مفهوم الإرهاب لدى الإسلام السياسي: قراءة في كتاب "الإرهاب" لمحمد أبو فارس

الأحد 10 ديسمبر 2017

يمثل كتاب محمد أبو فارس "1938 – 2015"، نموذجاً لفهم الإخوان المسلمين وجماعات الإسلام السياسي للإرهاب وربما موقفهم الحقيقي منه، وبرغم أنه يمكن الردّ بالقول إنّ هناك مواقف واضحة وعلنية للإخوان في إدانة الإرهاب، إلا أنّ كتاب محمد أبو فارس، أحد قادة الإخوان المسلمين ونوابهم في البرلمان الأردني، يعكس الموقف الأقرب إلى الحقيقة، والحال أن أبو فارس يعبر في كتبه وأقواله عما يتواطأ الإخوان المسلمون على كتمانه وعدم الاعتراف به.
وفي كتابه المعنون بـ "الإرهاب"، يرى أبو فارس أنّ هناك نوعين من الإرهاب: إرهاب عدواني، وإرهاب غير عدواني أو "محمود، بل ومطلوب أيضا"، ويدرج في الإرهاب العدواني كل أحداث الصراع في التاريخ الإسلامي منذ النبوة حتى العصر الحديث معتبراً إياها إرهاباً، وفي باب الإرهاب غير العدواني، يدرج الموقف الإسلامي التاريخي في الصراع منذ بداية الرسالة حتى العصر الحاضر؛ إذ هناك قبل الإسلام كما يقول أبو فارس "الإرهاب الفرعوني والإرهاب العربي الجاهلي، والإرهاب اليهودي مع الأنبياء، والإرهاب الصليبي".
والإرهاب العدواني، كما يرى أبو فارس، يقوم على الظلم والاعتداء بغير حق على الآخرين، أما الإرهاب غير العدواني فهو الردّ على العدوان، وهو ممدوح شرعاً وعقلاً.  وبهذا، ينظر المؤلف الذي صدر كتابه عن دار الفرقان عام 2013، إلى الصراع كله بين الدول والأمم على أنّه إرهاب، وأن الذات (نحن) نمثل على مدى التاريخ الحق والردّ على العدوان. ولا يرى ما تقوم به الجماعات المنتسبة إلى الإسلام من عنف وقتل في جميع أنحاء العالم إرهاباً، ويمكن القول إنّه اعتبرها ضمناً، ردّاً على العدوان الصليبي واليهودي، حتى لو كانت قتلاً للمدنيين والعزل والنساء والأطفال، أو خروجاً على القانون والسلطات في بلاد العرب والمسلمين.
ومن الصحيح ربما، أن أبو فارس لم يقل ذلك صراحة، لكنه لم يقل كلمة واحدة تدين أعمال العنف والإرهاب التي تدور في العالم، ويدور معظمها في عالم العرب والمسلمين، وكان أغلب ضحاياها من العرب والمسلمين كذلك، إضافة إلى بث الرعب والفوضى وغياب القانون، وتحويل بلاد ودول عدة إلى دول هشة أو فاشلة.
والحال أن الإخوان المسلمين لم يقدموا إدانة واضحة للإرهاب، ولم يبذلوا جهداً في مواجهته؛ بل إنهم بذلوا الكثير في تبريره وتفسيره وتزيينه للناس والمؤيدين.

 ينظر المؤلف إلى الصراع كله بين الدول والأمم على أنه إرهاب وأنّ الذات (نحن) نمثل على مدى التاريخ الحق والردّ على العدوان

