"تمبكتو" مدينة الأولياء وإرهاب القاعدة

الأحد 14 يناير 2018

مدينة تمبكتو، الواقعة شمال مالي، أو "جوهرة الصحراء"، كما يطلق عليها، هي مسرح للعمليات الإرهابية في إفريقيا، منذ أن وطأت فيها أقدام تنظيم القاعدة واحتلها في نيسان (أبريل) 2012 قبل أن يخرج منها في كانون الثاني (يناير) 2013.

لقد فقدت تمبكتو ملامحها القديمة، بعد أن دمرت القاعدة تراثها القديم، المدرج ضمن لائحة التراث العالمي للإنسانية، خاصّة أضرحتها الشهيرة التي هدّمت تماماً، وفق لازار ألودو أسومو، ممثل اليونسكو في مالي والخبير الدولي في أشهر مواقع التراث العالمي، في تصريح نقلته صحيفة "العرب" اللندنية العام 2014، أنّ التنظيم دمّر 14 من بين 16 ضريحاً بالمدينة المعروفة بكونها مدينة الـ333 ولياً.

تمبكتو واحدة من الأماكن التي اعتبرها تنظيم القاعدة من أماكن نفوذه رغم خروجه منها، وكانت آخر عملية قامت بها جماعة أنصار الدين هي هجومها على مركز للشرطة المالية، وقتلها 4 أشخاص، يوم 14‏ نيسان (أبريل) 2016.

قصة نفوذ القاعدة بتمبكتو، تعود لزمن القذافي؛ حيث كان يستخدم بعض شباب المدينة كمقاتلين بالأجر، أثناء الثورة عليه، وعقب سقوط نظامه، فرّوا إلى إقليم الأزواد بشمال مالي، محملين بترسانة من الأسلحة، والزعيم التاريخي إياد آغ غالي ابن قبيلة "الإيفوغاس"، الذي كان يسارياً من قبل، استقبلهم حين عادوا من ليبيا، وقادهم نحو الانضمام لتنظيم "القاعدة".

وبرز غالي كقائد يساري لحركة تحرير أزواد بداية التسعينيات، حين قاد حركة الطوارق في حرب مع مالي انتهت بتوقيع اتفاقية سلام لم تنفذ، وبقي هو متنقلاً بين العاصمة المالية باماكو، التي تقلد فيها عدة مناصب ودول الجوار لا سيما ليبيا؛ حيث عقد صداقة وثيقة مع العقيد معمر القذافي استمرت حتى مقتل الأخير خلال الثورة الليبية.

وأثناء عقد من الزمن سافر غالي إلى باكستان عدة مرات؛ حيث تأثر بجماعات التبليغ في باكستان التي عقد معها صلات واسعة فأطلق لحيته وانعزل عن الناس ملازماً منزله في معقله كيدال، لينهي حقبته اليسارية.

فقدت تمبكتو ملامحها القديمة بعد أن دمرت القاعدة تراثها القديم المدرج ضمن لائحة التراث العالمي خاصّة أضرحتها الشهيرة

وبعد انهيار اتفاقية السلام الهشة التي توسط فيها بين السلطات المالية وحركة الطوارق التي عادت وحملت السلاح العام 2005، تم تعيينه من الحكومة المالية قنصلاً في مدينة جدة، وما لبث أن طردته السلطات السعودية بعد فترة وجيزة من عمله بعد الاشتباه في دوره وصلاته بعناصر دينية متشددة.

تحالف غالي مع أخطر تنظيمات القاعدة في الصحراء الكبرى وهي جماعة "التوحيد والجهاد"، وقاما معاً بطرد حركة "تحرير أزواد" التي يقودها الطوارق من المدن الشمالية الثلاث "تينبكتوا وجاوا وكيدال"، وأعلنوا تطبيق الشريعة الإسلامية، على منهاج "القاعدة".

اقتحمت الحركة مدن دوانزا وكونا وهمبري التي لم تكن تحظى بحماية من الجيش المالي، وأغرت القوة غالي لإعلان التمرد على الحكومة المركزية في باماكو، للاستيلاء على كامل أراضي البلاد.

أطلق غالي على جماعته "أنصار الدين" ورفع راية القاعدة السوداء، مطالباً بتطبيق الشريعة الاسلامية، وباتت جماعته من أكبر الجماعات المتشددة والمسلحة في الصحراء الكبرى، بعد أن أمدته "القاعدة" الأم بالمال والرجال.

يعود نفوذ القاعدة بتمبكتو لزمن القذافي الذي استخدم بعض شباب المدينة كمقاتلين بالأجر أثناء الثورة عليه

استطاع غالي السيطرة على مدينة "تمبكتو"، وشرعت القاعدة في القصاص من أعدائها، وهدم الأضرحة والعتبات الدينية، التي أدرجتها اليونيسكو على لائحة التراث العالمي العام 1988، وهو ما لاقى ردود فعل دولية غاضبة.

غالي لم يكتف بالسيطرة على شمال مالي، لكنه خاض بمليشيا "أنصار الدين" معارك ضارية في "كونا"، وختمها بهجوم شرس على معسكر أعد لتدريب الجنود الماليين على أيدي عسكريين فرنسيين وأوروبيين مخلفاً في صفوفهم عدداً كبيراً من القتلى والجرحى.

عندما دارت رحى المعارك بين "أنصار الدين" والقوات الفرنسية المالية، بدأت أفواج أتباع القاعدة تترى على "أزواد" قادمة من الجزائر والمغرب وتونس وليبيا ومصر ومن تخوم الصحراء الكبرى، لنصرة إخوانهم الذين حملوا لواء التنظيم.

أصبح للجماعة فيما بعد مركزاً للتدريب، وثبت تورطها في أحداث باريس، وفي أحداث العنف بمصر، وقد اعترف محمد جمال "أبو أحمد" أحد المتهمين في قضية خلية مدينة نصر، أنهم استجلبوا أسلحة وصواريخ وأموالاً من المليشيات في شمال مالي.

أدرجت الولايات المتحدة الأمريكية غالي وجماعته في شباط (فبراير) 2013 على قوائم الإرهابيين المطلوبين لديها باعتباره يشكل خطراً على أمنها القومي.

وما تزال تمبكتو تشهد العشرات من العمليات الإرهابية أسبوعياً في غفلة كبيرة إعلامياً عن جرائم "القاعدة"، والتنظيمات الحليفة له مثل جماعة (أنصار الدين) وما صاحبها من أفكار متطرفة.


وسم: