هل يمكن عزل المواجهة مع الإسلام السياسي عن التحولات الاجتماعية والاقتصادية؟

السبت 03 فبراير 2018

المواجهة مع الإسلام السياسي، لا يمكن أن تكون مستقلّة عن التحولات الاجتماعية والاقتصادية، التي صعدت بهذه الجماعات، وتلك التي تعمل ضدّها، والحال؛ أنّ عملية المواجهة ليست سوى إدارة التحولات لأجل إصلاح اقتصادي واجتماعي، مستقل عن مشاركة وتأثير الإسلام السياسي، أو ليكن السؤال، بوضوح وبساطة: كيف يمكن الإصلاح السياسي والاقتصادي وعزل الإسلام السياسي في الوقت نفسه؟ والمأزق في السؤال: أنّ كثيراً من الإصلاحات والمبادرات السياسية الإيجابية، هي التي أفادت الإسلام السياسي، والإجابة، بالطبع، إنّه لمواجهة التأييد السياسي والاجتماعي لهذه الجماعات، يجب تغيير ظروف المؤيدين، أو أن يكون تحسين حياتهم ومصالحهم مستقلاً عن الإسلام السياسي، وهذه المقولة تفترض، بالتأكيد، أنّ الإسلام السياسي يحظى بتأييد سياسي واجتماعي في العالم الإسلامي، وأظنّ أنّه لا مجال لإنكار هذه الحقيقية، وأنّ المواجهة الإعلامية والفكرية مع الإسلام السياسي، ليست مفيدة إلّا أن تكون مصحوبة بإصلاح اقتصادي واجتماعي، أو كما يقول ماركس، "لتغيير أفكار الناس، يجب تغيير واقعهم".

قد يتداخل هذا المقال مع مقالات أخرى، وأرجو المعذرة إن حدث تكرار، لكنّ الفكرة الأساسية هنا؛ ملاحظة التحولات الكبرى التي أحاطت بالدول والمجتمعات، وكيف تأثّر الإسلام السياسي بها واستفاد منها، فقد فرضت جماعات الإسلام السياسي، نفسها، على المشهد العام، منذ أوائل التسعينيات، وتحوّلت إلى تحدٍّ، أو بديلٍ، أو مشاركٍ للحياة السياسية العربية والإسلامية، والعالمية أيضاً، على نحو بدت فيه كأنّها بديل للاتحاد السوفيتي، الذي انهار في أوائل التسعينيات، وبدا الإسلام السياسي، في أحيان، بديلاً للشيوعية، في الصراع العالمي الذي شكّل العالم والأفكار، لنصف قرن من الزمان، فهل كانت الحركات الإسلامية عدواً حقيقياً للغرب؟ وهل هي بديل للأنظمة السياسية العربية والإسلامية القائمة، أم هي تعبير عن تحولات وتشكّلات جديدة في العالم، لا تمثّل تغيراً جوهرياً في طبيعة الأنظمة السياسية، والصراعات المرتبطة حتماً حول السلطة والتعاون والتنافس والتعايش بين الدول والمجتمعات، وتمثّل إطاراً من الأفكار والمبادئ التي شكلت الحياة، السياسية والعامة، في العالم، بدءاً بالقومية والليبرالية والاشتراكية، والحركات الإسلامية، وفق هذه الرؤية، إنّما هي جزء من موجة دينية عالمية، لجأت إليها المجتمعات في مرحلة من مسار البشرية، خاصة بعد انحسار الأفكار القومية واليسارية، واختفاء نموذج دولة الرفاه؟ وإلى أين ستمضي هذه الحركات بنفسها وبالمجتمعات المحيطة بها وبالعالم أيضاً؟

المواجهة الإعلامية والفكرية مع الإسلام السياسي ليست مفيدة إلّا أن تكون مصحوبة بإصلاح اقتصادي واجتماعي

دخلت الحركات الإسلامية السياسية العمل السياسي، من باب المشاركة النيابية، والعمل العام المتاح، الذي أخذ أهمية متزايدة، بعد اتجاه معظم الدول إلى إجراء انتخابات، وظهور وسائل الإعلام الحديثة، وتنامي دور المجتمعات ومؤسسات المجتمع المدني، والنقابات، في العمل والتأثير، فشهدنا، منذ أوائل التسعينيات، حضوراً واسعاً للحركات الإسلامية، في كلّ الدول التي أجريت فيها انتخابات نيابية أو بلدية أو نقابية، مثل: اليمن، ومصر، والأردن، والكويت، والمغرب، والعراق، وفلسطين، وأفغانستان، وتركيا، وباكستان، وإندونيسيا، وماليزيا، وتونس (بعد الربيع العربي).
وقد حدثت في البيئة المحيطة بالدول والمجتمعات والحركات، تحولات كبرى جذرية، منذ نهاية الثمانينيات، وما زالت تداعياتها تتحرك، بقوة وعمق، فقد عصفت بدول مثل: (الاتحاد السوفيتي، والبلقان، والعراق، وأفغانستان، وإفريقيا، وإندونيسيا، وأمريكا اللاتينية) وبمجتمعات، وأفكار، وموارد، وأحزاب، وجماعات. وقد غيرت هذه التحولات كلّ شيء، تقريباً، في أمن الدول والمجتمعات، وعلاقاتها، وتحدياتها، ومواردها، وبالطبع؛ فقد ساهمت هذه التحولات في إعادة تشكيل وصياغة الحركة الإسلامية في العالم.

