قواعد الفكر الإخواني (4): المظلومية.. سلاح الجماعة المفضل

أحمد بان's picture
باحث مصري متخصص فى الشؤون الاسلامية

889
عدد القراءات

2017-11-27

وحده الفاشل هو من يحرص على كسب تعاطف الآخرين، عسى أن يهرب من الاعتراف بخطئه متجنّباً اتهام نفسه بالتقصير أو دعوتها للمراجعة؛ فلم يكن مستغرباً أن تلجأ جماعة الإخوان إلى ارتداء ثوب المظلومية، الذي جرّبته غير مرة عبر تاريخها الصدامي الطويل مع الدولة والمجتمع حتى أضحى ثابتاً من ثوابت فكرها وسلوكها.
استراتيجية تحويل الفشل إلى محنة
درجت الجماعة على تحويل كل فشل ترتكبه إلى "محنة"، وكل جزاء طبيعي لأفعالها إلى مظلومية تعيد تسويقها، في واقع المجتمعات التي تتعاطف مع من يقدم نفسه كمظلوم يتعرض لبطش الظالمين.
فى كل محطة من محطات صراع الجماعة مع الأنظمة السياسية والمجتمعات المختلفة سواء في مصر أو خارجها، كانت هي من دفعت عناصرها إلى أتون محرقة في سياق الصراع على السلطة، وادعاء الدفاع عن الدين ودولة الشريعة، ثم التباكي على ضحايا من ظلمها، والسعي لكسب التعاطف الذي يعبد طريقها لقلوب وعقول البسطاء تحت دخان المظلومية، كلما لاحت لحظة حساب أو مساءلة سواء من أعضائها أو من المجتمعات التي دفعت ثمن جرائمها وأخطائها.

كيف يمكن التعاطف مع تنظيم يلجأ أعضاؤه إلى استخدام أسلوب الغدر والتّقية حتى مع من أحسنوا إليه!

مرت الجماعة بأربع أزمات يروق لها أن تسميها بالمحن الأربعة التي واجهتها باعتبارها حركة دينية طوباوية، تدعو الناس للخير وتجسد الامتداد الطبيعي للجماعة المسلمة ولصحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما تدعي، وأن ما تواجهه هو لون من ألوان التمحيص الإلهي الذي يصدق فيه قوله تعالى "أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين"، فدائماً ما تحرص الجماعة على أن تشهر النصوص المتعسَّفَ في فهمها وسياقاتها في وجوه أعضائها أو خصومها على حد سواء؛ خالطة بينها وبين الجزاء العادل أو الموافق لسلوك طريق خاطئ، أو الانخراط في سياسات طائشة، أو التورط في ساحات المنافسة السياسية "الدنيوية" دون امتلاك الأدوات أو المؤهلات اللازمة لذلك.

صعود النظام الخاص

إثر الأزمة الأولى التي يسميها الإخوان بالمحنة الأولى، وهي قرار حلها في الثامن من كانون الأول (ديسمبر) من العام 1948 وسجن بعض أعضائها، لجأت إلى تصعيد عملياتها الإرهابية من تفجير وقتل وتخريب في مصر، متناسية أنّه قبل صدور هذا القرار وتحديداً في 15 تشرين الثاني (نوفمبر) من العام نفسه، شرعت مجموعة من شباب الإخوان في إفراغ حمولة سيارة جيب من الأسلحة والذخيرة والأوراق الخاصة بخطط النظام الخاص (الميليشيا العسكرية التي بدأت نشاطها السري والتخريبي قبل ذلك بثمانية أعوام)، وأثناء قيامهم بذلك رصد حركتهم مخبر سرّي كان يقيم بالعقار الذي كانوا ينقلون له محتويات السيارة، فأبلغ الأجهزة الأمنية على الفور فتم القبض على بعضهم، وهو ما كشف حقيقة الجماعة كتنظيم سري عسكري له وجهان؛ الأول مدني يخدع الناس بالانضمام إلى حركة تريد الإصلاح، ثم يختار من بين الخلصاء منهم من يكون جزءاً من هذا الكيان التخريبي، فلم يكن لدى رئيس الوزراء آنذاك محمود فهمي النقراشي خيار آخر سوى حل هذا التنظيم، ورغم هذا السياق الطبيعي لحكومة تتخذ إجراءات طبيعية في مواجهة كيان سري يهدف إلى قلب نظام الحكم، ويتوسل بالعنف سبيلاً لذلك، واصل جرائمه التي وصلت حد اغتيال النقراشي.

تلجأ جماعة الإخوان لارتداء ثوب المظلومية الذي اعتادته عبر تاريخها الصدامي مع الدولة والمجتمع حتى أضحى من ثوابت فكرها

كانت حيثيات تشكيل النظام الخاص كما يكشف خالد محمد خالد في مذكراته، تضم بنداً يتحدث عن قتال الذين يخاصمون الدعوة ويحاولون إعاقة سيرها، ويعلق خالد على ذلك "أسرف التنظيم في هذا السبيل إسرافاً كان السبب الأوحد في تدمير الإخوان من الداخل والخارج، وكان السبب الأوحد في فقد الإخوان أثمن ما يملكون، حياة الأستاذ المرشد الذي ذهب في معركة ثأر شرسة وضارية".
يكشف الرجل جانباً آخر لم يتحدث عنه كثيرون، ويهدم فكرة المظلومية التي يتسربل بها الإخوان، "كان التنظيم السري بارعاً في التنكر، فهو بعد تدريب أعضائه على كل أفانين الإرهاب يأمر بعضهم أن يلتحق ببعض الأحزاب أو الجماعات، حتى إذا اختير لعمل من أعمال الاغتيال أو الإرهاب لم يبد أمام القانون ولا الرأي العام من أعضاء الإخوان، ناهيك عن أعضاء التنظيم السري ذاته!".

درجت الجماعة على تحويل كل فشل ترتكبه إلى "محنة" وكل جزاء طبيعي لأفعالها إلى مظلومية تعيد تسويقها

كيف يمكن التعاطف مع تنظيم يلجأ أعضاؤه إلى استخدام أسلوب الغدر والتّقية حتى مع من أحسنوا إليه؛ إذ إنّ الشاب الإخواني الطالب بالطب البيطري عبد المجيد أحمد حسن، كان أحد المطلوب اعتقالهم وشطب النقراشي اسمه من الكشوف بخط يده، وكان أبوه قبلها موظفاً بالداخلية ولمّا مات قرر رئيس الوزراء تعليم ابنه بالمجان، هذا هو الذي جاءت نهاية النقراشي على يديه.
أسدلت الجماعة بالدعاية ستاراً كثيفاً على أعمالها الإرهابية، بينما ملأت الدنيا وما تزال صراخاً وعويلاً حول ظلم الحكومات التي تتهمها دائماً بالتربص بالإسلام ودعاته، فكان حلّ التنظيم الإرهابي ومقتل قائده مآلاً طبيعياً لسلوك مسار العنف الذي انتهجه، ولم يكن محنة إلهية لجماعة فرغت للعبادة والدعوة والتزكية والإصلاح كما تزعم.
محاولة فرض الوصاية على الضباط الأحرار
جاءت أزمة آذار (مارس) 1954 باعتبارها المحطة الثانية التي يطيب للجماعة أن تسميها المحنة الثانية، وهو نهج تسير عليه إثر كل فشل أو تورط لها في الجريمة يستتبع رد فعل طبيعي يتحول عندها إلى محنة هي سبيل أصحاب الدعوات في كل عصر ومصر.

في كل محطات صراعها على السلطة تدفع الجماعة عناصرها لأتون محرقة بادعاء الدفاع عن شرع الله ثم تتباكى على ضحاياها

حاول الإخوان فرض وصايتهم على الضباط الأحرار وفرض شروطهم، ودعموا محمد نجيب في صراع بحت على السلطة لم يكن انحيازاً لديمقراطية ولا يحزنون، وتوسلوا في سبيل ذلك بكل ألوان الكيد، وتركوا النظام الخاص يرتع حتى تورط في قتل أحد قياداته بطرد مفخخ، فضلاً عن محاولته قتل قائد الثورة جمال عبدالناصر في حادثة المنشية الشهيرة العام 1954، وليس محاولة واحدة كما ادعت أدبيات الجماعة؛ بل حاولت عبر خلاياها في الجيش والشرطة تنظيم انقلابات، لكن علم عبدالناصر بخريطة التنظيم وقواعد بيانات عناصره في الجيش والشرطة مكّنه من إجهاض كل تلك المحاولات، التي مضت متوازية بين فعل مسلح وسياسي مناهض ودعاية سوداء مركزة ضد النظام الجديد، رغم أنّ الجماعة التي حاولت أن تحكم مصر في تلك الآونة رفضت المشاركة في الحكم وقبول حقيبة وزارية في أول حكومة للثورة.

قطب وتجهيل المجتمع
ولمّا لاحت فرصة للتطبيع مع المجتمع وأعطاهم عبدالناصر فرصة ثانية، وبدا أنّ الدولة تنطلق في مطلع الستينيات، تهيأت موجة جديدة للإرهاب داخل الجماعة تمثلت في سيد قطب وتنظيمه، الذي جسدت أفكاره في التكفير والمفاصلة مع الأنظمة واتهام المجتمع بالجاهلية، تياراً جهادياً عنيفاً كان المنهل الذى نهلت منه كل حركات التطرف والتكفير والعنف حتى اليوم.
نُفّذ حكم الإعدام بسيد قطب وقيادات تنظيمه العام 1966، وكان الأجدى تركهم أحياء في السجون حتى تموت أفكارهم ولا يتحولوا إلى "شهداء وقديسين" قدّم موتهم ذريعة لاصطناع مظلومية جديدة تغذت عليها الجماعة من جديد لعقود.
داء سوء تقدير الموقف
أما أحداث فض اعتصام رابعة العدوية، فلقد كانت مظلومية جديدة تستحضر في مواجهتها ما جرى من إخوان سورية في أحداث حمص وحماة بداية الثمانينيات، لتشرح لنا خيار سيزيف الإخواني؛ يقول د.عبدالله النفيسي في كتابه "الحركة الإسلامية رؤية مستقبلية"، إنّ الإخوان تورطوا في تحريض الناس على المواجهة العسكرية مع الحكومة السورية، وعندما زهقت أرواح 30 ألفاً نفض مكتب الإرشاد العالمي يده من الأمر، وأخذ يبرر ويتلعثم ويسقط كل إخفاقاته على النظام، متسائلاً كيف تجيز قيادة الجماعة لنفسها المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن هزيمة حزيران (يونيو) 1967 التي بلغ ضحاياها 12 ألف جندي، ولا تقبل بمحاسبة نفسها على جريمة وهزيمة حماة 1982 التي ذهب ضحيتها أطفال ونساء وشيوخ وشباب، لقد كان سوء تقدير الموقف –كما يقول النفيسي- داء بارزاً في ممارسات مكتب الإرشاد، مؤكداً أنّ ما جرى كان جريمة ارتكبتها قيادة الإخوان.

هذا ذات ما ارتكبته القيادة القطبية لجماعة الإخوان في مصر عندما راهنت على أنّ اعتصاماً مسلحاً، قادر على كسر إرادة المجتمع والدولة التي عندما فضّته مدفوعة بهيبتها وحفظاً للنظام العام، ونجم عن ذلك قتلى وضحايا، حاجج الإخوان بأنّ أعداد القتلى فاقت ألف نفس لم يكن من بينهم قيادة إخوانية واحدة! وهو الأمر المتكرر في كل مقتلة تدفع الجماعة أبناءها إليها؛ فدور أفراد القواعد أن يموتوا ثم تتاجر قياداتهم بدمائهم، وتصنع منها مظلومية جديدة في سبيل إطالة عمر الجماعة.

 

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: