مدن الدم.. "دار الغزل" و "عين السماء"

الثلاثاء 02 يناير 2018

بغداد.. دار الغزل

منارة الدنيا ودار السلام، غير أنّها عاشت أوقات الحرب أكثر ما عاشت أوقات السلام، منذ أن أمر ببنائها أبو جعفر المنصور عام ( 145ه – 710م ) حسب الخطيب البغدادي في خبر البناء.

منذ سبعمئة عام، أو قبل ذلك، وبعده أيضاً، من أعوام الحرب والدم على يد المغول والتتار والفرس والترك، بقي خيط الدم متصلاً، لم ينقطع حتى انسلّ من عباءة الماضي المعمّد بالتسبيح بحمد الولاة والخلفاء والسلاطين، إلى يومنا هذا، مروراً بحربي الخليج الأولى والثانية، وصولاً إلى دولة الوهم الداعشي التي عاثت في أرض السلام حرباً وتدميراً، وما رحلت إلا وقد تركت خلفها مخلفاتها الثقيلة في العقل والوجدان.

حملوا الدين على فوهات البنادق ولونوا الرايات بالأسود والأحمر وأسلموا أنفسهم ووطنهم للشيطان

إنّها بغداد، إذاً، ذاكرة الحزن والحرب، وكأنّ قدرها أن تكون المدينة الأولى التي تُبنى مدوَّرة، كيما تبقى دوائر الدم تدور عليها، وثمة من قال إنّها لعنة (نوبخت) المنجم الذي أشار بتوقيت بدء البناء وموعده.

منذ أن كانت بغداد، ومنذ أن تأسست أخذت اسم أرض السواد، وكلّلت رايتها بالسواد، وبقيت هكذا يلتهمها السواد من كل أطرافها، إلى أن جاء إليها أصحاب الرايات السود المعاصرون والمدججون بالموت والخراب.

لم يعد الكثيرون يتذكرون أنّ "من محاسن الإسلام يوم الجمعة في بغداد"، لقد تشوهت أيامها كلها وتشوه سلام الإسلام في دار السلام، والذين حملوا الدين على فوهات البنادق، ولونوا الرايات بالأسود والأحمر، أسلموا أنفسهم ووطنهم للشيطان، والبلد التي كانوا يعدونها "وطناً" وغيرها سفراً، صارت غربة.

هل رأيت بغداد؟ قلت لا، قال: ما رأيت الدنيا. وقال: ما دخلت بلداً إلا أعددته سفراً إلا بغداد فإنني حين دخلتها عددتها وطناً

غربة أكثر من أنّها وطن كما حسبها "الشافعي" حين سأل يونس بن عبد الأعلى الصدفي: هل رأيت بغداد؟ قلت لا، قال: ما رأيت الدنيا. وقال: ما دخلت بلداً إلا أعددته سفراً إلا بغداد فإنني حين دخلتها عددتها وطناً.

هل بقيت فيها بقية لتبدو وطناً حقيقياً فعلاً لكل من يدخلها..؟، يبدو ذلك لكن على غير ما نحسب، فالغرباء الذين وطئوها بأحذيتهم العسكرية الغليظة، والغرباء الذين نزلوا بها مدججين باللحى المزيفة والرصاص والسواد، كلهم جاؤوا يتقاسمونها، فتتسع قصورها ودورها، وتتسع أيضاً مقابرها، مع اتساع "خيانات الجسد" كما قال شاعرها النبيل ممدوح عدوان.

ذهبت بغداد البابليين "بستان الحبيب" وذهبت بغداد الآراميين "دار الغزل" وذهبت بغداد المنصور والرشيد، وبقيت بغداد الحزن والدم.

دمشق.. عين السماء

(من الموت تبتدئين.. وكنت تنامين في قاع صمتي ولا تسمعين..)

هكذا قال محمود درويش، وهو في "طريق دمشق"، خاطبها قائلاً "اغتسلي يا دمشق بلوني ليولد في الزمن العربي نهار"؛ لأن دمشق بدأت الطريق من حافة جرح قديم إلى جرح آخر يصل الدم بالدم، لكنها مدينة عريقة في الحضارة والتاريخ وعريقة في المجد والتعب وتعرف أن المسافة بين الشجاعة والخوف ليست سوى نقطة دم ورجل محشو بالمطر والتطرف لكنه مهزوم.

دمشق بدأت الطريق من حافة جرح قديم إلى جرح آخر يصل الدم بالدم لكنها مدينة عريقة في الحضارة والتاريخ

إنّها دمشق، وإنّ لبعض الأسماء كما للقصائد المعتقة رائحة (لا تنقضي أبداً أو ينقضي الأبدُ)، وللشام رائحة الياسمين والقصائد، وحروفها التي تتورط بجدارة مع الزمن الصعب، تبقى في الروح مدينة لا تفتح أبوابها للطارئين والمارين المصابين بالسهو والغرباء المصابين برهاب المدن الكبيرة والعالية التي لا تموت أبدا.. إلا إن خانها زمانها.. وزمان الخيانات يبدو هذا أوانه.

الذين قصدوا أبوابها من سكك التاريخ الوعرة، مع الرصاص والموت، يطرقون باب اسم دمشق بحناجرهم الغليظة ومقابضهم المليئة بآثار الجريمة والخيانة، وهي تسائلهم بلسان المتنبي وهو يقول:

يا ساقيي أخمر في كؤوسكما.. أم في كؤوسكما همٌّ وتسهيدُ..؟

هم قديم، لعله شؤم "بشر بن غنم" حين قال وقد ذكره ابن عساكر في تاريخه: "لتهدمنَّ دمشق حجرا حجرا".. أو لعله تطير قبورها ومقابرها التي في إحداها يقال لها "الفراديس" سبعون ألف شهيد يشفعون في سبعين، كل إنسان منهم في سبعين، كما تناقلته الأسماء بالعنعنة عن فلان وفلان إلى كعب الأحبار، هذا الذي حذر وأنذر قائلاً "ويل للجناحين من الرأس وويل للرأس من الجناحين" كان يقصد الرأس الشام والجناحين المشرق والمغرب.

دمشق وبغداد مدينتان تبقيان ضد الزمان وضد العنف والتطرف والإرهاب

إنّها مدينة ما بعد الطوفان، أول المدن، وأول البناء، وأول حائط وضع على وجه الأرض بعد الطوفان؛ حيث كان في دمشق وحران.

يا لخسارات مدن الحضارة ويا لخيباتنا فيها، إنّها مدن لا تفتأ تقبض على جمر أزمنتها كلها، ولا تحترق، حتى لو عاقر الدم فيها ألف نيرون، مدينتان تبقيان ضد الزمان، وضد العنف والتطرف والإرهاب، ولو قدِّر لهما أن تموتا أو تصيرا مدينتين عاديتين لصارتا منذ أول خيط الدم ومنذ أول سيوف الخيانة ورصاص الغدر، لكنهما مدينتان على قدر التحدي، تصنعان قدريهما بلا حسابات للخسارات وحجم الخيبات.

بغداد دار الغزل.. ودمشق عين السماء، والعكس يصح، وحدهما هاتان الصامدتان أمام الخوف قادرتان على تبادل الأسماء والألقاب.. والدم.


وسم:

    اترك ردا