ما بعد الخمينية... ما الذي يفعله الإصلاحيون في إيران؟

إيران

ما بعد الخمينية... ما الذي يفعله الإصلاحيون في إيران؟

06/04/2019

في أواخر كانون الأول (ديسمبر) 2018، عرض الرئيس الإيراني، حسن روحاني، اللائحة الأولية للموازنة العامة للعام الإيراني الجديد، الذي بدأ، في 21 آذار (مارس) 2019، على مجلس الشورى لمناقشتها، ورغم أنّ الموازنة تعرّضت للتعديل من قبل مجلس الشورى إلا أنّها حملت دلالة مهمّة على أولويات التيار الإصلاحي، ممثلة في محاولة تخفيض المخصصات المالية لشؤون الدفاع والأمن.

اقرأ أيضاً: كيف كان الخميني وريثاً لعبد الناصر وحسن البنا؟
يرتبط تصرف روحاني باعتبارين: أولهما سياسي، وهو ضرورة التعامل بشكل عملي وبراغماتي، مع الآثار السلبية الناتجة عن العقوبات الأمريكية على الاقتصاد الإيراني بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، في 8 أيار (مايو) 2018، أما الاعتبار الآخر؛ فهو أيديولوجي بالأساس، وإن تمّ التعبير عنه بشعارات سياسية، ويتعلق بتبني نزعة قومية قائمة على منح الأولوية للمصالح الوطنية وتقليص الدور الإيراني في الإقليم.

صحوة الإصلاح
في التسعينيات؛ حقّق الرئيس الأسبق، هاشمي رفسنجاني، قدراً معقولاً من الانفتاح السياسي والاقتصادي، سمح بظهور حركة الإصلاحيين التي تنظر بعين الحذر إلى المرشد، وتوجت تلك الحقبة بفوز وزير الثقافة الأسبق، محمد خاتمي، برئاسة الجمهورية الإسلامية، في أيار (مايو) 1997، بفارق كبير عن منافسه المحافظ، علي أكبر ناطق نوري، المدعوم من قادة الجمهورية.

في التسعينيات حقق هاشمي رفسنجاني قدراً معقولاً من الانفتاح السياسي والاقتصادي، سمح بظهور حركة الإصلاحيين

أسّس خاتمي تيار "الثاني من خرداد"، وسعى إلى تطبيق الإصلاح من خلال ابتكار أطر جديدة للممارسة السياسية، مثل القيادة الشعبية الدينية، وسمحت تلك الأطر بدخول عناصر خارجة على نظرية ولاية الفقيه من العلمانيين إلى الحركة الإصلاحية، كما ساهم خلال دورته الرئاسية الثانية في الانفتاح على الغرب، من خلال إطلاقه مبادرة "حوار الحضارات" (مدحت أحمد حماد: الشرعية في يران الأسس والإشكاليات، من كتاب "إيران جمهورية إسلامية أم سلطنة خمينية" 2010).
كما ساهم في تحسين علاقات إيران بدول الجوار منهياً، بشكل مرحلي، عزلتها الإقليمية، ومنحت تلك السياسات الإصلاحيين قوة لا يستهان بها، في وقت كان فيه رفسنجاني يستغل موقعه كرئيس لمجمع تشخيص مصلحة النظام، في الضغط على المرشد، آية الله خامنئي، لمسايرة حركة الإصلاح (مصطفى اللباد، طائر إيران الخرافي ثلاثي الأجنحة، من كتاب "إيران جمهورية إسلامية أم سلطنة خمينية؟").

اقرأ أيضاً: المعارضة في إيران الخميني: الموت أو الصمت
تمثلت امتيازات الإصلاحيين في توسع الطبقة الوسطى وارتفاع مستويات التعليم، كأعراض جانبية لسياسة رفسنجاني الإصلاحية، وقد ساهم التعليم في تجسير الفجوات الطبقية وخلق جماعة علمية مدنية كبرى، للمرة الأولى في تاريخ إيران، ساعدت في نمو المجتمع المدني وتزايد النشاط الفكري والإعلامي ورفع مستوى الوعي السياسي والاجتماعي للشعب من جهة، في وقتٍ تم استثمارها فيه في المشروع النووي من جهة أخرى.
إضافة إلى ذلك؛ أكثر من نسبة معتبرة من المجتمع الإيراني لم تشهد الثورة الإسلامية، ولم تتأثر بروحها وشعاراتها، والجزء الأكبر منها أكثر ميلًا إلى الانفتاح ورفضاً للقيود الثقافية والاجتماعية التي يضعها المحافظون، سواء من رجال الدين التقليديين أو الأصوليين، وهو الجزء الأكثر ديناميكية في إيران.

صحوة مضادّة
كان خامنئي، ومعه الحرس القديم للثورة، يشعر بالقلق من تنامي الحركة الإصلاحية التي أدّت إلى تناقض التوجهات داخل البناء السياسي والمجال الثقافي في إيران، وظهور نزعات اقتصادية ليبرالية طامحة للتعاون مع الغرب، مما يؤثر في مسيرة الثورة الإسلامية، فأعاد ترتيب البيت الداخلي للمحافظين؛ عبر إحياء قيم الثورة المدافعة عن المستضعفين والمناهضة لقوى الاستكبار (الغرب)، والشروع في تطوير الحوزات العلمية لتتواءم مع الروح الجديدة في المجتمع، وتأسيس مكتب تنسيق التعاون بين الحوزات العلمية، وإنشاء هيئة علماء الفتوى في حوزة قم، واللجنة المركزية لأئمة الجمعة، ومكتب الدعوة الإسلامية، والمجلس العالمي لآل البيت.

تمثلت امتيازات الإصلاحيين في توسع الطبقة الوسطى وارتفاع مستويات التعليم كأعراض جانبية لسياسة رفسنجاني الإصلاحية

أثمرت تلك الخطوات في تحولات عميقة في فكر ونشاط الحوزات العلمية، وخلق جيل جديد من المحافظين الحاملين للواء الخمينية، نشِطَ في الجامعات، وتمّ دمجه لاحقاً في السلطة القضائية ومجلس الشورى الإسلامي، ثم السلطة التنفيذية، وهو الجيل الذي أوصل أحمدي نجاد إلى السلطة (محمد السعيد عبد المؤمن، الشرعية في إيران الأسس والإشكاليات، من "إيران جمهورية إسلامية أم سلطنة خمينية؟").
فأمام تمدّد وانتشار النزعة الإصلاحية، وانضواء مجموعات ليبرالية ويسارية تحت عباءاتها، جددت الصحوة الأصولية في المجتمع الإيراني نفسها، وضُخَّت دماء جديدة في شرايينها، ومؤخراً استفادت من فشل نموذج الربيع العربي ضدّ السلطوية، وانهيار بعض المجتمعات التي شهدت انطلاقه في تخويف المجتمع من عواقب التمرد (يفسر ذلك قصر نفس الاحتجاجات الاجتماعية التي تنطلق من وقت لآخر في إيران)، إضافة إلى أنّ النتائج السلبية لليبرالية الاقتصادية في معظم دول الجنوب سمحت لها بتطويق أيّة دعوة للانفتاح الاقتصادي.

اقرأ أيضاً: أربعون عاماً خمينية
ولا يخلو الانقسام الرأسي بين النخبة السياسية الحاكمة من الطابع الطبقي؛ فالفئات الدنيا والشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى تدعم المحافظين وترفض الأجندة الإصلاحية، فيما تدعمها الشرائح الوسطى والعليا من الطبقة المتوسطة، الأعلى تعليماً، والأكثر دخلاً، لكنّ الانقسام لم يتحول حتى اللحظة إلى انقسام أفقي بين شرائح اجتماعية واسعة تواجه نظاماً سياسياً منفصلًا عنها، وعاجزاً عن فرض هيمنته إلا بالقوة العسكرية وحدها.
فما هو متاح للإصلاحيين متاح بفرص أكبر للمحافظين الذين تخدمهم هنا طبيعة المعاني المباشرة التي تقدمها النصوص الدينية والأيديولوجية، وموازين القوة في الواقع السياسي التي تمنحهم اليد العليا لفرض تصوراتهم، إضافة إلى أنّ الهوية الدينية تبدو خلال الأزمات التاريخية العاصفة أكثر صلابة من أيّة رغبة سياسية أياً كان نوعها، خاصة إذا كانت لا تشغل الأغلبية الفقيرة، كالاندماج في العالم كما يدعو الإصلاحيون.
ساحة مترامية للصراع
صعود الإصلاحيين كشف بوضوح عدة تناقضات أساسية تحيط بالحركة الإسلامية في إيران، ويدور حولها الصراع السياسي في مجمله، وتتمحور تلك التناقضات حول:
أولاً: الجانب "المقدّس"، الذي يعكس حاكمية الله (تدبيره لشؤون عباده)، ويجسده دور المرشد، ويتبنى المحافظون هذا التصور، ويقابله الجانب "الشعبي"؛ الذي يعكس الفكرة الديمقراطية (حكم الشعب لنفسه)، ويؤكد أنّ من حقّ الشعب أن يضطلع بدور أكبر في الحياة العامة واتخاذ القرار على كلّ المستويات.

أسّس خاتمي تيار "الثاني من خرداد" وسعى إلى تطبيق الإصلاح من خلال ابتكار أطر جديدة للممارسة السياسية

ثانياً: اقتصاد "المقاومة"؛ الذي يعطي دوراً أكبر للقطاع العام في عملية الإنتاج، ويقابله اقتصاد السوق وإفساح المجال للقطاع الخاص. إلا أنّه من الخطأ النظر إلى الاتجاهين على أنهما متصارعان، فالملامح العامة التي حددها رفسنجاني للاقتصاد الإيراني لم تتعرض لتغيير جوهري، والتي تجمع بين التحرير الاقتصادي والانفتاح على الاقتصاد العالمي، وشكل ما من أشكال دولة الرفاه.
ثالثاً: المواجهة مع الغرب، ويقابلها توجه الانفتاح عليه، ويرتبط بها الدور الإقليمي لإيران في الشرق الأوسط، في مقابل التركيز على الداخل الإيراني، وقد تم التعبير عن ذلك في الاحتجاجات الأخيرة، بهتاف "إيران أولاً"، وكان حسين موسوي، المحسوب على الحركة الإصلاحية، أول من شكّك في سلامة الدعم الإيراني لحزب الله وحماس.

اقرأ أيضاً: أول رئيس إيراني يكشف خيانة الخميني لمبادئ "الثورة"
يفسّر الإصلاحيون المعاناة الاقتصادية التي تقع على كاهل الإيرانيين على أنّها نتيجة وتكلفة لتدخل دولتهم في العالم العربي، فيما يؤكد المحافظون أن تلك التدخلات تكلفها أموال الزكاة و"الخُمس" الموجهة في دعم "المستضعفين في الأرض".
ويرتبط هذا الخلاف بالبعد الاقتصادي؛ فالقطاع الإنتاجي الإيراني يتطلب التركيز على المشكلات الداخلية المتعلقة بكيفية رفع نسب الاستثمار والنمو وقيمة العملة وتفادي الضغوط الخارجية، فيما يوفر القطاع الريعي، النفط والغاز، الموارد اللازمة للإنفاق على السياسة التدخلية في الإقليم.
كما أنّ القطاع الخاص الذي يشغل مساحة معتبرة من الاقتصاد الإيراني يدعم التركيز على القضايا الداخلية، ويتخوف من تنامي النشاط الاقتصادي للحرس الثوري، الذي يستثمر عائدته الاقتصادية في نشاطه العسكري الخارجي، ويدل على ذلك إقدام الرئيس الحالي حسن روحاني، في 14 كانون الأول (ديسمبر) 2016، على إلغاء صفقة كبرى كانت قد استحوذت بمقتضاها شركة "اعتماد مبين" التابعة للحرس الثوري على 51% من أسهم الشركة الوطنية للاتصالات، التي وُقِعت في فترة الثانية للرئيس السابق، أحمدي نجاد، بقيمة 7 مليارات و800 مليون دولار (محمد عباس ناجي: "40 عاماً على الثورة الإيرانية"، كراسات إستراتيجية، الأهرام 2018).

اقرأ أيضاً: الشاه ينافس الخميني في ذكرى الثورة الإسلامية
أراد روحاني تجريد الحرس الثوري من مصادر قوته، بينما تذرع بأنّ الشركة التابعة للحرس لم تلتزم بالعقود الموقعة، فيما يتعلق بتنفيذ المهام المكلفة بها، وهي خطوة لاقت ترحيباً لدى دوائر الأعمال الإيرانية.

صدى العصا والجزرة
في فترة رئاسته الثانية (1994 – 1997)؛ عرض رفسنجاني على الولايات المتحدة استثمارات واسعة النطاق في قطاعي النفط والغاز، إلا أنّ إدارة كلينتون رفضت وفرضت بدلاً من ذلك مزيداً من العقوبات على إيران، ما دفع الأخيرة إلى تعميق روابطها الاقتصادية مع الصين وروسيا، وأخيراً أوروبا (إلهه روستامي بوفي: "تأثير إيران ونفوذها في المنطقة"، 2011).

ساهم خاتمي في تحسين علاقات إيران بدول الجوار منهياً بشكل مرحلي عزلتها الإقليمية

بالنسبة إلى أنّ الكتابات التي ترى في إيران مجرد دولة أصولية متمردة على النظام الدولي، سيكون من الصعب تفهم كيف تلجأ دولة تحكمها ثورة دينية إلى "الشيطان الأكبر"، لفتح أسواقها على مصراعيها، لكن يمكن تفسير ذلك على ضوء أنّ البراغماتية تكمن في صميم الثقافة السياسية للنخبة الحاكمة بشقيها، وأن صدى سياسات القوى الكبرى يحدد إيقاع السياسات الإيرانية هدوءً وصخباً.
وفي حادثة، ذات دلالة على ذلك أعلنت إيران، بعد 7 أشهر من غزو العراق؛ أنّها توصلت لاتفاق مع دول "الترويكا" (ألمانيا وبريطانيا وفرنسا)، يقضي بتوقفها عن تخصيب اليورانيوم، مقابل عدم نقل الملف الإيراني إلى مجلس الأمن وحمايتها من تدخل عسكري أمريكي محتمل، وكانت هذه اللحظة نقطة الانطلاق السياسي لحسن روحاني، الذي كُلِّف برئاسة وفد التفاوض مع "الترويكا".

اقرأ أيضاً: هل الخمينيون مدعوون للتقارب؟
لكن، في ردّ فعل مفاجئ، أعلنت إدارة جورج بوش رفض الاتفاق، وقررت الاستمرار في الضغط على إيران، وتهديدها بالتدخل العسكري، فلجأت إيران، رداً على الموقف الأمريكي، إلى العودة إلى تطوير برنامجها النووي، ووقع خيار النخبة الحاكمة على السياسي المتشدّد (ابن الصحوة الأصولية)، أحمدي نجاد.
ومع صعود أوباما، العام 2008، بدأ تحوّل تدريجي في السياسة الخارجية الإيرانية، تجسّد في حواراتٍ غير رسمية، جرت في آذار (مارس) 2013، مع الولايات المتحدة الأمريكية برعاية سلطنة عُمان، وبالتزامن معها، بدأ تحول مماثل في السياسة الداخلية قضى بفوز حسن روحاني برئاسة الجمهورية، في حزيران (يونيو) 2013، والذي افتتح رئاسته بتوقيع اتفاق جنيف المرحلي بين إيران ومجموعة 5+1، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2013، ووصلت ذروة إنجازاته بالوصول إلى الاتفاق النووي، في تموز (يوليو) 2014.

اقرأ أيضاً: جهيمان والخميني وأفغانستان!
في المحصلة؛ تشير تلك المحطات إلى قدرة النظام الإيراني على خلق بدائل وحلول في مواجهة التهديدات الخارجية، والفرص المحتملة لجني المكاسب، ويلعب الإصلاحيون دوراً لا مندوحة عنه في ذلك، وهو ما يحدث حالياً في مرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكي من "الاتفاق النووي"؛ إذ إنّه رغم نجاح المحافظين في استغلال الخروج من الاتفاق في حصار روحاني، إلا أنّهم لم يذهبوا بعيداً، ولم يحطّموا التيار الإصلاحي؛ ليحرقوا بذلك الجسور التي يمكن أن تمدهم باتفاق جديد، على أمل أن تهبّ رياح مناسبة، كما أنّ الإصلاحيين يراهنون، مثل خصومهم، على ما بعد ترامب، وعلى دورهم كوسيط في أيّ خيار غير حربي للتعامل مع طهران.

الصفحة الرئيسية