"معجم المرأة" ينصف النساء وينبش ذاكرة اللغة الاجتماعية والتاريخية

الأربعاء 06 ديسمبر 2017

رأى مختصون أنّ اللغة العربية افتقرت في معاجمها اللغوية العديدة إلى بعض المعاجم المختصة، ومنها تلك المتعلقة بالمرأة، واعتبروا أن "معجم المرأة"، لمؤلفه الباحث والأستاذ في اللسانيات العربية في الجامعة الهاشمية د. عيسى برهومة، يستحق تسليط الضوء عليه وعلى ما قدمه من إثراء للمكتبة العربية، خصوصاً أن المعجم لم يلحقه أي عمل مماثل.

وخلال الندوة التي عقدت حول "معجم المرأة" في مقر رابطة الكتاب الأردنيين أمس الثلاثاء بالتعاون مع مركز تعلم واعلم للأبحاث والدراسات، وقدمها أستاذ الفلسفة في الجامعة الأردنية ورئيس الرابطة السابق الدكتور أحمد ماضي، أكد المحاضرون أهمية التحقيق في صورة المرأة العربية من خلال موجوداتها التي تعبر عنها اللغة العربية.

ماضي، لفت، من خلال كلمته الافتتاحية للندوة، إلى ندرةِ الموضوع الذي يتخصص به المعجم الصادر عن وزارة الثقافة الأردنية منذ 2010، والحاجة الماسة لتسليط الضوء تجاه موضوعه المتعلق بالمرأة العربية والدلالات اللغوية على وضعها الاجتماعي والإنساني منذ ذلك الحين.

الفجاوي: المعجم اشتمل على جهدٍ كبير، ومنهجية أنصفت المرأة بعمق، وكشفت عن ظروفها خلال مرحلة من المراحل التاريخية

أحوال المرأة منذ الجاهلية

ولم يبتعد أستاذ اللغة العربية في الجامعة الهاشمية عمر الفجاوي عن هذا السياق، بتركيزه على توضيح الرؤية بخصوصِ المرأة العربية خلال الفترة التي تسمى اصطلاحاً بـ "الجاهلية"، فتطرق إلى عادات العرب في ذلك الحين، والأحداث التي سُجلت تاريخياً عن تلك الفترة، مبيناً أنّ ربطها "بأحاديث دينية معينة" كالقول إنّ المرأة "ناقصة عقل ودين"، ربما ساهم في عدم توضيحها، فما نُقل عن الرسول عليه الصلاة والسلام، وعادات صحبه، أظهر الكرم والاحترام في التعامل مع المرأة، أما ما كان قبل عهد الرسول، فإنّ مصادر عربية وكتباً مختلفة، أكدت مكانة المرأة في قومها، "بدءاً مما نقل عنها من ثقافة وجمال، وليس انتهاء بحقوقها الشخصية كاختيارها لزوجها مثلاً".

برهومة "الأول من اليمين" متحدثاً عن المعجم

وأضاف الفجاوي "المعجم اشتمل على جهدٍ كبير، ومنهجية أنصفت المرأة بعمق، وكشفت عن ظروفها خلال مرحلة من المراحل التاريخية التي أسست قراءتها المتسرعة لصورة خاطئة لدى العامة والخاصة تجاه وضعها الاجتماعي آنذاك، بينما تكشف الدراسات اللغوية التي يشكل هذا المعجم مثالاً عليها خطأ هذه الصورة".

من جهته، قال أستاذ التاريخ والعلوم السياسية رياض ياسين إنه عقد قراءة "مغايرة للمعجم الذي تميز بترتيبٍ منهجي مدروس، ولم يركن إلى تحشيد الكلمات والصفات فحسب، بل تمت صناعته ليكون مرجعاً للقارئ العادي وللدارس أيضاً".

ياسين: لم يركن المعجم إلى تحشيد الكلمات والصفات فحسب؛ بل تمت صناعته ليكون مرجعاً للقارئ العادي وللدارس أيضاً

ورأى ياسين أن طريقة ترتيب المعجم "تتتبع مسيرة المرأة؛ طفلة وفتاة وكبيرة، فهو يتناولها في معظم حالاتها، وظروفها الاجتماعية، ويكشف الفروقات بين استخدام كلماتٍ معينة اليوم وفي الماضي".

كما أكد ياسين أنّ القارئ، بصدد "معجم لغوي تاريخي اجتماعي، يكشف عن فكر وثقافة مراحل تاريخية مختلفة، ذلك أن اللغة تعبير عن الفكر، والكلمات بحد ذاتها والمعاني، هي نتاج احداثٍ وصفاتٍ لسياقاتٍ تاريخية معينة".

الدراسات التاريخية والنفسية

وأشار المحاضران، إلى الجهد الكبير المبذول من قبل برهومة في إنجاز هذا العمل الأكاديمي والثقافي، ذلك إن تحقيق وتدقيق المعاجم يحتاج إلى جهد كبير، إذ "عادة ما يسهم أكثر من متخصصٍ وأكاديمي في هكذا جهد" كما رأى ماضي، وهو ما علق عليه برهومة في كلمته القصيرة حول المعجم بقوله إنه بذل كل ما احتاجه من جهد لإنجازه، وإنه "أراد المعجم وصفياً اجتماعياً، ومفتوحاً على الدراسات التاريخية والنفسية وسواها، خاصة أن المعجم يمكن أن يظهر المرأة في العصر الجاهلي غير تلك المرأة القابعة في خيالنا اليوم، خاصة إنها تفوقت حضارياً على المرأة الأندلسية بحريتها ونبوغها الاجتماعي".

كما كشف برهومة أنه من خلال أبحاثه وإنجازه في "معجم المرأة"، يمكن أن يظهر مدى خطأ العبارة المتداولة بأن "الثقافة العربية ثقافة قول لا فعل" ويمكن التنبه إلى هذا، من خلال الدراسات المحققة والمعمقة في اللغة العربية والروابط التاريخية والاجتماعية المرتبطة بكلماتها ومعانيها.

وكانت أسئلة الحضور المتنوع، تركزت على هذا الجانب، خصوصاً حول الكلمات التي كانت تطلق كصفاتٍ على المرأة، ومدى قدرتها على كشف التناقض بين ما هو متداولٌ من أفكار وعاداتٍ حولها، وبين ما كان قائماً حقاً في ذلك الحين.

برهومة: "معجم المرأة"، يظهر مدى خطأ العبارة المتداولة بأن "الثقافة العربية ثقافة قول لا فعل"

ومن خلال الندوة التي استمرت ساعتين ونصف الساعة، ظهرت معالم "معجم المرأة" الذي يتناول بين صفحاته أيضاً "الألفاظ المتعلقة بالزواج و أشكاله وطقوسه والعائلة وتسمياتها، ورعاية الطفل وتغذيته وملاعبته، وزينة المرأة، وما يستحب وما يستكره"، وذلك حسب السياق الذي جمع فيه الألفاظ. ويأتي المعجم كذلك، من باب التأكيد أن المرأة معيارٌ لتقدم المجتمع أو تراجعه من خلال وضعها الاجتماعي فيه، من خلال الدلالات الفكرية والثقافية للغة وكلماتها، التي تسهم في فهم أفضل، يساعد على تقدم الأفراد والمجتمعات.

 


وسم:

    اترك ردا