مأزق الخطاب الديني في عصر المعرفة والشبكية

الأحد 28 يناير 2018

يبدو الدين اليوم، محرّك الصراعات القائمة في عالم العرب، لكنّه يبدو مؤكداً أيضاً، أنّ المؤسسات والجماعات الدينية، تواجه تحديات جوهرية تغيّر في دورها ومصيرها، ولن تكون، بطبيعة الحال، بمنأى عمّا أصاب مؤسسات الإعلام والثقافة والمعرفة الأخرى، في مرحلة "الشبكية"، فكما انحسرت المؤسسات الإعلامية للدولة، وضعفت قدرتها على الاحتكار والمراقبة والسيطرة على عالم الفضاء والشبكات، وما يتدفق فيهما من معلومات، فإنّ المؤسسات والجماعات الدينية، أيضاً، لم تعد قادرة على احتكار المعرفة الدينية، وفي ذلك؛ فإنّنا في مواجهة مؤسسات دينية شبكية مختلفة اختلافاً كبيراً وجوهرياً، ولن يكون في غضون سنوات قليلة مقبلة، وجود لجماعات ومؤسسات دينية، كما هي في هيكلها القائم اليوم. ومن ثمّ لن يكون ثمة معنى للصراع الديني نفسه، أو للصراع على الدين!

كانت المدن في تشكّلها عبر التاريخ، تدور حول قلعة الحكم وهيكل الدين، ومثّلت المؤسسة الدينية في ذلك دوراً حيوياً بالغاً للحكم، جعل من القلعة والهيكل توأمين لا ينفصلان؛ ففي المعرفة والاحتياجات الدينية وأسرارها، كان الهيكل سلطة اجتماعية ومعرفية، يخشاها الحاكم ولا يستغني عنها، وكان التحالف مع القلعة ضرورة للهيكل أيضاً؛ إذ كانت ثمّة حاجة ملحّة إلى دعم وحماية التميّز والاحتكار، اللذين أسّسا طبقتي الحكم والدين، التأثير المعرفي والروحي، الذي يعزّز السلطة القهرية للحكم، والقهر الذي يحمي الهيكل.

لن يكون في غضون سنوات قليلة مقبلة وجود لجماعات ومؤسسات دينية كما هي في هيكلها القائم اليوم

لكنّ الشبكية، بما هي مساواة مطلقة، تنشئ مدناً جديدة مختلفة، ففي القدرة على الحصول على المعرفة، وإنتاجها أيضاً، تتشكّل مشاركة عامة جديدة، تغيّر من معنى المؤسسة الدينية، ولعلّ سؤال الدين، وعلاقته بالدولة والمجتمعات والأفراد، يعدّ اليوم أكثر تطبيقات اقتصاد المعرفة وتقنياتها؛ ففي واقع الحال، لم يعد الدّين أداة سلطوية ونخبوية، ولم تعد المعرفة الدينية سراً مقتصراً على طبقة من رجال الدين، ولم يعد الهيكل مقصداً لطالبي المعرفة.

وربما يكون الصراع الديني، القائم اليوم، إدراكاً واعياً، أو غير واعٍ، لنهاية التحالف بين القلعة والهيكل؛ فقد تحوّل الدين من أداة سلطوية إلى أداة فاعلة بيد المهمَّشين والمعارضين والمتمردين، وربما يكون الحلّ، أو المآل، تحرير الدين من الصراع وتحرير الصراع من الدين. سيكون ذلك أمراً حتمياً، ولن يطول المقام حتى يتحوّل الدّين إلى شأن بعيد عن السلطات والجماعات والطبقات، فالشبكية التي حرمت السلطات والنخب من هذا المورد، لن تجعله حكراً على الجماعات، أو على أحد من الناس، طالما أنّها تمنحه بلا وساطة، أو وصاية من أحد أو هيئة.

كيف نفكر لمدن شبكية يتساوى فيها جميع الناس بقدر ما يتساوون في الوصول إلى الشبكة؟ وفي ذلك؛ نتساءل، بطبيعة الحال، عن العلاقة الجديدة أو المتوقعة بين الدين والسلطة السياسية والأفراد والمجتمعات؟ ما الثقة الممكنة والمتبقية للمؤسسات والجماعات الدينية، عندما لا تعود مصدراً للمعرفة، فقد ورثتها الشبكة بكفاءة ونزاهة، ما معنى العالم الديني أو الفقيه اليوم؟ وماذا تركت لهما الشبكة؟

لم تعد المعرفة الدينية سراً مقتصراً على طبقة من رجال الدين ولم يعد الهيكل مقصداً لطالبي المعرفة

لقد غيرت الشبكة (ستغير) معنى المؤسسة والمعرفة الدينية، فبرامج الحاسوب، بخاصة في مرحلة البرمجة الإدراكية المتقدمة، التي تتجاوز جمع البيانات والمعلومات وتنظيمها، إلى تحليلها، تقدّم لقاصدي المعرفة والمشورة (والاعتراف أيضاً) كلّ، أو معظم، ما يحتاجون إليه، ولم يعد مجالاً كبيراً للعمل الديني المؤسسي، وفي تقديم الخدمات المعرفية، صار يتشارك في الدور المعرفي والديني مع الفقيه، أو الكاهن، متخصصون آخرون، مثل: المصممين والمبرمجين لتطبيقات الشبكة وبرامجها، وغيرهم. فمن هو رجل الدين اليوم؟ ألا يمكن أن يكون مبرمجاً حاسوبياً، وقد يكون منتمياً إلى دين آخر، وقد لا يكون منتمياً إلى دين؟ ثم وفي مرحلة تحوّل الذكاء الصناعي إلى تطبيقات حاسوبية، تطوّر وتضيف ما يبدو حكراً على البشر اليوم، هل سيكون الروبوت أو البرنامج الحاسوبي مصدراً للمعرفة والاستشارة؟

هل يمكن الحديث عن خطاب ديني معرفي مستمد من اقتصاد المعرفة الذي يهيمن على الاقتصاد، اليوم، ويعيد تشكيل المجتمعات والثقافات؟ يمكن بوضوح ملاحظة تطور الخطاب الديني، مصاحباً للتحولات الحضارية من الزراعة إلى الصناعة، ومن ثم يمكن الحديث عن خطاب ديني زراعي وخطاب ديني صناعي، وفي التحول نحو اقتصاد المعرفة ومجتمعاتها، لا بدّ من تشكل خطاب ديني "معرفي".

تقتضي المقولة هذه، عرض العلاقة بين تشكل الخطاب الديني والحالة الحضارية والاجتماعية السائدة وتطوراتها، ثم محاولة فهم وتقصّي الأبعاد الاجتماعية والثقافية لعصر المعرفة، واشتقاق الاتجاهات والأفكار المتوقعة، المتعلقة بالخطاب الديني في هذه المرحلة، لكنّ الفرصة المتاحة للحديث تبرّر القفز مباشرة إلى فكرتين، هما: ضرورة نقد الخطاب الديني القائم، بما هو ينتمي إلى مرحلة آفلة، أو على وشك الأفول. وملاحظة العلاقة بين أزمة الخطاب الديني القائم، وأزمة المرحلة بشكل عام، بما هي انتقالية مرتبكة، تلقي بعدم اليقين على كلّ الحالة السياسية والاجتماعية والموارد، والأعمال، والعلاقات، والأسواق، والمجتمعات، والمؤسسات، بما في ذلك السلطات السياسية ودورها.

وبطبيعة الحال؛ يمكن الحديث اليوم عن خطاب ديني شبكي، يشارك جميع الناس في صياغته، والتأثير فيه، ونهاية الخطاب الهرمي الذي تحتكره مؤسسة أو سلطة، وعن مشاركة الأسواق والمجتمعات في تنظيم الشأن الديني مع السلطة السياسية، وفي صعود الفرد، وفرصه الهائلة في الشبكية، ويكون الخطاب الديني، في الأعمال والموارد والقدرات والعلاقات، موجهاً إلى الفرد أساساً، لملاحظة تطلعاته واحتياجاته وأسئلته الجديدة، و...إلخ.

لم يعد ممكناً أنْ تخصخص الدولة الكهرباء والاتصالات والتعليم والصحة والتموين وفي الوقت نفسه تواصل تأميم الدين

مرجَّح أن ينتهي الخطاب الديني، الذي تقوم عليه السلطات والجماعات، وتنشأ لأجله الوزارات والكليات والمناهج التعليمية والسلطات والقوانين؛ ففي انسحاب الدولة من إدارة وتوفير الخدمات والسلع، وامتلاك المؤسسات العامة، سوف تنسحب من الدين أيضاً، وتتركه للأفراد والمجتمعات، ولم يعد ممكناً، ولا متقبلاً، أن تخصخص الدولة الكهرباء والاتصالات، والتعليم، والصحة، والتموين. وفي الوقت نفسه؛ تواصل تأميم الدين!

في هذه التحولات، يغير الخطاب الديني في محتواه وأدواته، ليستجيب للتحولات والاتجاهات الجديدة، ويستخدم مداخل التأثير الجديدة، والتطلعات المتوقَّع أن تنشأ لدى الأفراد والمجتمعات، أو الفراغ والقلق الذي تنشئه التحولات، ولن يواصل وجوده وتأثيره، المستمد من الجماعات والمؤسسات الرسمية، والقوانين، والتشريعات المنظمة لحياة الناس، وأسلوب حياتهم وأفكارهم.

ربما يكون تحولاً مؤلماً وفوضوياً في الخطاب، لكنّه، على أية حال، فوضى شاملة في الأفكار والمؤسسات، لن ينجو منها خطاب اجتماعي وثقافي، وفي هذه الفوضى تجرّب المجتمعات والأفراد خياراتها، وتنشئ أفكارها وتصوراتها.


وسم: