السلفية المغربية.. وتحولات "الربيع" العربي

حسام هاب

باحث في التاريخ الراهن- جامعة محمد الخامس الرباط


الأحد 03 ديسمبر 2017





شكّلتْ موجات ما سمّي إعلامياً بـ "الربيع العربي" فرصة تاريخية لصعود الإسلاميين إلى السطح السياسي والاجتماعي بشكل قوي وغير مسبوق في تاريخ المنطقة العربية، وذلك بعد أن تمكنوا من الفوز في انتخابات رئاسية وتشريعية والانتقال إلى موقع السلطة في كل من تونس ومصر والمغرب. فهذا التحول السياسي جعل من الحركات والتيارات الإسلامية (الإخوان المسلمون والسلفيون) المستفيد الأساسي من رياح التغيير التي هبّت على الدول العربية، وأعاد مجدداً إلى أروقة النقاش السياسي إشكالية العلاقة بين الديني والسياسي، وقضايا الدولة والدين والسياسة والهوية نظراً إلى البروز اللافت لقوى "الإسلام السياسي" بمختلف أجنحتها على الساحة العربية بعد أحداث "الربيع العربي".

لم يكن الإسلاميّون المغاربة بعيدين عن مجريات التّحول الإستراتيجي في العالم العربي

لم يكن الإسلاميّون المغاربة بعيدين عن مجريات هذا التّحول الإستراتيجي في العالم العربي بفضل الديناميّة الاحتجاجية التي أطلقتها حركة "20 فبراير" في وقت مبكر من الحراك العربي، والتي مكّنت حزب العدالة والتنمية من الوصول إلى مسؤولية تدبير الشأن الحكومي بعد حصوله على أكبر عدد من مقاعد البرلمان المغربي. أما التّيار الثاني من الإسلاميين المغاربة، وهو التيار السّلفي فقد وجد نفسه على محكّ الاختبار وطرأت تحولات جذرية وغير مسبوقة على بيته الداخلي وخلطت أوراقه بالكامل.
لقد مثّل الحراك السياسي والاجتماعي العربي نقطة تحول تاريخية في المسار المعاصر للتيارات السلفية؛ إذ قررت جماعات وتوجهات سلفية ولوج بوابة العمل السياسي والحزبي والمشاركة في النقاشات السياسية والإعلامية والثقافية في المجال العام ابتداءً من المشهد المصري مروراً بالمشهدين؛ التونسي والمغربي بدرجة أقلّ. فالمرحلة الجديدة لم تكن بلا تكاليف ففي مقابل المكاسب السياسية والظهور على العلن والبروز الإعلامي والنفوذ الجديد في المجال العام بصورة خاصة في دول "الربيع العربي"، فإنّ هذه التحولات وضعت السلفيين تحت مجهر البحث الأكاديمي في حقل العلوم الاجتماعية، وفي صلب النقاش السياسي في الفضاء العمومي من أجل دراسة الأسباب العميقة وراء الصعود الملفت للتيارات السلفية، وفهم أنماط تفكيرها وتوجهاتها وخلافاتها ومواقفها من القضايا السياسية والدينية البارزة في المجتمعات العربية.

مثّل الحراك السياسي والاجتماعي العربي نقطة تحول تاريخية في المسار المعاصر للتيارات السلفية

التحولات التي عرفها التيار السلفي المغربي خلال فترة "الربيع العربي" تجب قراءتُها في سياق مراجعات التيار السلفي في المنطقة العربية بشكل عام؛ حيث انتقلنا من رفع شعار "من السياسة ترك السياسة" نحو الانخراط الميداني في العمل المباشر. ولعلّ أبرز مثال معبر عن هذا الانخراط هو توحيد زعامات وقواعد التيار السلفي في الإسكندرية وتأسيس حزب النور السلفي الذي شارك في الانتخابات التشريعية الأولى في مصر خلال فترة ما بعد رحيل الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك العام 2011.
كان الحراك المغربي عام 2011 فرصة مواتية لبروز متغيرات جديدة في مسار التيار السلفي الذي تخلى عن العنف؛ حيث أدّى الحراك السياسي والاجتماعي في المغرب إلى دفع المؤسّسة الملكية إلى إجراء إصلاحات سياسية، بدأت بإقرار دستور جديد يمنح صلاحيات واسعة لرئيس الحكومة، ثم جاءت انتخابات برلمانية كانت نتيجتها فوز حزب العدالة والتنمية بالأغلبية وقيادته للحكومة المغربية.

ساعد فوز الإسلاميين الانتخابي، في تونس ومصر والمغرب، على تقوية حجّة السلفيين داخل السجون فتمّ إطلاق سراح عدد منهم رغم عدم إتمام مدة العقوبة

لقد ساعد فوز الإسلاميين الانتخابي، في كل من تونس ومصر والمغرب، فضلاً عن مطالبة الشارع عبر "حركة 20 فبراير" بإطلاق سراح المعتقلين الإسلاميين والسياسيين، على تقوية حجّة السلفيين داخل السجون فتمّ إطلاق سراح عدد منهم رغم عدم إتمام مدة العقوبة، بينما منح الملك محمد السادس عفواً عن رموز الحركة السلفية: حسن الكتاني ومحمد عبد الوهاب رفيقي (أبو حفص) ومحمد الفزازي وعمر الحدوشي.
ساهمتْ أحداث "الربيع العربي" في نسخته المغربية بشكل واضح في زعزعة العديد من قناعات رموز التيار السلفي في المغرب ودفعتهم إلى الانخراط في النقاش السياسي والدستوري، وهو ما يَبرز من خلال مواقف التيارات السلفية المغربية من المسألة الدستورية التي تندرج ضمن ملف أكبر يحمل عنوان موقف هذه التيارات من العمل السياسي، ولعل أوضح مثال يعبر عن الدور الذي لعبه السلفيون المغاربة إبّان الحراك المغربي هو لجوء الدولة المغربية إلى خطاب سلفي تقليدي يأخذ مرجعيته من خطاب "قروسطي" يضفي القداسة والهالة على السلطة السياسية، ويستدعي أحكاماً ومقولات تراثية بعيداً عن الواقع السيّاسي وعن مقاصد الشريعة في التعامل مع السلطة، وذلك في إطار النقاش المجتمعي حول تعديل الوثيقة الدستورية في المغرب آنذاك.

الاشتباك الفقهي مع الخطاب السلفي الوهابي أشبه بالدخول إلى حقل ألغام عقدية ومذهبية وسلوكية

يلتقي هذا التحول مع طبيعة تعامل الدولة المغربية مع التيار الإسلامي عموماً والسلفي على وجه الخصوص، والذي يتمثل دائماً في تغليب سياسة الاحتواء والإدماج على سياسة المواجهة والصدام. لذلك فإنّ الاتجاه الغالب الذي سيطبع مستقبل السلفيين في المغرب هو الاندماج بكل ما يعنيه ذلك من تأثيرات على خطابهم وهياكلهم؛ حيث سيميلون إلى تغليب الطابع الوطني على حساب البعد الأمميّ، والعمل السلميّ على العنف والقبول بالاختلافات الفكرية، وهو ما يؤكد الطرح الذي ذهب إليه عدد من الباحثين بأنّ سلفيات المغرب باتت تتجه إلى التخلي عن التكفير والنظر إيجابياً إلى العمل السياسي ورفض العنف والمقاربة الجهادية.
يمكن القول أخيراً إنّ "الربيع العربي" وتجلياته المغربية ممثلة في الدينامية السياسية والاجتماعية التي عاشتها البلاد العام 2011، وفّرت للتيارات السلفية فضاء مناسباً للتطور الفكري والسياسي ودفعتها لتسجيل حضورها على الساحة السياسية، وهو ما يدفعنا إلى التأكيد على أنّ المرحلة الحالية التي تعيشها "التيارات السلفية" بمختلف مدارسها وتوجهاتها هي الأنسب زمنياً ومعرفياً لوضعها تحت مجهر البحث لخلخلة جهازها المعرفي، ومعرفة مسارات وآليات تغلغل "الإبستيم السلفي" في المجال التداولي المغربي ومؤسساته الدينية، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ الاشتباك الفقهي مع الخطاب السلفي الوهابي أشبه بالدخول إلى حقل ألغام عقدية ومذهبية وسلوكية، بحكم أنّنا نشتبك مع أحد أبرز "أنظمة الحقيقة" في المجال التداولي الإسلامي الذي يعتبر نفسه تجسيداً لـ "الإسلام الصحيح"، وهو ما يتطلب الشجاعة الأدبية من طرف المثقفين والباحثين والتسلح بالعدة المعرفية والمفاهيمية للعلوم الاجتماعية للحفر في العقل السلفي.


وسم:

    اترك ردا