قطر والإخوان: كيف حلّ التنظيم نفسه في دولة تدعمه وترعاه؟

الاثنين 29 يناير 2018

"وأملي أنّ الشعوب ستعي قيمة هذا التيار "الإخوان المسلمين" وتتبنّاه حين تملك أمر نفسها حقيقة. أما الحكام فالغالب أنّه لا أمل فيهم، فهم لا يعملون من أجل أمتهم، وتحقيق مشروعها الحضاري؛ بل يعملون لصالح أنفسهم، أو لصالح من يدينون له بالولاء".

يوسف القرضاوي، "ابن القرية والكتاب"، الجزء الرابع ص 816.

بعد التأصيل التاريخي للعلاقة بين قطر والإخوان والتي انتهت، كما أشرنا إلى ذلك في مقال سابق، باختراق هيكلي هم بالأساس بنية النظام القطري، سنحاول البحث والتنقيب في الحيثيات التي دفعت بتنظيم "الإخوان المسلمين" في قطر إلى حل هياكله التنظيمية والتوجه للعمل كحركة دعوية وتربوية فقط، ونطرح الأسئلة الجوهرية:

كيف يعمد تيار ديني - سياسي بحجم جماعة الإخوان لحلّ نفسه في بلد عُرف لدى الجميع بدعم الجماعة؟ ولماذا يغيب الإخوان عن فضاء شعبي يدعمهم ويسندهم ويرعاهم؟

هل قرار حل التنظيم كان إفرازاً لقراءة ذاتية وموضوعية، كما يدعي إخوان قطر، انتهت بهم إلى اتخاذ قرار الحل، وهو تحليل لا نرتاح إليه نظراً لمعرفتنا العميقة بالبنية السلوكية والفكرية للتنظيم الإخواني، أم أنّ الأمر يتعلق "بصفقة" ما مع النظام القطري تقضي بحل التنظيم الإخواني في مقابل دعم التنظيمات الإخوانية في الدول العربية والإسلامية بالمال والغطاء الإعلامي والسياسي في مقابل ولاء تام لقطر والعمل على خلق كيانات سياسية تتحالف مع قطر؟

الخبث الإخواني لا ينتهي، والتقية السياسية والكذب هما من صميم المعتقد الإخواني، فإنّ زلات اللسان غالباً ما تفضح قيادات التنظيم

في هذا السياق، رأينا كيف نجح "الإخوان المسلمون" في قطر بالتأثير على مفاصل الدولة والمؤسسات الحكومية وكسب تأييد ودعم الأسرة الحاكمة في قطر. وهنا نشير إلى ما قاله عبد الله النفيسي في مقاله بعنوان "الحالة الإسلامية في قطر" حين صرّح بأنّ تنظيم الإخوان "ركّز على إنشاء وزارة التربية والتعليم والمعهد الديني ولعبت العلاقات الشخصية والمبادرات الفردية دوراً كبيراً في إنشاء التيار الإسلامي داخل قطر الذي تأثر في مرحلة مبكرة بكتابات سيد قطب وفتحي يكن وغيرهم من مفكري الإخوان". ويضيف في موقع آخر من المقال نفسه: "ومن نافل القول إنّ الإخوان يتبنّون النسق التربوي وكانت التربية عندهم تأخذ أشكالاً تناسب كثيراً الطبيعة البدوية في الجزيرة العربية (وفيها بالطبع قطر): شكل الرحلة والمخيّم والمعسكر أو غيرها من الأشكال المناسبة".

على مستوى الغطاء الإعلامي، اعتبرت مجلة "الأمة القطرية" بمثابة المنصة الإعلامية التي تنشر فكر الإخوان في قطر وكان يرأسها الإخواني عمر عبيد حسنة، وهو من مواليد سوريا العام 1935، رحل إلى قطر وعمل مديراً لتحرير المجلة منذ صدورها العام 1980.

بعد وفاة عبدالناصر قدم إلى مصر مجموعة من الطلبة القطريين وعلى رأسهم جاسم سلطان العام 1973. هذا الأخير، تأثر بمجموعة من الكتابات للقيادي الإخواني سعيد حوى والتي كانت موجهة للشباب الإخواني.

ركّز الإخوان كبدايات مرشدهم العام على الجانب الدعوي والتربوي والتعليمي، وأسسوا منتصف السبعينيات أول تنظيم للإخوان في قطر.

حاول الإخوان في قطر وضع مجموعة من الضوابط في علاقتهم مع الدولة انطلاقاً من كتابات حسن البنا ووصلوا إلى خلاصة مفادها أنّ المرشد لم يحدد بدقة الموقف من النظام القائم، وأنّ المعيار في التعامل مع الدولة الحاضنة يتحدد في مدى خدمة أي اتفاق أو صفقة للمشروع الإخواني العالمي الذي أصّل له المرشد العام للإخوان. وهنا نقول إنّ حسن البنا كان يحدد مواقفه من الأنظمة القائمة بناء على موازين القوى القائمة في كل مرحلة تاريخية، ابتداء من خطاب المهادنة والمبايعة إلى خطاب التهديد والمواجهة.

سيحاول عبد الله النفيسي، المتعاطف مع الإخوان وإيران على السواء، التقعيد للموقف الإخواني من النظام القطري عن طريق محاولة تكييف قرار الحل على أنّه قرار سيادي للجماعة لم يتدخل فيه النظام القطري بتوجيه أو بصفقة ما. يقول النفيسي في هذا الصدد: "ونظراً لتأثرهم (يقصد الإخوان) بكتابات سيد قطب  وفتحي يكن وغيرهم واحتكاكهم المباشر مع الفارين من الإخوان، بدؤوا يشعرون أنّهم أصبحوا إخواناً دون أن ينتبهوا أنّ الإخوان يعيشون مع الدولة في مصر وأن لا صراع لهم مع الدولة في قطر". ويضيف "لا أجد تفسيراً للحالة الإخوانية في قطر أكثر من الإشارة إلى أنّها حالة (تقمّص) أو (انبهار) بالإخوان الفاريّن من قمع عبد الناصر و(الجماعة) التي أنتجت هذه النوعية الصّلبة من الأفراد أمثال؛ القرضاوي والعسّال وصقر ناجي وعبد الستّار على سبيل المثال لا الحصر".

عمل الإخوان وبتشجيع من النظام القطري على تحويل "مركز ثقل" الجماعة أو قلب الجماعة وعاصمتها الروحية من القاهرة إلى الدوحة

الإخوان والدوحة: رحلة البحث عن "القلب المرجعي"

إنّ دراسة تاريخ جماعة الإخوان المسلمين منذ تأسيسها العام 1928 على يد مرشدها حسن البنا، وكذا عملية المسح الفكري والتنظيمي لفروع الإخوان في العالم يجعلنا نطمئن للخلاصة المنهجية الوحيدة المقبولة منطقياً ومعرفياً، والتي من خلالها تترسخ القناعة على وجود "صفقة" أو "ميثاق" بين النظام القطري والتنظيم الإخواني مبنية على المبدأ التفاوضي "رابح-رابح WIN-WIN".

لقد عمل الإخوان، وبتشجيع من النظام القطري، على تحويل "مركز ثقل" الجماعة أو قلب الجماعة وعاصمتها الروحية من القاهرة إلى الدوحة. وبالمقابل تعهدت قطر بتشجيع فروع الإخوان في العالم بالمال والدعم السياسي والتغطية الإعلامية عبر منصتها "الجزيرة"، وذلك من خلال مساعدة الإخوان على الوصول إلى السلطة عبر ركوب صهوة جواد الديمقراطية والنجاح في الانتشار الجماهيري والاختراق المؤسساتي من أجل الوصول بها إلى رأس هرم السلطة أو مرحلة التمكين كما تنص على ذلك أدبيات الإخوان.

قطر قدمت الدعم المادي والسياسي والتغطية الإعلامية للإخوان من أجل السيطرة على حركية الجماهير العربية

وفي هذا الصدد، يحيلنا عبد الله النفيسي إلى اعتراف أحد "الإخوة القطريين" (حسب تعبيره ودون أن يصرح باسمه) حين قال: "نحن نحتاج إلى قلب "مرجعية" ذات مصداقية وليس إلى تنظيم". ويستمر "هذا الأخ" بالقول: "لو توفّر هذا القلب المرجعي (قد يكون فرداً أو مجموعة من الأفراد) ولو توفرت له المراكز والمؤسسات، لاستطاع هذا القلب أن يشِعّ ما هو مطلوب من التوجيه المناسب لحركة المجتمع في الجزيرة العربية وفق ما تقتضيه الشريعة الإسلامية السمحاء دون ولوج تجربة (التنظيم) السياسية وتفريعاتها المؤلمة التي شهدها أكثر من قُطر عربي وإسلامي والتي تثير حساسية مُفرطة لدى دولنا ونُخبنا الحاكمة".

إنّ تبعات التنظيم "الحديدي"، حسب النفيسي، "خطيرة وثقيلة؛ لأن الأهداف العامة للتحرك قابلة وممكنة التحقيق دون الحاجة إلى تنظيم رسمي يُحرك حساسية الدولة وقد يدفعها إلى القمع المباشر كما حدث ويحدث في بعض الأقطار العربية ومنها الأقطار الخليجية".

لقد اعتبر الإخوان أنّ التأثير في بنية النظام القطري والنجاح في توجيهه لما يخدم طرح الجماعة هو شكل من أشكال التمكين السياسي للتنظيم. وهنا يصرح فتحي يكن في تعريفه للتمكين بالقول: "هو بلوغ حال من النصر، وامتلاك قدر من القوة، وحيازة شيء من السلطة والسلطان، وتأييد الجماهير والأنصار والأتباع، وهو لون من ألوان الترسيخ في الأرض، وعلو الشأن". (مجلة المجتمع العدد 1249، 15 مايو 1997).

وفي نفس سياقات التحليل يقول الإخواني، المسجل على قوائم الإرهاب، محمد علي الصلابي في كتابه "النصر والتمكين في القرآن الكريم": "من أنواع التمكين التي ذكرت في القرآن الكريم وصول أهل التوحيد والإيمان الصحيح إلى سدَّة الحكم وتوليهم لمقاليد الدولة".

صفقة الإخوان وقطر تنص على السماح بنشاط الإخوان المسلمين على شكل تيار ينصهر في الدولة

إنّ المبررات التي قدمها الإخوان لحل تنظيمهم في قطر تبدو أبعد ما تكون عن حقيقة البنية السلوكية والإيديولوجية للإخوان ولا يمكن قبولها عند من خبر فكر الجماعة وعقيدتها السياسية والتي لم تتزحزح رغم سنوات المحن الكبرى التي مر بها التنظيم.

ومن بين مبررات "الحل" التي طرحها التنظيم نجد:

أولاً: أنّ المجتمع القطري محافظ ومتديّن بطبعه وبالتالي لا مجال لميزة تنافسية للإخوان داخله، في إطار لعبة الصراع السياسي.

ثانياً: الوفرة المادية، أدّت إلى غياب السياسة بمعناها التنافسي والصراعي. وبالتالي يصبح وجود التنظيم تقمصاً لدور إخواني ليس له محل في مثل المجتمع القطري.

ثالثاً: استنساخ التجربة الإخوانية التنظيمية المصرية في مثل المجتمع القطري هي أمر غير ذي جدوى.

رابعاً: استغلال تنظيمات المجتمع المدني في إستراتيجية الاختراق والانتشار غير متوفرة نظراً لغياب مثل هذا النوع من التنظيمات المدنية في قطر.

خامساً: إنّ قضية التنظيم الإخواني دائماً ما تصطدم بالمجتمع قبل الأنظمة في الخليج، وذلك للطبيعة التقليدية لهذه المجتمعات وما تعانيه من محدودية دور السياسة فيها، لذا.. فأيّة صيغة تنظيمية لابد لها من مبررات وأدوار ووظائف تلعبها، وجدوى من وجودها، وهذا ما يجعل المجتمعات الخليجية تسأل دائماً: ما جدوى التنظيم؟ وبالتالي تصبح المؤسسة فاقدة الصلاحية في الحياة والاستمرار ولا بد من إعلان وفاتها.

سادساً: الرصيد الانتقامي التقليدي للقيادات الإخوانية القديمة في مصر من الاعتقال والسجون منذ بداية الجماعة لم يكن موجوداً في التنظيم القطري الحديث نسبياً، والذي لم يتصادم مع النظام، بل كان تحت مظلته.

سابعاً: الفارق المهم في حجم التنظيم ومساحة البلدين؛ حيث تتمكن أية قيادة إصلاحية في بلد مساحته محدودة كقطر من الوصول لجميع الكوادر بسهولة والتأثير فيها، وهذه أيضاً ميزة للتنظيم القطري على كثير من التنظيمات الإخوانية في المنطقة؛ إذ جعلت التواصل بين الكوادر أكثر مرونة وأقل بيروقراطية لصناعة القرار والتأثير فيه.

اعتبر الإخوان أنّ التأثير في بنية النظام القطري والنجاح في توجيهه لما يخدم طرح الجماعة هو شكل من أشكال التمكين السياسي للتنظيم

إنّ مبررات حل التنظيم العام 1999، والتحول إلى تيار ينشط داخل قطر تبدو، في نظر الكثير من العارفين بشؤون الجماعة، مجرد مناورة سياسية وتبريرات تنظيمية لا يمكن أن ترقى إلى مستوى القناعة الدينية والأيديولوجية لجماعة الإخوان، وإلا كيف نفسر الاستمرار التنظيمي للجماعة في معظم بلدان الخليج والتي تتميز ببيئة إستراتيجية ومجتمعية قريبة من تلك التي عاشها الإخوان في قطر.

تخبرنا الروايات الداخلية للجماعة أنّهم، وبعد جهد كبير أخذته منهم الدراسة، توصّلوا العام 1999 إلى قرار بحل التنظيم وتم تبليغ (التنظيم الدولي) بهذا القرار. هذا الطرح لا يمكن الركون إليه بكثير من الاطمئنان، خاصة وأنّ جميع المؤشرات تشير إلى أنّ حلّ التنظيم تمّ في إطار صفقة مع النظام القطري وليس نتيجة ضغوطات وتضييقات تعرضت لها الجماعة من طرف الإمارة. هذا المعطى يستشف من عدم رغبة قيادات إخوانية، وعلى رأسهم جاسم سلطان، الحديث عن حيثيات الحل وصرحوا بأنّ الوقت لم يحن بعد للحديث عن هذه النازلة، واعتبروا أنّ أي تنظيم لابد وأن يصطدم مع الدولة المركزية. وهنا يقول الدكتور جاسم سلطان -مؤسس التنظيم وعضو التنظيم الدولي للإخوان المسلمين- في معرض رده على أحد الصحفيين حين سأله عن آفاق الاندماج في الدولة وعدم تهديد كيانها السياسي في مقابل السماح للجماعة بالعمل الدعوي والتربوي المعترف به، يجيب نصاً فيقول: "أقول لك إنّ الحب لابد أن يكون من الطرفين، وهنا نقول بأنّ الدول الوطنية التي نشأت بأشكال مختلفة لو أنها أنشأت نظاماً عادلاً لما تركت مبرراً لحركات علمانية ولا حركات قومية ولا حركات إسلامية لإنشاء تجمعاتها الخاصة و"دُولها" الخاصة داخلياً". في ظلّ هذا المعطى وهذا "الميثاق"، اقترحت قطر على الإخوان الانصهار في الدولة و"الخضوع التام" لحكومة قطر، في مقابل دعم فروع التنظيم الدولي للإخوان من أجل الوصول إلى السلطة في البلدان العربية والإسلامية.

وحيث إنّ الخبث الإخواني لا ينتهي، والتقية السياسية والكذب هما من صميم المعتقد الإخواني، فإنّ زلات اللسان غالباً ما تفضح قيادات التنظيم. وهنا سيسقط جاسم سلطان في "فلتة لسان" ستفضح حقيقة المعتقد عند القوم، وطبيعة الصفقة التي أبرمت مع قطر. فبعد سؤال هذا الأخير من طرف الإعلامي عبد الله المديفر حول إمكانية توجيه الدعوة إلى تنظيمات الإخوان بالخليج من أجل تعميم النموذج القطري، كان جواب جاسم سلطان حاسماً: "لا أبداً كل الناس وكل واحد يعرف احتياجاته ويقدر أموره، نحن في الوضع اللي إحنا موجودين فيه في الدولة اللي إحنا موجودين فيها، كنا نرى أنّ هذا غير مناسب إذا في ناس مشابهين لنا ويرون أن هذا غير مناسب أهلاً وسهلاً".       

خلاصة القول، إنّ صفقة الإخوان وقطر تنص على السماح بنشاط الإخوان المسلمين على شكل تيار ينصهر في الدولة وتفادي البناء التنظيمي الصلب والذي غالباً ما ينتهي بالصدام خصوصاً في غياب آليات الممارسة الديمقراطية التي ستمكنهم، بناءً على العمل التنظيمي، من الوصول إلى السلطة.

وعلى شاكلة التنظيمات المتشددة، فإنّ قطر قدمت الدعم المادي والسياسي والمنبر الدعوي والتغطية الإعلامية للإخوان المسلمين من أجل التأثير والسيطرة على حركية الجماهير العربية بعد تهييجها وتوجيهها ضد ولاة أمورها، وبالتالي تهيئة الشروط الذاتية والموضوعية للانقلاب عليها، ثم خلق كيانات سياسية متحالفة مع قطر يرث مركزية الخلافة الإسلامية المتخيلة.


وسم:

    اترك ردا