المسألة الثانية، والأكثر خطورة في فهم الإرهاب لدى أبو فارس والإخوان المسلمين، هي عدم التمييز بين الحروب والصراعات بين الدول، وبين الحروب والصراعات مع جماعات ليست دولاَ، بعضها يسعى بالفعل لمقاومة الاحتلال.
وبالمناسبة، فإن هذه الجماعات مثل حركة "حماس" لم تدنها الدول العربية والإسلامية ولم تعتبرها إرهابية برغم الاختلاف الكبير مع أفكارها وسياساتها ومواقفها، لكن أغلبيتها الكبرى تخوض صراعات مع الدول والأمم والمجتمعات، سواء كانت دولاً عربية وإسلامية أو أي دولة أخرى، وفي ذلك فإن الإخوان المسلمين يقدمون دليلاً واضحاً وأكيداً أنّهم لا يرون شرعية للدول والاتفاقيات والتشريعات والأنظمة السياسية والاجتماعية المتبعة في الدول والمجتمعات ولا يرون العلاقات الدولية والشرعة الدولية التي تلتزم بها الدول والأمم ملزمة لهم، ولا تعنيهم، كما لا يرون في الموقف العالمي والدولي من الإرهاب وتعريفه شأناً يخصهم؛ بل ويدعون جميع الناس إلى عدم الالتزام بها أو احترامها.
وبالطبع، تتشكل هنا ملاحظتان بديهيتان، أولهما إن كثيراً من المواقف والتشريعات والعلاقات الدولية مخطئة بحق أمم ودول عربية وإسلامية أو أخرى مستضعفة أو محتلة، وتقف في أحيان كثيرة إلى جانب العدوان والاحتلال، والأخرى أن الإخوان المسلمين وجماعات الإسلام السياسي أبدت أثناء مشاركتها السياسية مرونة والتزاماً بالقوانين والمعاهدات الدولية، والملاحظتان صحيحتان، لكنهما تؤكدان أيضاً الانحراف الخطير في أفكار ومعتقدات جماعات الإسلام السياسي وليس العكس.

الإخوان المسلمون لم يقدموا إدانة واضحة للإرهاب ولم يبذلوا جهداَ في مواجهته؛ بل بذلوا الكثير في تبريره وتفسيره للناس والمؤيدين

أن تكون المواقف والعلاقات الدولية مجحفة أحياناً بحق قضية أو أمة أو دولة، لا يبرر الخروج عليها ولا عدم الالتزام بالمواثيق والمعاهدات، فتلك جريمة لا تقل خطورة وبشاعة عن الظلم الدولي، إن ذلك يشبه تبرير جرائم القتل والسرقة بسبب الفقر أو الظلم أو الفساد!  وأن يكون الإخوان المسلمون ملتزمين بمواقف دولهم وأنظمتهم السياسية عندما يكونون جزءاً من الحكم، فهذا يؤكد الزيغ الكبير في أفكارهم ومواقفهم، فهم عندما يكونون في الحكم، لا تعود الفتاوى والأفكار التي كانوا يؤمنون بها ويدعون إليها وهم خارج الحكم تخصهم أو تشملهم.
والإخوان المسلمون في ما يسميه البعض اعتدالاً ومرونة يظهرون انتهازية مؤذية للقيم والعقد الاجتماعي، وتحريفاً خطيراً للدين والنصوص الدينية، وكأنهم يقولون إن الصواب والدين والحق هو ما يفعلونه هم مهما كان ما يفعلونه أو يقولونه، لكنه لا يظل صواباً عندما يفعله غيرهم، وكان أبو فارس نفسه يقول إن "المشاركة السياسية في المجالس النيابية جائزة لأني أفتيت بجواز ذلك، لكن المشاركة في الوزارة حرام لأني لم أفت بحواز ذلك". وحركة حماس كمثال، التي لم تعتبر نفسها حركة مقاومة للاحتلال حين سحقت بقسوة ودون تردد أي محاولة للمقاومة لا تريدها أو ليست من خلالها، بل إنها دمرت مسجداً على من فيه وقتلت جميع المعتصمين فيه برغم أنهم يقولون ويفعلون ما تقوله وتفعله حماس نفسها.

وبالطبع ربما يكون موقف حماس كسلطة سياسية مبرراً، لكن جماعات الإسلام السياسي لا ينظرون إلى المواقف والسياسات على أساس أنها اجتهادات وتقديرات إنسانية تحتمل الصواب والخطأ، لكنهم دائما يقدمونها على أنها دينية شرعية، ليست سوى حرام أو حلال، ثم يتحول الحرام والحلال إلى ما يعتبرونه هم حراماً أو حلالاً، ولا يظل كذلك عندما يقوله أو يفعله غيرهم إلا بموافقتهم ورضاهم، وعلى نحو آخر فإنهم يذكرون بالآية القرآنية عن المنافقين "ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا إذا هم يلمزون".


وسم: