رعب الإسلاموية من مراجعة مناهج التربية والتعليم

الخميس 23 نوفمبر 2017

تعتبر قضية إعادة النظر في برامج ومناهج التربية والتعليم، وتحديداً التربية الدينية، من القضايا التي استأثرت باهتمام الجميع، ودار حولها نقاش واسع وعريض شاركت فيه كل الجهات المعنية محلياً وإقليمياً ودولياً.

وقد اتخذت هذه القضية بعداً أكثر إلحاحاً خاصة بعد تنامي وتصاعد ظاهرة الإسلام السياسي وتصاعد بالتالي الهجمات والتفجيرات الإرهابية، التي غالباً ما يتورط فيها انتحاريون تتراوح أعمارهم ما بين 20 و30 سنة، وأحياناً أقل من ذلك، ما يدل على أنّ الأفكار النابعة من المناهج التعليمية والتربوية في مؤسساتنا خاصة منها الدينية هي المتهمة الأولى في إثارة التشدد والتعصب وتبني الأفكار المتطرفة، وهي التي أدخلت المغرب في قلب موجة تشدد طالت الداخل وتمثلت في تفجيرات انتحارية ذهب ضحيتها العشرات من المواطنين كان آخرها تلك التي وقعت في مقهى أركانة بساحة جامع الفنا بمدينة مراكش.

منعطف اعتداءات نيويورك
مباشرة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 التي عرفت تورط تنظيم "القاعدة"، كثفت الولايات المتحدة الأمريكية من دعواتها لإجراء إصلاحات في الحقل الديني في مجموع الدول العربية والإسلامية، من أجل التخلص من كل مظاهر التعصب الديني والأفكار التي تدعو إلى التطرف، وأخرى في المناهج الدراسية في المؤسسات التعليمية على نحو يجعلها تبتعد عن مهاجمة العقائد الأخرى مثل؛ المسيحية واليهودية وعدم اتباع أساليب التكفير للمخالفين من المسلمين في الرأي والتوجه. 
وفي هذا الصدد أوضح تقرير خاص كان قد صدر عن مركز الحريات الدينية التابع لمؤسسة "فريدوم هاوس" أنّ تفاصيل واقتباسات كثيرة من مناهج وكتب الدراسات الإسلامية منذ المرحلة الأولى الابتدائية، حيث "تعلم الكتب الطلاب إن العالم ينقسم إلى مؤمنين وكفار وحتى المرحلة الثانوية التي تحتوي أحد نصوص كتبها على أنّ المسلم مكلف بنشر الإيمان بين الناس بكافة الوسائل بما فيها القتال والجهاد".

تنظيمات الإسلام السياسي في المغرب تغرد خارج السرب وتنصّب نفسها مدافعة عن الدين وعن التربية الدينية

ويشير التقرير إلى النتائج والتداعيات السلبية لهذه الكتب والمناهج من خلال الإشارة إلى أنّ الدراسات الإسلامية تشغل من ربع إلى ثلث الساعات الدراسية في المرحلة الابتدائية والإعدادية، فضلاً عن ساعات أخرى كل أسبوع في الثانوية.
ويخلص التقرير إلى القول "إنّ التعليم هو صلب معركة الحرية في العالم الإسلامي، وإنّ فشل هذه الدول في إصلاح المناهج الدينية سيقوض فرص نجاح السياسة الخارجية الأمريكية الهادفة إلى تشجيع الوسطية والاعتدال وتعزيز الديموقراطية داخل العالمين العربي والإسلامي".

منعطف "مؤتمر مراكش" حول حقوق الأقليات الدينية
إصلاح المناهج الدراسية تحدث عنه كذلك إعلان "مؤتمر مراكش" حول حقوق الأقليات الدينية في الديار الإسلامية، الذي نظمت فعالياته في كانون الثاني (يناير) 2016 بمدينة مراكش، حيث دعا المؤسسات العلمية والمرجعيات الدينية إلى القيام بمراجعات شجاعة ومسؤولة للمناهج الدراسية للتصدي للثقافة المأزومة التي تولد التطرف وتغذي الحروب والفتن وتمزق وحدة المجتمع، كما دعا الساسة وصناع القرار إلى اتخاذ التدابير اللازمة لتحقيق المواطنة التعاقدية ودعم الصيغ والمبادرات الهادفة إلى توطيد أواصر التفاهم والتعايش بين الطوائف الدينية في الدول الإسلامية.
وتضمن إعلان مراكش 19 بنداً لاقى استحسان 49 شخصية رسمية ضمنهم 15 شخصية غير مسلمة، و17 ممثلاً لمنظمات دولية، وممثلين لأقليات، وما يقارب 37 مفكراً، و19 إعلامياً، كان أبرزها، وفق ما تلاه وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، "تكريم الإنسان بالدرجة الأولى بغض النظر عن جنسه ولونه ولغته، منح الإنسان حرية الاختيار باعتبارها من مقتضيات تكريم الإنسان، جعل العدل معياراً للتعامل، والتذكير بصفة الرحمة النبوية للتعامل مع الآخر، حرص الشريعة الإسلامية على الوفاء بالعهود والمواثيق التي تضمن السلم والتعايش".
أكد الحاضرون أيضاً أنّ إعلان مراكش كان بمثابة نقطة الانطلاق التي تحمل كل من شارك في المؤتمر مسؤولية تاريخية لتعريف العالم بهذا الإعلان الذي يعد إحياء للوثيقة النبوية التي كانت سباقة في وضع أسس التعايش بمجتمع المدينة، كما حرص المتدخلون على ضرورة ترجمة بنود إعلان مراكش إلى تشريع حقيقي وتضمينها في قوانين مختلف الدول المشاركة، مع الدعوة إلى إنشاء لجان لدمج البنود داخل المناهج التربوية باعتبارها أحد المداخل للفكر المتطرف المناقض لما جاءت به روح الشريعة الإسلامية.

تحذيرات من أنّ طريقة تدريس مواد التربية الدينية في المدارس المغربية قد تؤدي إلى نزوعات متطرفة تكفيرية 

هذه الدعوة ستجد صداها بعد أسابيع قليلة من ذلك، من قبل العاهل المغربي، حيث أصدر تعليمات للحكومة تنص على "ضرورة مراجعة مناهج وبرامج ومقررات تدريس التربية الدينية، سواء في المدرسة العمومية أو التعليم الخصوصي، أو في مؤسسات التعليم العتيق".
وجاءت التعليمات، وفقا لبيان صادر عن القصر الملكي، عقب اجتماع وزاري ترأسه الملك يوم 6 شباط (فبراير) 2016، حيث قدمت أمامه "الرؤية الاستراتيجية لإصلاح منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي 2015-2030"، موضحاً أنّ المراجعة ستتم "باتجاه إعطاء أهمية أكبر للتربية على القيم الإسلامية السمحة، وفي صلبها المذهب السني المالكي الداعي إلى الوسطية والاعتدال، وإلى التسامح والتعايش مع مختلف الثقافات والحضارات الإنسانية".

مطالبات بإعادة الاعتبار لتدريس الفلسفة والعلوم الإنسانية في المدارس والانتصار لقيم التنوير والعقلانية

وشدد الملك على أن ترتكز "هذه البرامج والمناهج التعليمية على القيم الأصيلة للشعب المغربي، وعلى عاداته وتقاليده العريقة، القائمة على التشبث بمقومات الهوية الوطنية الموحدة، الغنية بتعدد مكوناتها، وعلى التفاعل الإيجابي والانفتاح على مجتمع المعرفة وعلى مستجدات العصر".
التعليمات جاءت كذلك انسجاماً مع دعوات أخرى أطلقتها مجموعة من المنظمات والجمعيات المغربية التي حذرت من أن طريقة تدريس مواد التربية الدينية في المدارس المغربية قد تؤدي إلى نزوعات متطرفة تكفيرية وتوسع من دائرة الفكر الإرهابي، ودعت بالمقابل إلى "إعادة الاعتبار لدرس الفلسفة والعلوم الإنسانية وإيلائه العناية اللازمة بالانتصار لقيم التنوير والعقلانية، وتنقيح المقررات الدراسية، ومن ضمنها مقررات التربية الإسلامية من كل المواد والمضامين التي من شأنها تغذية التأويلات والقراءات الخاطئة للدين الإسلامي أو للديانات الأخرى".
وكما في كل مرة وحدها تنظيمات الإسلام السياسي تشذ عن القاعدة وتغرد خارج السرب وتنصب نفسها مدافعة عن الدين وعن التربية الدينية، وتطلق آراء وأقوالاً هي أقرب إلى "الفتوى" الإسلاموية المصدر والوجهة، معتبرة أنّ الإصلاحات التي يباشرها المغرب على هذا المستوى إصلاحات تحوم حولها مجموعة من الشبهات وأنها إصلاحات دخيلة تحيل على المرجعية العلمانية التي تمتح من المعنى الكنسي للدين في نشأته التاريخية وامتداداته الفكرية وفصله بين الذي لله والذي لقيصر، وهذه ردود متوقعة من عقل إسلاموي لا زال يشتغل في الداخل والخارج على اختراق مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني، وبالتالي، من الطبيعي أن يتصدى الإسلاميون، "المعتدلون" والمتشددون، لكل الدعاوى التي تروم إعادة النظر في المناهج التعليمية والمقررات الدينية.

 


وسم:

    اترك ردا