المقريزي يحلل أسباب الفساد والغلاء

الخميس 23 نوفمبر 2017

يتناول المؤرخ المصري تقي الدين أحمد بن علي المقريزي (1364-1442م) في كتابه "إغاثة الأمة بكشف الغمة" تاريخ المجاعات التي نزلت بمصر منذ أقدم العصور إلى سنة 808 هـ، محاولاً التصدي لأسبابها، واقتراح العلاج الاقتصادي الصحيح لدرئها.
وفي فصل "في بيان الأسباب التي نشأت عنها هذه المحن"، يبحث المقريزي في النواحي الاقتصادية والاجتماعية التي كانت وراء ما حل بمصر من بلاء في زمانه؛ حيث "مات من أهل الإقليم بالجوع والبرد ما ينيف عن نصف الناس. وعم الموتان حتى نفقت الدواب (..)، وعز وجودها (..)". مقدماً دراسة تحليلية اقتصادية واجتماعية سابقة لعصرها تتجاوز سرد الأحداث إلى أهم الأسباب وعلاج هذا الواقع الشنيع الذي يعيده بالدرجة الأولى إلى "سوء تدبير الزعماء والحكام وغفلتهم عن النظر في مصالح العباد، لا أنه كما مر من الغلوات وانقض من السنوات المهلكات"، موضحاً أن "أصل الفساد" بنظره، يتجلى في ولاية الخطط السلطانية والمناصب الدينية بالرشوة، كالوزارة والقضاء ونيابة الأقليم وولاية الحسبة وسائر الأعمال، حيث لا يمكن التوصل إلى شيء منها إلا بالمال الجزيل، دون الاكتراث بكيفية الحصول على هذا المال والعواقب الوخيمة المترتبة على ذلك، كما يشير المقريزي إلى غلاء الأطيان، ورواج الفلوس وما ترتب على ذلك من آثار سلبية.
وسبب ذلك كله ثلاثة أسباب لا رابع لها:
السبب الأول، وهو أصل هذا الفساد، ولاية الخطط السلطانية والمناصب الدينية بالرشوة، كالوزارة والقضاء ونيابة الإقليم وولاية الحسبة وسائر الاعمال، حيث لا يمكن التوصل إلى شيء منها إلا بالمال الجزيل. فتخطى لأجل ذلك كل جاهل مفسد وظالم وباغٍ إلى ما لم يكن يؤمله من الأعمال الجليلة والولايات العظيمة، لتوصله بأحد حواشي السلطان، ووعده بمال للسلطان على ما يريده من الأعمال؛ فلم يكن بأسرع من تقلده ذلك العمل وتسليمه إياه، (و) ليس معه مما وعد به شيء قل ولا جل، ولا يجد سبيلاً إلى أداء ما وعد به إلا باستدانته بنحو النصف مما وعد به، مع ما يحتاج إليه من شارة وزي وخيول وخدم وغيره؛ فتتضاعف من أجل ذلك عليه الديون، ويلازمها أربابها. لا جرم أنه يغمض عينيه ولا يبالي بما أخذ من أنواع المال، ولا عليه بما يتلفه في مقابلة ذلك من الأنفس، ولا بما يريقه من الدماء، ولا بما يسترقه من الحرائر؛ ويحتاج إلى أن يقرر على حواشيه وأعوانه، ويتعجل منهم أموالاً، فيمدون هم أيضاً أيديهم إلى أموال الرعايا، ويشرئبن حيث لا يعفون ولا يكفون. ثم ينساق البائس في جمع الأموال التي استدانها، إذا أتته استدعاءات من الأمراء وحواشي السلطان، أو نزل به أحد منهم، إن كان المتولى متقلداً عملاً من أعمال الريف، فيحتاج له إلى ضيافات سنية وتقادم جليلة من الخيول الرقيق وغير ذلك بحسب الحال. ولا يشعر مع ذلك إلا وغيره قد تقلد ذلك العمل بمال التزم به، وقد بقيت عليه جملة من الديون، فيحاط على ما يوجد له من أثاث حيوان وغيره، ويشخص في أنحس، وقد أحيط كما ذكرنا بماله، ويعاقب العقوبات المؤلمة؛ فلا يجد بداً من الالتزام بمال الآخر ليقلد العمل الأول أو غيره من الأعمال.

أصل الفساد بنظره، يتجلى في ولاية الخطط السلطانية والمناصب الدينية بالرشوة

فلمّا دُهِيَ أهل الريف بكثرة المغارم وتنوع المظالم اختلفت أحوالهم، وتمزقوا كل ممزق، وجلوا عن أوطانهم؛ فقلت مجابي البلاد ومتحصلها، لقلة ما يزرع بها، ولخلو أهلها ورحيلهم عنها لشدة الوطأة عليهم، وعلى من بقي منهم. وكان هذا الأمر كما قلنا مدة أيام الظاهر (برقوق) إلى أن حدث غلاء سنة ست وتسعين، كما مر ذكره، فظهر بعض الخلل لا كله في أحوال عامة الناس لأمرين: أحدهما البقية التي كانت بأيدي الناس فاحتملوا الغلاء لأجلها، والثاني كثرة صلات الظاهر وتوالي بره مدة الغلاء في سنة سبع وثمان وتسعين، حيث لم يمت فيه أحد بالجوع فيما نعلم.
وانسحب الأمر في ولاية الأعمال بالرشوة إلى أن مات الظاهر برقوق، فحدث لموته اختلاف بين أهل الدول إلى تنازع وحروب (..) فاقتضى الحال من أجل ذلك ثورة أهل الريف وانتشار الزعار وقطاع الطريق، فخيفت السبل، وتعذر الوصول إلى البلاد إلا بركوب الخطر العظيم. وتزايدت غباوة أهل الدولة، وأعرضوا عن مصالح العباد، وانهمكوا في اللذات لتحق عليهم كلمة العذاب. وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا.

لمّا دُهِيَ أهل الريف بكثرة المغارم وتنوع المظالم اختلفت أحوالهم، وتمزقوا كل ممزق، وجلوا عن أوطانهم

السبب الثاني غلاء الأطيان: وذلك أن قوماً ترقوا في خدم الأمراء يتولفون إليهم بما جبوا من الأموال إلى أن استولوا على أحوالهم، فأحبوا مزيد القربة منهم، ولا وسيلة أقرب إليهم من المال، فتعدوا على الأراضي الجارية من إقطاعات الأمراء، وأحضروا مستأجريها من الفلاحين، وزادوا في مقادير الأجر. فثقلت لذلك متحصلات مواليهم من الأمراء، فاتخذوا ذلك يدا يمنون بها إليهم، ونعمة يعدونها إذا شاؤوا عليهم. فجعلوا الزيادة ديدنهم كل عام، حتى بلغ الفدان لهذا العهد نحوا من عشرة أمثاله قبل هذه الحوادث. لا جرم أنه لما تضاعفت أجرة الفدان من الطين إلى ما ذكرناه، وبلغت قيمة الأدب من القمح المحتاج إلى بذره ما تقدم ذكره، وتزايدت كلفة الحرث والبذور والحصاد وغيره، وعظمت نكاية الولاة والعمال، واشتدت وطأتهم على أهل الفلح، وكثرت المغارم في عمل الجسور وغيرها – وكانت الغلة التي تتحصل من ذلك عظيمة القدر زائدة الثمن على أرباب الزراعة، سيما في الأرض منذ كثرت هذه المظالم- منعت الأرض زكاتها، ولم تؤت ما عهد من أكلها؛ والخسارة يأباها كل واحد طبعا. ولا يأتيها طوعا. ومع أن الغلال معظمها لأهل الدولة أولى الجاه وأرباب السيوف، الذين تزايدت في اللذات رغبتهم، وعظمت في احتجاز أسباب الرفه نهمتهم، استمر السعر مرتفعاً لا يكاد يرجى انحطاطه؛ فخرب بما ذكرنا معظم القرى، وتعطلت أكثر الأراضي من الزراعة. فقلت الغلال وغيرها مما تخرجه الأرض، لموت أكثر الفلاحين وتشردهم في البلاد من شدة السنين وهلاك الدواب، ولعجز الكثير من أرباب الأراضي عن ازدراعها لغلو البذر وقلة المزارعين. وقد أشرف الإقليم لأجل هذا الذي قلنا على البوار والدمار، سنة الله في الذين خلوا منقبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً.
السبب الثالث رواج الفلوس  (...)".

"إغاثة الأمة بكشف الغمة"- تقي الدين أحمد بن علي المقريزي، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1940، نشره محمد مصطفى زيادة، وجمال الدين محمد الشيال، ص (43- 47)


وسم: