جماعات الإسلام السياسي حاضنة للإرهاب

السبت 04 نوفمبر 2017

هل يعتبر الإسلام السياسي إرهاباً؟ ربما لا يمكن قانونياً تصنيف بعض جماعات الإسلام السياسي بأنّها إرهابية (بعض الدول صنفتها باعتبارها إرهابية قانونياً)، لكن بالنظر إلى أنّ الإسلام السياسي يمهد للعنف والكراهية وينشئ بيئة تشجع على الإرهاب والتكفير والخروج المسلح على القانون والسلم الاجتماعي، أو ينشئ حالة اجتماعية ثقافية تلحق خللاً وضرراً جوهرياً بالعقد الاجتماعي للدول والمجتمعات، فإنّ جماعات الإسلام السياسي بمختلف أطيافها ابتداء بالملتزمة بالسلم والرافضة قانونياً أو مباشرة للعنف، ومروراً بالمتطرفة صراحة دون عنف عملي، ووصولاً بالجماعات المتورطة فعلاً وقانونياً بدماء بريئة أو تلحق الرعب والأذى بالمجتمعات؛ يمكن اعتبارها مشجعة على الإرهاب والكراهية، وبالطبع فإنّ هذه المقاربة ليست قانونية ولا دفاعاً قانونياً أو تبريرياً لاعتبار جماعات الإسلام السياسي إرهابية لكنها محاولة فكرية وثقافية لملاحظة العلاقة الارتباطية والمنطقية أو شبه الحتمية بين الإسلام السياسي بمختلف أطيافه واتجاهاته وحالاته وبين العنف والكراهية والتطرف والإرهاب.

ما زالت كتب وأفكار سيد قطب سائدة وملهمة للجماعة، وهي الأفكار والمبادئ نفسها الملهمة للجماعات المتطرفة والمسلحة

شاع استخدام مصطلح الإسلام السياسي باعتباره يعني الجماعات الإسلامية السياسية التي تعمل لأجل تطبيق الشريعة الإسلامية والمفاهيم والأحكام الإسلامية من خلال المشاركة السياسية السلمية و/أو الديمقراطية، أو بالقوة والإكراه والعنف، وبالطبع فإنّه مفهوم يتضمن طيفاً واسعاً ممتداً من الجماعات والأفكار السياسية الإسلامية، تبدو مختلفة فيما بينها، وينشئ أيضاً حالة من اللبس والغموض والحيرة في تقييم الجماعات، ويضعها (ربما) جميعاً في سلة واحدة، ما يجعل المقاربة والتعريف غير عادل أو غير دقيق، لكن وبما أنّ هذه المقاربة ليست سجالاً قانونياً أو سياسياً، ولا تدافع عن قرارات وسياسات حكومية كما لا تنتقدها وإن كان لا مفر من وضعها في خدمة سياق سياسي عام يتخذ موقفاً مناهضاً للإسلام السياسي؛ فإنها ستضع الجماعات السياسية الإسلامية في سلة واحدة، بالنظر إليها ذات مرجعية فكرية وأيديولوجية واحدة، لكنها في الوقت نفسه تركز على جماعة الإخوان المسلمين في نسختها المصرية وما يدور في فلكها ويقترب منها في أقطار أخرى مثل الأردن، وتلاحظ العلاقة بين أفكارها وسياساتها وتجاربها ومواقفها وبين التطرف والكراهية والعنف والإرهاب، مع التأكيد مرة أخرى على أنّها علاقة فكرية وبيئية وليست قانونية.

جماعة الإخوان المسلمين تعتبر فكرياً وثقافياً مناقضة للسلم الاجتماعي كما أنها تهيئ للكراهية والعنف

تميل المؤسسات الغربية إلى تقييم الجماعات السياسية، ومنها الإسلامية، بمعيار التزامها بقيم الديمقراطية الليبرالية وحقوق الإنسان كما تؤمن بها المجتمعات الغربية، بغض النظر عن أفكارها الدينية والأيديولوجية، وبالطبع فإن جماعة الإخوان المسلمين تشكل المساحة الكبرى في ظاهرة الإسلام السياسي كما تشكل لغزاً مربكاً للباحثين والمتابعين، كما الأنظمة السياسية العربية والعالمية، فالجماعة تبدي طيفاً واسعاً من الأفكار والمبادئ في داخل القُطر الواحد ومن قُطر إلى آخر، وإن كانت تجمعها أيديولوجية واحدة هي التطبيق السياسي المتطرف للإسلام، لكن يبدو ثمة اختلاف واسع في مستوى وطبيعة هذا الفهم والتطبيق، ففي حين يبدي حزب النهضة التونسي (الإخوان المسلمون التونسيون) قبولاً بالديمقراطية والتداول السلمي للسلطة ويلتزم بفصل الدعوي عن السياسي كما يدعون، وبمبادئ وقيم ليبرالية وديمقراطية لا تختلف عن القيم الديمقراطية الغربية فإن الجماعة في مصر والأردن تبدو أكثر تحفظاً وتعصباً، ويشكل حزب العدالة المغربي (الإخوان المسلمون المغربيون) نموذجاً آخر للمتدينين الديمقراطيين المحافظين ضمن المنظومة السياسية والثقافية والدينية المتبعة في النظام السياسي المغربي، وأما حزب العدالة والتنمية في تركيا فيمكن اعتباره حزباً علمانياً محافظا متأثرا بتراث الإخوان الفكريً. لكن وبرغم التزام جماعة الإخوان المسلمين الظاهري في بعض دول الشرق العربي بالعمل القانوني فما زالت كتب وأفكار سيد قطب سائدة وملهمة للجماعة، وهي أفكار مناقضة للديمقراطية، كما أنّها الأفكار والمبادئ نفسها الملهمة للجماعات المتطرفة والمسلحة.

إن الجماعات الإسلامية جميعها لا تسمي نفسها "الإسلام السياسي" ولا تفضل هذه التسمية، وتفضل كل جماعة اسمها الخاص بها، وهي تسميات وإن كان يجمع بينها "الإسلامية" فإنّها تعكس مفاهيم متعددة وغامضة لتعريف ووعي الذات، فإنّه أيضاً وعي غامض ومتناقض، ويعكس عجز الجماعات عن تقديم رؤية واضحة متفق عليها، كما يعكس أيضاً صعوبة إن لم يكن استحالة تقديم تسمية واضحة ومتفق عليها تعكس ما تسميه بوضوح ودقة، ذلك أنّه وببساطة تتعدد قراءات وفهم النصوص الدينية في خريطة لا نهائية حسب الحالة الحضارية والاجتماعية والثقافية السائدة على المستوى الجمعي والفردي أيضاً.
لكن وبرغم هذا الغموض في الأفكار الإسلامية فقد أظهرت الأحداث الأخيرة في الشرق الأوسط (الربيع العربي) قوة الأفكار وقدرتها على عبور الحدود الوطنية والتأثير على الأفراد والدول والمجتمعات، وإن كان من عقد اجتماعي يصلح مخرجاً للأزمات والصراعات القائمة فهو "التدين بدلاً من الأسلمة" بمعنى أن يكون الدين ملهماً للقيم والمبادئ والسياسات على نحو فردي و/أو اجتماعي في حين تخضع السياسة والتشريعات للعقلانية الاجتماعية والأخلاقية معبراً عنها باجتهاد الناس حسب الانتخابات التشريعية والعامة دون ادعاء بالصواب الديني أو السياسي بل وفي التزام سياسي وثقافي باحتمالية الخطأ، ما يعني بالضرورة أنّه ليس ممكناً في الديمقراطية والحكم والسياسة اجتراح حلول ومبادئ وقرارات تمثل الحق الذي لا يأتيه الباطل!  وفي ذلك فإنّ جماعة الإخوان المسلمين تعتبر فكرياً وثقافياً مناقضة للسلم الاجتماعي كما أنها تهيئ للكراهية والعنف.

ألحق الإخوان المسلمون كما كل الجماعات السياسية الإسلامية الشبيهة بها ضرراً كبيراً بالمنظومة السياسية والاجتماعية والثقافية المحركة للدول والمجتمعات العربية والإسلامية

يؤكد كثير من الإسلاميين السياسيين تمسكهم بالديمقراطية كما يدعون، لكنها مشاركة خطيرة وغير ديمقراطية. وشهدت دول الشرق الأوسط نماذج كثيرة من مشاركة الإسلاميين في الحياة السياسية كما في تركيا والجزائر وفلسطين وتونس ومصر والمغرب والعراق والأردن وليبيا، وقد انتقدت جماعات إسلامية متطرفة مشاركة الإخوان المسلمين في الانتخابات باعتبارها مشاركة في ظل راية علمانية! وتؤكد أحزاب إسلامية على التزامها بالانتخاب والتصويت في قراراتها واختياراتها الداخلية، لكنها مشاركات والتزامات لم تعالج الغموض والخوف من الاستبداد والصراع أو الاعتداء على الحريات الشخصية والاجتماعية كما الحريات السياسية والديمقراطية.

لقد ألحق الإخوان المسلمون كما كل الجماعات السياسية الإسلامية الشبيهة بها ضرراً كبيراً بالمنظومة السياسية والاجتماعية والثقافية المحركة للدول والمجتمعات العربية والإسلامية، ويمكن أن يدمروا القواعد والمبادئ المنظمة لعلاقة الدولة والمجتمع، ودور الدين في الدولة، والعلاقة والتوازن بين مكونات المجتمع المتعددة، والدور المفترض للجماعات والحركات الاجتماعية والأحزاب السياسية، والأفكار والفلسفات المنظمة والمنشئة لعمل وغايات الأحزاب السياسية والجماعات التأثيرية والاجتماعية، كما أنهم أنشأوا وكرسوا فكراً انفصالياً عن الدولة والمجتمعات، وفهماً للدين يرفض القيم السياسية التعددية والتسامح، ويعادي الآخر الذي هو كل من ليس من الجماعة أو ليس مؤيداً لها أو ليس مسلماً أو ليس متديناً، ويضر بالحياد المفترض للدولة تجاه الدين،  ويتناقض جوهرياً مع فلسفة الديمقراطية وفكرتها المنشئة والقائمة على النسبية وعدم اليقين المفسران للانتخاب وإعادة الانتخاب والمراجعة الدائمة للسياسات والأفكار والتشريعات ليستبدل بهما يقين يعتقد أصحابه أنه نزل من السماء ثم يتقدمون بهذا اليقين إلى صناديق الاقتراع! ويلحق الإخوان أيضاً بفهمهم للدين ضرراً كبيراً بالثقافة والفنون ويعطلون دورهما في الارتقاء بالحياة والموارد، ولم يكن الإخوان المسلمون في سلوكهم التنظيمي الداخلي وأفكارهم التي يتجمعون حولها يؤمنون عملياً بالديمقراطية والمساواة بين الرجال والنساء، ولا متسامحين مع غير المسلمين أو غيرهم من المسلمين.
وبالطبع فإنه يمكن الرد على هذه المقاربة ومجادلتها بمقولات تنفي عن الإخوان المسلمين العنف أو معاداة الديمقراطية أو معاداة ورفض من ليس معهم أو منهم، وأن الإخوان لم يلجأوا إلى العنف بشكل منهجي منظم إلا في مرحلة تاريخية بعيدة، وشاركوا في الانتخابات والحياة السياسية والعامة في بعض الدول العربية والإسلامية.
لكن وبالرغم من ذلك، فإن مشاركة الإخوان السياسية والعامة جاءت في سياق مشاركة غير رئيسية في المشهد السياسي والعام، ولم تكن مستمدة من تجربة في الحكم والقيادة، وتدحضها وقائع عملية وأدلة نظرية تجعل مرجحاً القول إنها  لا تعني التزام الجماعة بتطبيقها والاستمرار فيها في حالة "الغلبة" السياسية، فقد كانت أفكار ومشاركات مدينة للحالة العلمانية والاجتماعية والسياسية الرسمية السائدة والمتغلبة، ويرجح أن الجماعة إذا تحررت من هذه الضغوط فإنها ستقدم تطبيقاً استبدادياً ومتطرفاً للدين، كما تناقضها أفكار وتطبيقات أخرى تجعل الثقة بمقولة سلمية الجماعة وديمقراطيتها ليست صحيحة! أو على الأقل هي مقولات تيار في الجماعة لا يعكس الفكر السائد والحالة الغالبة فيها، وبالطبع فإن الجدل حول الإخوان معقد وملتبس ولا يمكن حسمه بوضوح وبساطة في مسائل الحريات والحقوق والاندماج الصحيح والملائم في السياسة والادارة العامة والحياة الاجتماعية والثقافية، كالجدل حول الجماعات الإسلامية الأخرى المتشددة والتي تعبر بوضوح عن عدم إيمانها بالمبادئ والقواعد المنظمة للدول والمجتمعات.
يبدو واضحاً أن الإخوان مختلفون عن الجماعات المتطرفة والقتالية وإن نشأت هذه الجماعات في بيئة إخوانية أو خرجت من تحت عباءتها، لكن الإخوان لا يختلفون عنها كثيراً في المحصلة، وهذا الاختلاف لا يجعلهم مؤهلين للمشاركة الصحيحة في الحياة السياسية والعامة.
يروج الإخوان كثيرا أنهم تعرضوا لقدر من الإقصاء والملاحقة في أقطار عربية وإسلامية، لكن ذلك لا يعني صحة أفكارهم أو أنها مظلومية تؤهلهم ليقودوا الحياة السياسية والعامة أو يشاركوا فيها، وربما تكون "الجماعة" تحظى ببعض المؤيدين بسبب توظيفها للدبن ... ولكن ذلك كله لا يؤثر على مقولة  إنّ "الجماعة" بفكرها وطبيعتها تشكل تهديداً خطيراً للدول والمجتمعات!


وسم:

    اترك ردا