عندما يتوقف الدين عن منح الرّجاء والأمل

د.اسماعيل مهنانة

باحث وأكاديمي جزائري 


الثلاثاء 31 أكتوبر 2017

لا تقاس الأيديولوجيا بمضمون مقولاتها ومدى عِلميتها أو حقيقتها العلمية وإنما بوظيفتها السياسية والاجتماعية داخل الجماعة التي تؤمن بها. فتاريخ الحضارات البشرية كلّه هو تاريخ الأنساق الأيديولوجية المُهيمنة في كلّ حضارة، ولا تخلو أيّة حضارة أو مجتمع أو إمبراطورية من أيديولوجيا مُهيمنة تقدّم التبرير الخطابي للطبقة المُهيمنة والتفسير الميتافيزيقي للطبقة المُهيمن عليها. والأيديولوجيا، رغم كونها خطاب هيمنة وحكم وسياسة، ليست مجرّد مؤامرة يحيكها الأقوياء للتحكم بالضعفاء كما تفهمها الخطابات الاختزالية الناتجة عن إسقاط علموي معاصر؛ بل هي رؤية للعالم ناتجة من رغبة معرفية متجذّرة في الوجود الإنساني، أي الرغبة العميقة للإنسان في إيجاد نسق من الأجوبة الحاسمة عن كل أسئلته الوجودية، حول الأصل والمصير والحياة والموت ومعنى وجوده فوق الأرض، ومن هنا نشأت كل الأديان والمذاهب الأخلاقية والفلسفات والأساطير وارتبطت عضوياً بالثقافة وتاريخ الحضارات.

طالما ثمّة سلطة ستبقى الأيديولوجيا هي السياط النّاعم الذي تتوسله في مراقبة الحشود وتوجيهها

الثقافة مثل الطبيعة ترفض الفراغ وتقاومه، لهذا ففي غياب أي تفسير عقلاني للوجود، تحلّ التفسيرات السحرية والأسطورية وهذا ما حدث عبر كل تاريخ البشرية قبل ظهور العلم الحديث، وحتى عصرنا لا يمكنه أن يخلو من هذه التفسيرات؛ لأنّ العلم لا يزال فتيّا، فأربعة قرون من العلم والعقلانية لا تمثّل شيئا تُجاه آلاف السنين تاريخ "الهوموسابيان"؛ أي ذلك النوع الإنساني الذي انبثق عن الأنواع الأخرى المنقرضة وحافظ على بقائه بسلاح المعرفة وحده.
من وجهة نظر أنثروبولوجية يبدو نسق العلم الحديث كاكتمال وذروة ومرحلة أخيرة لهذا التاريخ الطويل، وربّما النسق التفسيري الأعلى الذي أمكن للعقل البشري إيجاده وحلوله محل كل الأنساق القديمة. ومع ذلك لا تزال تلك الأنساق الأيديولوجية (السحرية والأسطورية والدينية) تحظى بالكثير من المشروعية؛ لأن العلم لم يجب عن كل أسئلة الإنسان، ولأنه أيضاً لم يصل بعد إلى مناطق الكرة الأرضية. إنّ الفلّاح الذي لم يوفّر له العلم والتقنية طرقاً في الرّي الحديث لم يبق له إلا الرجاء الإلهي في الغيث والمطر والصلاة من أجل ذلك، وانتظار المعجزة، وسكّان الجزر في المحيطات المعرّضون في كل لحظة للإعصار والدّمار لن يقتنعوا إلا برحمة سماوية تجنّبهم الكارثة، والمسلم المقهور تحت هيمنة إمبريالية تقنية لا يجد غير الاعتصام بحبل اللّـه ورجاء النصر والأمان منه... الخ.

الثقافة مثل الطبيعة ترفض الفراغ وتقاومه، لهذا ففي غياب أي تفسير عقلاني للوجود، تحلّ التفسيرات السحرية والأسطورية

إنّ وظيفة الدّين بوصفه أيديولوجيا هنا هو منح الرّجاء والأمل والشعور بالأمن تجاه قوى الطبيعة والهيمنة والاستعباد الحديث الذي منحته التقنية لدول دون أخرى، ولطبقات دون أخرى. هذا ربّما ما يفسّر صمود الرؤية الدينية للعالم في عصر التقنية، بل وتوظيف الأولى للثانية والاستفادة من وسائلها في الدعاية والانتشار.
لا يمكن لأية سلطة سياسية أن تقوم بدون أيديولوجية شعبوية تنمّط الأفراد داخل مِسطرة وقالب ذهني واحد، أي داخل الحشد، فالسلطة لا تستطيع أن تُخضِع وتراقب وتعاقب وتعزل كل فردِ على حِدة، بل أنّ مفهوم السلطة نفسه، كما بيّن ميشيل فوكو، هو هذه الآلية المُحايدة في التحشيد والتنميط وإشاعة الانضباط والتشابه بين أفراد مختلفين ومتنافرين ومتنازعين. ومنذ ظهور الإمبراطوريات الشرقية القديمة لم تجد السلطة أفضل من تأسيس المذاهب الدينية والأخلاقية لممارسة السلطة على أكمل وجه، وإلى غاية اليوم ظلّ تطوّر الأديان والمذاهب الأخلاقية خاضعاً لتطوّر السلطة داخل الدّول والممالك والإمبراطوريات، لهذا طالما ثمّة سلطة ستبقى الأيديولوجيا هي السياط النّاعم الذي تتوسله في مراقبة الحشود وتوجيهها. ورغم أنّ الدولة الحديثة قد طوّرت الأساليب كل الأساليب البوليسية والأمنية التي توفّرها التقنية المعاصرة إلاّ قيام الدولة الحديثة على فكرة السّوق يجعلها في حاجة دائمة إلى آليات توجيه الأفكار والأذواق والتوجّهات الاستهلاكية.

ظلّ تطوّر الأديان والمذاهب الأخلاقية خاضعاً لتطوّر السلطة داخل الدّول والممالك والإمبراطوريات

وهنا أيضاً تظهر لنا ضرورة التعاطي مع الظاهرة الدينية بفكر نقدي، بعيداً النزعة العلموية التي تختزل الدّين إلى اللا-حقائق العلمية التي يقوم عليه خطابه، وبعيداً أيضاً عن الدّجل الاسلاموي المعاصر الذي يحاول مصالحة الدّين بالعلم عن طريق اختزال العلم إلى "إعجاز علمي". تشترك هاتان النزعتان الاختزاليتان في قاعدة أيديولوجية واحدة وهي النظر إلى العلم بوصفه معياراً للحقيقة، دون اعتبار لتاريخية العلم نفسه، فكلاهما عاجز عن إدراك العلم الحديث بوصفه نسقاً فريداً، وخلاصة تاريخية استقر عندها العقل الإنساني فقط في أوروبا الغربية الحديثة قبل أن يصبح ظاهرة كوكبية، وهو شكل من الخطاب التفسيري الكوني يختلف ويتجاوز أشكال الخطاب التي عرفتها البشرية قبله؛ أي الأسطورة والدين. كما تشتركان في اختزال التجربة الإنسانية اللاعقلانية في محك الواقعي، وبلغة التحليل النفسي، اختزال الخيالي والرمزي في الواقعي، وهو اختزال يؤدي إلى العنف والصدام بين النسقين في كل اتجاه، أو كما يقول فتحي بن سلامة: "إنّ الوهم الذي مفاده أنّ العلم يهدف إلى الغايات نفسها التي يهدف إليها الدّين هو بمثابة التوقيع بمرح وحبور على بروتوكول التنازل عن الأسماء لفائدة حقيقة الواقعيّ. حقيقة الواقعي التي لا يمكن أن تؤدي إلا إلى العنف المسموح به."فالوهم الديني يتشكّل دوماً حول واقع إنساني انسحب منه "الشّيء" (الملكية، المتعة، إثبات الذات. الخ)" كما يقول فرويد، ولهذا تعود التكوينات الدينية دائماً إلى المناطق التي تعتقد الفعالية العقلانية أنّها نجحت في الاستيلاء عليها، ونجاعة التكوينات الدينية تعود إلى تنظيم للخيالي يتم إنتاجه حول بؤرة المستحيل، وهذا التنظيم يمكّنها من أن تكون محلّ اعتقاد وإيمان.

 


وسم: