هل يمكن السيطرة على الإرهاب بصفته أحد مخاطر العولمة ومنتجاتها؟

الأحد 21 يناير 2018

تشكّل اليوم مجتمع عالمي من المخاطر المتشابكة، إلى درجةٍ تجعل وصف عالم الاجتماعي الألماني، أولريش بك، حاضراً ومستعاداً، وفي ذلك تنشأ أيضاً تحديات وقيم عالمية، تجعل العنف والإرهاب، في تأثيرهما وتداعياتهما، عابرين للحدود، وغير مرتبطين بدولة، ولم يعد ممكناً السيطرة على الإرهاب من خلال إدارة حكومية أو بمراقبة الحدود، فهو يستخدم وسائل وأساليب تصعب معرفتها أو توقعها.

يقول أولريش بك: إنّ المجتمع الصناعي بدأ بالاندثار، مفسحاً المجال لمجتمعٍ جديدٍ تسوده الفوضى، وتغيب عنه أنماط الحياة المستقرة، ومعايير السلوك الإرشادية، وأصبحت دلالة المخاطرة اليوم شديدة الآنية والأهمية، في لغات التقنية والاقتصاد والعلوم الطبيعية، وكذلك في لغة السياسة، وتستند ديناميكية مجتمع المخاطرة إلى الافتراض الذي يجعلنا نضطر، اليوم وفي المستقبل، إلى العيش في عالم من مخاطر لم تكن موجودة، إلّا أنّنا نعيش في عالمٍ يجب أن يتخذ قراراً بشأن مستقبله، وفق شروط عدم الأمان المصطنع والمصنَّع ذاتياً.

أولريش بك: المجتمع الصناعي بدأ بالاندثار مفسحاً المجال لمجتمعٍ جديدٍ تسوده الفوضى وتغيب عنه أنماط الحياة المستقرة

وفي مواجهة المخاطر العالمية وتوقّعها، مثل الإرهاب، يتغير مفهوم المجتمع، ويمكن وصف هذا التغير بـ "عدم اليقين"، وهما مفهومان يشيران إلى تحوّلٍ هائلٍ وشاملٍ في المجتمع، وهناك تحوّل ثقافيّ عام يحدث؛ إذ ينشأ فهم آخر للطبيعة وعلاقتها بالمجتمع، وكذلك فهم أنفسنا نحو الآخرين والعقلانية والمجتمعية والحرية والديمقراطية والتشريع، والفردية، ويكون مطلوباً، وتنشأ بالفعل أخلاقيات جديدة على مستوى كوكب الأرض، موجَّهة بحسب المستقبل، وتُحدث هوياتٍ جديدة، وقوانين، ومؤسسات دولية، في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

وقد بدأنا بالفعل، كما يقول أولريش بك، في بداية القرن الحادي والعشرين، نرى المجتمع الحديث بعيونٍ أخرى، بفعل النظرة المستمدة مما هو غير متوقَّع، والمنبثق عنها مجتمع مخاطرة عالمي غير محدَّد. لكن أصبح القلق بشأن الكلّ مهمة الجميع؛ إذ لم يعد ممكناً التفكير في المجتمع والسياسة والتاريخ، بشكل محدّد قومياً، ومرتبط بمناطق اختصاص.

وفي الحديث عن مجتمع المخاطر العالمي، تدور أسئلة من قبيل: أليست المخاطر قديمة قدم البشرية؟ ألم تكن المجتمعات، في الماضي والحاضر، مجتمعات مخاطرة؟ ألا تبدو المخاطر العالمية أقل تهديداً من مخاطر ألِفها العالم أو تجاوزها، مثل حوادث المرور والأوبئة والمجاعات؟ أليست المخاطر قوة دفع أساسية، لاكتشاف عوالم وأسواق جديدة؟

بدأنا في القرن الحادي والعشرين نرى المجتمع الحديث بعيونٍ أخرى بفعل النظرة المستمدة مما هو غير متوقَّع

يجيب أولريش بك: من الممكن توضيح علاقات سلطة تفسير المخاطرة في أربع نقاط: من الذي يقرّر خطورة المنتجات والأخطار والمخاطر أو عدم خطورتها؟ ومن المسؤول؟ ومن المتضرِّر؟ وما نوع المعرفة أو عدم المعرفة بالأسباب والأبعاد المرتبطة بالمخاطر؟ وما الذي يعدّ إثباتاً في عالمٍ تذوب بداخله المعرفة وعدم المعرفة بالمخاطر، وكل المعارف تعدّ محلاً للشكّ والاحتمال؟ ومن الذي يقرّر تعويض المتضرّرين داخل دولةٍ أو أكثر من دولةٍ إقليميةٍ؟ والأهم: ما الذي يميّز المخاطرة العالمية؟ إنها تتميز بعدم التمركز، ولا تقتصر آثارها وأسبابها على مكان أو نطاق جغرافي محدّد، ولا يمكن حساب نتائجها، وهي غير قابلة للتعويض؛ إذ يفقد منطق التعويض مفعوله، وتحلّ محلّه الحماية عن طريق الوقاية.

ويلاحظ في الحياة اليومية لمجتمع المخاطر العالمي، وجود نزعة جديدة إلى الفردية؛ حيث يكون على الفرد أن يتّخذ قراراته الخاصة بنفسه، في مواجهة عدم يقين المجتمع الدولي، وقد أصبح الفرد مجبراً على أن يفقد الثقة بالوعود العقلانية للإعلام والدولة؛ ونتيجة لذلك ارتدّ الإنسان إلى نفسه. وهناك أيضاً نزعة أو اتجاهات جديدة لإعادة مسؤولية الدولة؛ ففي ظلّ ما يمكن اعتباره فشلاً لليبرالية الجديدة، وإعادة صياغة المخاطر الكونية، تشكّلت أفكار واقعية لعالم مهدّد بالمخاطر، يكون دور الدولة وشرعنته حلاً، أو فكرة للحماية من المخاطر.

وقد تبدو المخاطر العالمية، خاصّة الإرهاب، عدواً جديداً مرغوباً فيه، ويلبي احتياجات دول تبحث عن عدو يشجع مجتمع المخاطر العالمي على منطق تاريخي مفتاحي، فلا توجد أمة واحدة يمكن أن تتغلب على تلك المشكلات، كما أنّ إيجاد بديل سياسي واقعي أمر ممكن في عصر العولمة، وذلك البديل يواجه خسارة سلطة سياسة الدولة، بالنظر إلى رأس المال المتعولم، إلّا أنّ الشرط اللازم لذلك؛ هو ألّا تفسَّر العولمة باعتبارها قدراً اقتصاديّاً؛ بل باعتبارها لعبة إستراتيجية للسيطرة على العالم.

المجتمع العالمي هو مجتمع المخاطرة بناءً على العلاقات والقيم والأفكار العالمية التي تتشكَّل في مواجهة الأخطار غير المرتبطة بدولة

وقد يصحّ وصف المجتمع العالمي اليوم، بأنّه مجتمع المخاطرة؛ بناءً على العلاقات والقيم والأفكار العالمية التي بدأت تتشكَّل في مواجهة الأخطار العالمية غير المرتبطة بدولة، التي لا يمكن السيطرة عليها، أو إدارتها، من خلال الحكومات وإدارات الحدود، ولا يمكن التعويض عن الأضرار الناتجة عنها، فالإرهاب اليوم يغلب عليه التعولم، وغير مرتبط بدولة أو مكان، ويستخدم وسائل وأساليب تصعب معرفتها أو توقعها، مثل العمليات الانتحارية، وأكبر مثال عن ذلك: تدمير برجي مركز التجارة العالمي في 11 أيلول (سبتمبر) 2001.

ينشأ الاستهتار والمبالغة بشأن المخاطرة، بسبب شروط حسابها ومعالجتها مؤسسيّاً إلى حدٍّ ما، وينشأ مناخ أخلاقي جديد تلعب فيه القيم الثقافية، التي تختلف من بلد إلى آخر في دور محوريّ، وكلما زاد تغلغل القيم في العلوم والتكنولوجيا، قلَّ سريان سلطة الخبراء، وتكتسب البرلمانات ووسائل الإعلام، والحركات الاجتماعية، والحكومات، والفلاسفة، ورجال القانون، والأدباء، حقّ المشاركة في إبداء الرأي.
وتستند ديناميكية مجتمع المخاطرة إلى الافتراض، الذي يجعلنا نضطر، اليوم وفي المستقبل، للعيش في عالم مخاطر لم تكن موجودة من قبل، إلّا أنّنا نعيش في عالم يجب أن يتّخذ قراراً بشأن مستقبله، وفق شروط عدم الأمان المصطنع والمصنع ذاتياً.

يتمتّع الخطر بنفس القوة المدمرة للحرب، وسنصبح أعضاء في جماعة مخاطر عالمية، ولم تعد شأناً داخليّاً لدولة ما، كما أنّ أيّة دولة لا يمكنها أن تحارب الأخطار وحدها، والعلم لا يقلّل، بالضرورة، من حجم المخاطرة؛ بل يزيد حدّة الوعي بها، ويجعل المخاطر تبدو واضحة للعيان بشكل جماعي ومنظَّم.


وسم: