عن سفينة تحمل 26 خروفاً و10 من الماعز!

الأحد 04 فبراير 2018

لم يكن السؤال، الذي وُجّه إلى طلبة إحدى المدارس الابتدائية الصينية، محضَ صدفة أو خطأً في التقدير، بل كان هاجسه تحفيز الطلبة على التفكير النقدي التحليلي الذي يُخرجهم من الصندوق، ويمكّنهم من التحليق خارج المعادلة التقليدية للتعليم.

السؤال نص على مايلي: سفينة تحمل 26 خروفاً و10 من الماعز، فكم يبلغ عُمر ربانها؟

للوهلة الأولى، قد يظن المرء أنّ السؤال يشتمل على تلغيز أو أحاجٍ ليس بمستطاع طلبة الصفوف الابتدائية الإحاطة بها. وثمة مَن قد ينبري للتأكيد أنّ السؤال لا إجابة له، وأنّه نوع من المتاهة التي يحاول الأساتذة وضع التلاميذ في أتونها. وقد يعترض كثيرون على أسلوب التدريس الذي يعزّز كما قال تربويون صينيون "الوعي النقدي"، في معرض تسويغهم لظروف وضع السؤال بصيغته السابقة.

التعليم التقليدي شجع الطلبة على الحفظ والبصم وعزّز استسهال الحصول على المعرفة والإجابات والمعلومات النمطية المعلّبة

للوهلة الأولى، قد ينظر العقل المحايد، أو لنقل العقل التقليدي، إلى السؤال على أنّه يفتقر للروابط العلائقية الواضحة، فما الصلة بين عدد الماعز وعمر ربّان السفينة. قد لا يبدو أنّ ثمة صلة مباشرة في السؤال، ولكنّ إعمال النظر فيه قد توجد صلة، بل صلة وثيقة تربط ما تنافر من أجزاء السؤال. ولكن كيف يكون ذلك؟ هذا هو السؤال الأهم في المعادلة.

التعليم التقليدي شجع الطلبة على الحفظ والبصم، مع أنّ الحفظ ليس سيئاً في مجمله. كما عزّز التعليم التقليدي استسهال الحصول على المعرفة والإجابات والمعلومات النمطية المعلّبة المكرّرة المعادة غير الخاضعة للتحديث. أضف إلى ذلك أنّ تأهيل المعلمين لا يخضع دائماً إلى الاستمرارية ومواكبة التحديث والتغيير، وملاحقة ما يستجد في عالم التربية والتعليم.

وإذا ما عطفنا على ذلك كله غياب أو خفوت صوت الفلسفة والمنطق والعلوم الرياضية في المناهج التدريسية، أمكننا أن نحيط بشيء من المشكلة التي جعلت بعض المعترضين على السؤال الصيني يعلقون على وسائل التواصل الاجتماعي الصينية، كما أورد موقع "بي بي سي" بأنّ "هذا السؤال لا يمت للواقع بصلة. هل يعرف المدرّس (الذي وضع السؤال) الجواب؟" وراح من يسأل: "إذا كان في مدرسة 26 مدرساً، وكان 10 منهم لا يفكرون، فكم يبلغ عمر مدير المدرسة؟".

هذا النمط من الأسئلة هو من النوع التحفيزي الذي يدفع الطلبة إلى تنشيط مهارات النقد والتحليل بل والتحليق

تلاميذ الصف الخامس الابتدائي، في إقليم شونتشينغ الصيني، الذين لاتتجاوز أعمارهم 11 سنة، قدّموا إجابات مختلفة لهذا السؤال، فمنهم من أجاب بأنّ "الربان لابد أن يبلغ من العمر 18 عاماً على الأقل، لأنه يتوجب أن يكون بالغاً من أجل قيادة السفينة".

وأجاب آخر، "عمر الربان 36 عاماً، والسبب أنّ 26 +10 يساوي 36، وكان الربان يريد أن يعادل عدد الحيوانات بعدد سني عمره".

ولكن أحد التلاميذ لم يتمكن من الاجابة عن السؤال بتاتاً؛ إذ قال "لا أعرف كم يبلغ عمر الربان. ليس بإمكاني حل هذا السؤال"، وهو ما أرادت، ربما أن تنبه إليه وتتفاداه إدارة التعليم في إقليم شونتشيتغ، التي قالت في بيان إنّ الغرض من الامتحان كان "استبيان الوعي النقدي وقدرة التلاميذ على التفكير بشكل مستقل"، لافتة إلى أنّ "بعض الاستطلاعات تشير إلى أنّ تلاميذ المدارس الابتدائية في بلادنا يفتقرون إلى حس الوعي النقدي، وخاصة فيما يتعلق بالرياضيات".

السؤال السابق يحرّض بلا ريب على إعمال التفكير التحليلي، ويدعو إلى الخروج من نمط التفكير المألوف، وربما نجح السؤال في إثارة تفكير الطلبة، جلّهم، على ذلك، كما أنه قدم ملمحاً إلى مستوى الطلبة في المراحل التأسيسية الأولى في الصين الذين يعانون من أساليب التعليم المتبعة تقليدياً، والتي تركّزبشكل كبير، كما أفاد التقرير، "على التكرار وتسجيل الملاحظات، وهو أسلوب يقول منتقدون إنه يقوّض الإبداع والتفكير النقدي".

قيل من زمان: اطلبوا العلم ولو في الصين والصين غير راضية الآن كثيراً عن مناهجها وتطالب بتغييرها وتثويرها

هذا النمط من الأسئلة هو من النوع التحفيزي المثير الذي يدفع الطلبة إلى تنشيط مهارات النقد والتحليل، بل والتحليق خارج المدار المعدّ مسبقاً، ويخرجهم من دائرة الاجترار إلى فضاء الإبداع، وهو الأمر الذي تنبّهت إليه دول عديدة استثمرت في التعليم، وأضحت بعد عقود قليلة بلاداً متفوقة على الصعد كافة.

السؤال السابق فجّر إجابات عديدة ملهمة، من بينها "إن الوزن الإجمالي لـ 26 رأساً من الغنم و10 من الماعز يبلغ 7700 كيلوغراماً في المتوسط. وفي الصين، يجب عليك أن تكون حاصلاً على إجازة لقيادة السفن لخمس سنوات على الأقل إذا كنت تريد أن تدير سفينة تبلغ حمولتها أكثر من 5000 كيلوغرام. وبما أنّ العمر الأدنى للحصول على إجازة قيادة هو 23 عاماً، فلابد أن يكون عمر الربان الأدنى 28 عاماً".

قيل من زمان: اطلبوا العلم ولو في الصين، والصين غير راضية الآن كثيراً عن مناهجها وتطالب بتغييرها وتثويرها، كي تحافظ على حضورها الممتد في المشهد الكوني. أما نحن، وأعوذ بالله من كلمة "نحن" فما نزال نسأل طلابنا في المراحل الأساسية: ماذا يفعل المسلم إذا أصابته مصيبة؟

أحد الطلبة أجاب: يبلغ الشرطة! فجاء رد المعلم بإشارة (X)!!

 


وسم: