الفلسفة تنبذ القداسة الموهومة للحركات الإسلامية

صالح سالم

كاتب و‏محاضر سعودي بجامعة سطام بن عبدالعزيز‏


الأحد 29 أكتوبر 2017

ربما يكون من المهم استحضار دائرة العنف التي تتحلق على كل الأيديولوجيات التي تحمل (الفردوس المفقود) أو التي تؤمن بالقدسية؛ لذا فهو ليس حكراً على الحركات الإسلامية فحسب؛ بل هو امتداد لكل المؤمنين بإنقاذ المجتمعات من خلال القوة والسلاح .

والحركات الإسلامية بكل أطيافها وتياراتها ومسمياتها تستبطن هذا الخلاص للمجتمعات، لذا فهي ربما تلجأ إلى العنف في بعض الحالات لتمسك زمام السلطة؛ إذ إنّ العنف هو تصارع بين السلطات؛ وكل السلطات المتصارعة تعتقد بشرعيتها؛ حتى الدولة فإنها تحتكر (العنف المشرعن) كما اصطلح عليه (فيبر - في كتابه السياسة بوصفها حرفة)، وبهذا فإنّ الحركات الإسلامية هي حركات سياسية في غالبها؛ والسياسة تسعى للسلطة؛ والسلطة تحتاج إلى (العنف المشرعن).

وعند الغوص في العلاقة بين الحركات الإسلامية والعنف فنحن إزاء إشكالات عدّة ينبغي تحليلها: ومن هذه الإشكالات علاقة الحركات الإسلامية بسلطة الدولة؛ فهي قائمة في غالبها على المعارضة؛ وهذا ما أدى بسلطة الدولة أن تسجن المعارض؛ والعلاقة هنا تكون بين ساجن وسجّان أكثر منها بين سلطتين متنافستين على السلطة؛ وتاريخ الإخوان المسلمين وغيرهم من الحركات الإسلامية في البلدان العربية لها تاريخ مرير مع السجن بل ربما التعذيب.

الحركات الإسلامية هي حركات سياسية في غالبها؛ والسياسة تسعى للسلطة والسلطة تحتاج إلى "العنف المشرعن"

والملاحظ هنا أنّ العنف يسلك طريقه إلى العلو في الحركات الإسلامية؛ فما بين الإخوان المسلمين في نشأتها التي كانت تقتصر على الاغتيالات، حتى تنظيم "القاعدة" الذي كان يقتصر على (الأمريكان/الكفار)؛ إلى أن وصلنا إلى (داعش) التي استهدفت حتى المسلمين من المخالفين لهم؛ وهذا ما يجعلنا نناقش الإشكال الآخر في علاقة الحركات الإسلامية بالعنف وهو أن الفكر الإسلامي في عصر النهضة انشغل بالنصوص التي تدل على الرحمة والإخاء عن النصوص التي تدل على العنف والتقتيل؛ وربما يكون هذا هو ما تفرضه عليهم تلك المرحلة الفكرية الغربية؛ بينما المرحلة المعاصرة انشغل العديد من المفكرين بقراءة النص قراءة مغايرة تأويلية؛ أفادت فهم النص الديني وذلك بالاعتماد على المناهج والنظريات اللغوية والفلسفية المهتمة بالنص كالهرمنيوطيقيا؛ والحركات الإسلامية في تلك الفترة حتى الآن انشغالها بالتمكن من السلطة أكثر من انشغالها بإعادة قراءة النص الديني؛ وإعادة قراءة النص الديني قراءة تأويلية يستطيع أن يحصر العنف في دوائر ضيقة منبوذة إن لم يستطع القضاء عليه.

التفكير الفلسفي ينبذ الأدلجة التي تقوم عليها الحركات الإسلامية التي تعلن أنّها الحامي الأساس للبشر

ولعل نبذنا للحركات الإسلامية ليس من باب ما تطلبه الدولة أو السياسي الحاكم بقدر ما يفرضه التفكير الفلسفي النابذ للأدلجة؛ تلك الأدلجة التي تعلن للبشر قدسيتها وأنها الحامي الأساس لهم؛ وتدخل في هاته الأيديولوجيات الحركات الإسلامية بدءًا من الإخوان المسلمين مروراً بالقاعدة حتى داعش؛ والعنف المعاصر من داعش يختلف عن عنف القاعدة، كما أنهما يختلفان عن عنف الإخوان المسلمين؛ فهي صيرورة ممتدة تغذيها السلطات التي تقمع المخالفين كما تغذيها قراءة النص الديني بقراءة نصيّة؛ تدور مع النص حيث دار.

وعليه، فإنه يمكننا التفكير في فتح المجال للمؤسسات الفلسفية والفكرية التي تعيد قراءة النص الديني بقراءة تأويلية مغايرة لما تعتمد عليه الحركات التي تؤمن بالعنف، وهذا ما ينبغي أن تركز عليه السلطات العربية المعاصرة؛ وهذا لا يعني قمع هذه الحركات الإسلامية بقدر ما يعني مضايقتها بتلك المنصات الفلسفية والفكرية التي تطرح تفكيراً مغايراً في فهم النصوص الدينية؛ وهنا يمكن لنا أن نواجه الفكر بالفكر أكثر من مواجهة الفكر بالسجن .


وسم: