، وعليه فقد كافؤوه من خلال السماح له بأخذ شريحة من الأرباح الضخمة، والتي كان يدّخرها بأمان في البنوك الأجنبية منذ استيلائه على  السلطة، ولكن عندما فشلت الرأسمالية في إندونيسيا، أثناء الركود الاقتصادي الآسيوي، عام 1997، ألقى المجتمع الدولي باللائمة على سوهارتو في "تجاوزاته" في حكم البلاد، وبعد كلّ هذه الأعوام من غضّهم الطرف عن نظامه الدموي، اكتشفوا فجأة "انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان"، وذلك لأنّهم أدركوا أنّ المعارضة تزداد، وأنّ صديقهم في جاكرتا قد انتهت جدوى وجوده، وبعد وفاته اصطفوا جميعاً مجدداً للثناء على الديكتاتور قائلين إنّه "رغم أخطائه، فقد حقق تقدماً في إندونيسيا، رغم كلّ الدماء التي أسالها".

قُتل عدد كبير من المعارضين السياسيين أو سجنوا، أو أُرسلوا إلى معسكرات العمل

قُتل عدد كبير من المعارضين السياسيين أو سجنوا، أو أُرسلوا إلى معسكرات العمل، خلال ثلاثة عقود من حكم سوهارتو؛ حيث مات عشرات الآلاف في تيمور الشرقية وحدها.
بعد ضمّها غير القانوني، عام 1975، فقد سوهارتو قبضته على السلطة فقط عندما أدت الأزمة المالية الآسيوية إلى اضطرابات شعبية حول الأسعار الصارخة والبطالة، والتي لم يكن لديه أيّ جواب عليها، سوى القمع، لتنتهي مسيرته السياسية، في أيار (مايو) 1998، بعد شهرين من إصراره على الترشح لفترة رئاسية سابعة، بعدما عيّن مجلساً يهيمن عليه أصدقاؤه القدامى وعائلته، حتى أثار مقتل ستة من الطلاب على أيدي قوات الأمن في جامعة تريساكتي، مما اضطر الديكتاتور للرضوخ والتنازل عن السلطة، بعد 32 عاماً من نهب ثروات الشعب، ومقتل ما لا يقل عن نصف مليون شيوعي إندونيسي، غير الذين فقدوا بلا رجعة، وبعض الإحصائيات قدمت رقم مليون قتيل على يد الديكتاتور، الذي قدِّرت ثروته بمليارات الدولارات، ومات آمناً لم يحاسب على أفعاله.

كشفت وفاة سوهارتو الطبيعة الزائفة للديمقراطيين؛ ففي يوم وفاته، اندفع العديد من "المؤيدين للديمقراطية" لتكريم الديكتاتور الميت

كشفت وفاة سوهارتو، عام 2008، الطبيعة الزائفة للديمقراطيين؛ ففي يوم وفاته، اندفع العديد من "المؤيدين للديمقراطية" بعجلة غير لائقة لتكريم الديكتاتور الميت، وكان من بينهم جوس دور، الرئيس السابق لإندونيسيا (1999-2001)، وواحد من ثلاثة زعماء إصلاحيين رئيسين (جوس دور، ميجاواتي، وأمين رايس)، خلال حركة 1998، قائلاً في خطاب التأبين: "لقد فقدت إندونيسيا أحد أبنائها الشرفاء"، دون أن يذكر أنّ هذا الشريف وقبل إطاحته مباشرة، أرسل تسعة مليارات دولار إلى البنوك في النمسا، وقدِّرت ثروته الشخصية بـ 16 مليار دولار، هذا الرقم لا يشمل المبالغ الضخمة التي تبرع بها لأفراد أسرة زوجته، وستة أطفال له، وأخ غير شقيق، وأحفاده؛ إذ تمّ منح عائلته احتكارات عديدة، والتي لا يدفعون مقابلها شيئاً يذكر، واحتفظت زوجته تيان (المعروفة باسم سيدتي) بنسبة 10% من أرباح مطاحن بوغاساري، وهي الجهة المسؤولة عن استيراد القمح وطحنه، وسيطر ابنه (تومي) على تجارة القرنفل، وكانت ابنته (توتوت) تسيطر على أرباح الطرق العامة، أمّا ابنه الأصغر (بامبانج)، فيمتلك أسهماً في جميع شركات الهواتف المحمولة، تمّ منح أفراد الأسرة الآخرين السيطرة على شبكات التلفزيون وأجزاء رئيسة أخرى من الاقتصاد؛ لذلك كلّ هؤلاء (الأبناء والبنات الشرفاء) نجحوا في الخروج من إندونيسيا، بينما عاش الملايين في فقر.

الصفحة الرئيسية