كيف صار الإخوان المسلمون حزب التحرير الإسلامي؟

الخميس 30 نوفمبر 2017

يبدو أنّ حزب التحرير الذي انحسر ولم يعد له تأثير يذكر في البلاد العربية يتمتع بحضور كثيف ومؤثر في جماعات الإخوان المسلمين، ذلك برغم الخلاف الكبير الذي يقترب من العداء بين الحزبين (الإخوان والتحريريون)، وفي الأردن بخاصة تكاد تكون جماعة الإخوان المسلمين، فكرياً وعملياً، حزب التحرير الإسلامي، ولا علاقة لها بالفكر والاتجاه المؤسس لها كما يبدو في فكر وسيرة حسن البنا أو في روايتها المنشئة لها في الأردن عام 1945، فقد انقلب الإخوان المسلمون على أنفسهم، وانقطعت صلتهم الفكرية والعملية بحسن البنا وعبد اللطيف أبو قورة، وتحولوا إلى أفكار انفصالية عن الدول والمجتمعات وتفيض بالكراهية والتحريض والرفض، لكن الأكثر غرابة وقسوة أنّ السلوك العملي والواقعي للجماعة يتبع القواعد والآليات التي تتيحها أنظمة العمل العام في الدولة والتي يرفضها الإخوان ولا يعترفون بها.

يقول حسن البنا في رسائله: "يمكن أن نقول في اطمئنان إنّ القواعد الأساسية التي قام عليها الدستور المصري لا تتنافى مع قواعد الإسلام، وليست بعيدة عن النظام الإسلامي ولا غريبة عنه؛ بل إن واضعي الدستور المصري رغم أنهم وضعوه على أحدث المبادئ والآراء الدستورية وأرقاها، فقد توخوا فيه ألا يصطدم أي نص من نصوصه بالقواعد الإسلامية، فهي إما متمشية معها صراحة؛ أو قابلة للتفسير الذي يجعلها لا تتنافى مع القواعد الإسلامية" لكن السلوك العملي والفكري للإخوان اليوم يبدو متناقضاً مع موقف وفكر البنا من الدستور والأنظمة السياسية، ولا أظن من يؤمن بعبارة حسن البنا السابقة إلا عدد ضئيل منهم على خوف وخجل؛ يذكّر بالآية "وما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئه".

الغريب أنّ الإخوان المسلمين في الأردن يشاركون بالانتخابات النيابية والبلدية وبالوظائف والفرص والجمعيات المفترض أنّها جاهلية بنظرهم!

وإذا نظرنا في كتب وكتابات محمد أبو فارس أحد قادة الإخوان المسلمين منذ السبعينيات، وعضو مجلس النواب الأسبق لدورتين. سنجد مقولات وأفكار أكثر تطرفاً مما تقوله الجماعات التكفيرية والمتطرفة، ففي كتابه "حكم المشاركة في الوزارة في الأنظمة الجاهلية" تحرم المشاركة بالوزارة، ويبدو واضحاً من عنوان الكتاب وصفه للدول العربية والإسلامية القائمة بأنّها جاهلية، والتي تعني عملياً ضد الإسلام كما يوضح في أكثر من موضع ومناسبة في كتبه.
فالجاهلية عند أبو فارس وكثير من الإخوان في الأردن، وكذلك الجماعات التكفيرية والمتشددة لا تعني فترة تاريخية (ما قبل الإسلام)، ولكنها تعني ما ليس إسلاماً، وتشمل الأفكار والمعتقدات والسلوك والمجتمعات في كل عصر (يمكن التوسع في دلالة هذا المفهوم في كتاب جاهلية القرن العشرين لمحمد قطب). فهناك حكم الله، ويقابله حكم الجاهلية؛ فإما أن تكون الحالة القائمة "حكم الله"، أو تكون "حكم الجاهلية". ويؤكد هنا أبو فارس كما سبقه سيد قطب ومحمد قطب أنّنا في ظل جاهلية وحكم جاهلي لا تجوز معه مشاركة سياسية.
لا فرق بين ما يقوله أبو فارس ويؤيده فيه كثير من قادة الإخوان وأعضائهم، وبين ما يقوله قادة ومنظرو الجماعات المتطرفة، وأما أبو محمد المقدسي وأسامة بن لادن، فهما أقل تطرفاً، والغريب أن الإخوان المسلمين في الأردن يشاركون بالانتخابات النيابية والبلدية وبالوظائف والفرص والجمعيات المفترض أنّها جاهلية لا تجوزالمشاركة فيها.
وعلى أي حال فإنّ تشكل الجماعات الإسلامية حول فكرة أو مذهب أو دعوة أو أسلوب تدين أو منهج في فهم الدين ظاهرة راسخة وقديمة في التاريخ الإسلامي، وبعضها بالطبع أخذ وجهة سياسية من قديم، ودخل وأدخل الناس في صراعات وتشكلات سياسية، وظاهرة الإسلام السياسي اليوم ليست بدعاً في ذلك، لكن تجربة الصراع والتسييس على أساس ديني كانت ومازالت خطراً فكرياً ودينياً واجتماعياً، وحتى يمكن تجنب الصراعات وتفريق الناس فإنّ الاستقلال بين الديني والسياسي أمر حتميّ، هذا الاستقلال لا يعني فصل الدين عن الدولة كما ترد الجماعات الإسلامية السياسية ولكن ذلك التكامل هو على مستوى الأمة والدول والمجتمعات، وليس أمراً تقوم به كل جماعة إسلامية منفردة بنفسها وأسلوبها وطريقتها.

تجربة الصراع والتسييس على أساس ديني كانت ومازالت خطراً فكرياً ودينياً واجتماعياً

يجب أن تبتعد جماعات الإخوان المسلمين والسلفيين وغيرهما ممن يدعو اليوم ويشارك في عمل سياسي إسلامي نهائياً عن السياسة والعمل السياسي، وتترك لأعضائها باعتبارهم مواطنين أن يشاركوا في العمل العام والسياسي إذا أرادوا المشاركة من خلال الأنظمة والتشكيلات والفرص المتاحة، أو كما تسير الأمور والحياة السياسية والعامة، وألا تتدخل الجماعات قطعياً في انتخابات نيابية أو بلدية أو نقابية.
وفي الوقت نفسه، فإنّها يجب أن تعيد صياغة نفسها ومراجعة أسلوبها وتشكيلاتها على التدين الإيجابي والفهم الصحيح للدين، هي ببساطة أن تكون جماعة للمتدينين الذي يعتقدون أن الدين يرقى بالحياة وأن الناس يحتاجون إلى فهم صحيح وسليم للدين سواء في العبادة والاعتقاد أو في العمل والحياة.
فالعمل السياسي للجماعات الإسلامية شوّه الدين وأضر بالسياسة، وعطّل قدرة الناس على التشكل حول مصالحهم وأولوياتهم، وأفقد العمل السياسي نزعته الإنسانية وقدرته على الاجتهاد والتفكير، كما يفترض أن يكون دائماً؛ لأنه اجتهاد بشري في تقدير المصالح والأولويات وليس تعاليم محددة نزلت من السماء ولا أسرار مقدسة يعرفها قادة الجماعات الإسلامية أو رجال الدين.
وفي تشكيل هذه الجماعات، يجب أن تكون العضوية والقيادة خالية من المصالح والأهواء بمعنى أنّها جماعة تطوعية تقوم على قوله تعالى "ما أسألكم عليه من أجر" ويتجمع الناس فيها من غير شبهة مكسب مادي أو منفعة، ولكن للدعوة والتدين الصحيح ومساندة مؤسسات الدولة والمجتمع في رسالتها بغض النظر عن الاختلاف أو الاتفاق معها سياسياً أو دينياً.

العمل السياسي للجماعات الإسلامية شوّه الدين وأضر بالسياسة، وعطّل قدرة الناس على التشكل حول مصالحهم وأولوياتهم

ولا بأس أن تجتهد الجماعات وقادتها ومفكروها في فهم الدين وتعليمه، دون أن يكون لذلك ضرر أو مصلحة في الشأن السياسي والفضاء العام، وبذلك نجعل الدين مورداً عاماً لجميع الناس، يرقى بحياتهم وفكرهم وسلوكهم، ولا يكون أساساً للخلاف والتنافس السياسي، ونؤنسن الشأن العام فنبعده عن الوصاية والاستغلال، ونحمي الدين من التحريف والتوظيف المضاد لفكرته الأساسية. وتكون الجماعات الإسلامية كما كان كثير منها على الدوام وفي التاريخ، صمام أمان للناس جميعاً ومرجعاً يرشدهم نحو الغايات العظيمة والمثل الجميلة التي تقوم عليها حياتهم وآخرتهم.
ويكون تطبيق الإسلام واستيعابه وفهم مقاصده وتحقيقها محصلة مشتركة للأمة بكل مكوناتها السلطة السياسية والتشريعية والقضائية والمجتمع والمؤسسات الإعلامية والمجتمعية والناس جميعاً، وليس حكراً على جماعة أو هيئة أو سلطة، دون أن يكون الخلاف أساساً للصراع والكراهية، ودون إخلال بالمواطنة والعقد الأساسي المنظم للعلاقة بين الدولة والمجتمع والمواطنين، أو إضرار بغير المسلمين أو غير الإسلاميين.
لم تعد مسألة علاقة الجماعات الإسلامية بالسلطة والسياسة مسألة فكرية نظرية نتجادل حولها، ولكنها تحولت إلى شأن يمسّ حياة الناس وحرياتهم ومعاشهم ومواردهم، وتحتاج الأمة والدول والمجتمعات إلى تنظيمها ووضعها في سياق فكري وقانوني يحمي الناس ويحمي الدين أيضاً.


وسم:

    اترك ردا