المجتمعات والدول تحتاج إلى عقد اجتماعي جديد، ينظّم التنافس على الموارد والفرص، والسلطات، والعلاقات

لم يعد أمن الدولة قائماً على مواجهة أخطار خارجية من الاحتلال، والتهديد العسكري، والأحلاف الإستراتيجية الكبرى، أو الحركات الثورية التي استهدفت الأنظمة السياسية والدول، أو الانقلابات العسكرية، لكنّه تحوّل إلى أمن اجتماعي وإنساني، قائم على التنمية الإنسانية، والتماسك، والحريات، وبالطبع؛ فلم تكن الديمقراطية كافية لاستيعاب هذه التحولات، لذلك شهد العالم، منذ مطلع التسعينيات، موجة من الفوضى الجديدة، المتمثلة بالحروب، والصراعات الداخلية والأهلية، والإرهاب المستمد من أيديولوجيا دينية، تقسّم المجتمعات تقسيماً طولياً، وبدا واضحاً أنّ المجتمعات والدول تحتاج إلى عقد اجتماعي جديد، ينظّم التنافس على الموارد والفرص، والسلطات، والعلاقات، والأفكار، بين الناس والمجتمعات والحكومات والشركات أيضاً، التي أصبحت الجزء الأكثر أهمية في إدارة شؤون الناس وخدماتهم.

التطرف الذي سلكته بعض جماعات الإسلام السياسي غالباً ما تحتمي به المجتمعات كملجأ أكثر ممّا هو مكوّن بنيوي أصيل

ويجب أن يقال، إنّها كانت أيضاً أزمة الحكومات والمجتمعات والأحزاب والمؤسسات جميعها، فقد كانت، وما زالت، في حالة من الحيرة والتيه والارتباك، ويمكن، على سبيل المثال، ملاحظة وتذكّر مجموعة من المشروعات والاستجابات والتحولات الكبرى، مثل: الخصخصة، والرعاية الصحية والاجتماعية، والتغيرات الكبرى في المؤسسات التعليمية والصحية، وأنظمة التقاعد والضمان الاجتماعي والتأمين الصحي، وسوق العمل والمهن الجديدة، والاقتصاد الجديد وتحولاته، وتأثير العولمة والاتصالات والمعلوماتية، والدور الجديد الاجتماعي والسياسي للمجتمعات والشركات. 

وهي أزمة عميقة، لا تستثني أحداً من عناصر ومكونات المجتمع والدولة، وتتّصل بإعادة صياغة وتنظيم المجتمعات، وفق التحولات والتغيرات الكبرى، الجارية والمحيطة، فالتحولات الكبرى الجارية في الموارد والمهن والأعمال، والتحديات الخطيرة الناشئة عن الحاجة إلى إدارة جديدة، وتنظيم للموارد، يضع هذه التحولات في الاعتبار، التي أنشأت متوالية غير منتهية من الأولويات الجديدة وضياع الأولويات، وقد أفرزت، فيما أفرزت، طبقة جديدة في الدول والمجتمعات، قائمة على تحالف ومشاركة بين رجال الأعمال والحكومات، بعضها يحاول تشكيل رؤية تسعى بجدّ للإصلاح، وتبحث عن مخرجٍ ودليل عمل يحقق التنمية بالفعل، والكثير منها يشكّل مصالح معزولة عن المجتمعات، واحتياجاتها الحقيقية، ويستولي على كثير من موارد الدول والمجتمعات، ويتصرّف بضرائب المواطنين، بعيداً عن تطلّعاتهم، وفي جميع الأحوال؛ فإنّها تحوّلات وتشكّلات لم يدركها بعد، ولم يشغل بها الجسم الرئيس للمجتمع والدولة، والمؤسسات الإعلامية والسياسية الرسمية والمجتمعية.
وكانت الحركة الإسلامية في المنطقة عامة، على اعتبارها الجماعة السياسية والاجتماعية، الصاعدة والأكثر حضوراً وأهمية، بطبيعة الحال، هي الأكثر تفاعلاً مع التحولات الجارية، سواء في علاقتها السياسية والاجتماعية، أو في استجاباتها التنظيمية والفكرية الداخلية.

هكذا، فإنّ جماعات الإسلام السياسي وجدت نفسها، منذ أواخر الثمانينيات، في مرحلة بعيدة مختلفة تماماً، وبعضها سلك باتجاه التأثير السياسي السلمي، وسلكت مجموعات وتيارات فيها سلوكاً متطرفاً، وغالباً ما يكون التطرف ملجأ تحتمي به المجموعات والمجتمعات، أكثر ممّا هو مكوّن بنيوي أصيل.


وسم: