السلطان الأخير يرسم صوراً عارية

الأحد 19 نوفمبر 2017

"الدين أفيون الشعوب"؟ إنّ هذه الجملة الشهيرة، المأخوذة من كتاب كارل ماركس: "نقد فلسفة الحق الهيغلية" والصادر عام 1843، تقول بأنّ الدين يجعل الشعب سعيداً، حين يبعده، ومثل دواء مخدر عن واقعه الموضوعي. لكن الدين يحجب عبر ذلك الحقيقة، ويحول دون أن يقاوم الناس من أجل سعادتهم الحقيقية.

لقد احتدم النقاش بشدة حول هذا التصور، ولا ريب أنّه تصور رائد في الآن نفسه. لكن، هل كان لماركس أن يتصور بأنّه بعد مضيّ قرنين على قولته الشهيرة، سيعمد الدين هذه المرة ليس إلى إسعاد الناس ولكن إلى إسعاد السياسيين؟ ولو كان له أن يعيش في تركيا المعاصرة، لشاهد بعينيه كيف تعمد الحكومة إلى تأجيل "السعادة الحقيقية"، عبر فرض قضية دينية على أجندتها. ولكان له أن يرى أيضاً كيف يحجب رجال السياسة الحقيقة، ليخدموا مصالحهم الخاصة.

لا ريب أنّه ليس بالظاهرة الجديدة، أن تستغل السياسة الدين. ولكنا لا نلاحظ في أي مكان آخر كيف يتم حجب الأزمات الحالية بمساعدة الدين، كما يتم ذلك في تركيا. ومع العلم أنّنا أمام بلد علماني كما يقول الدستور. فإذا ما تعلق الأمر بمأزق اقتصادي، يتم تغيير الأجندة السياسية والقيام بخطوة ستحظى بموافقة الشعب التقي. مثلا، سيتم تقليص الساعات اليومية التي يتم فيها الاتجار بالكحوليات. وإذا تعلق الأمر بفضيحة فساد؟ سيتم إصدار قانون يحظر الأحياء الجامعية المختلطة.

ومن أجل الخروج من هذه الأزمة الحالية، تعود الحكومة التركية مرة أخرى إلى استعمال الدين كأفيون للشعب. فالحكومة تواجه صعوبات كبيرة بسبب أزمتها مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، وتبحث عبر الاستدانة من جديد لتجاوز أزمتها الاقتصادية، وتفرض على الشعب ضرائب جديدة من أجل تجاوز العجز في الميزانية، كما أنّها تبدو بعيدة من هدفها الذي رسمته لانتخابات 2019 والمتمثل في الحصول على 51 في المائة من أصوات الناخبين، ولذلك تعمد إلى استعمال سلاح الدين. لتعلن بعدها، وفي وضوح، نيتها السماح لرجال الدين بالإشراف على عقود الزواج.
يتوجب أن تمر الأمور كما المعتاد: ستتم مناقشة الموضوع بشدة، وستعمد القوى العلمانية في البلد إلى الاحتجاج على ذلك، وسيدفع ذلك الأغلبية المحافظة إلى الالتفاف حول الحكومة. فعبر هذه الطريقة تدعم الحكومة شعبيتها، كلما رأت أن شعبيتها أضحت مهددة. وسيحدث ما كان منتظراً: الناس الذين يعانون شظف العيش، سيشعرون بالرضا حين يتبنى البرلمان قانون الأئمة الجديد.

لأنّ الدين تحوّل إلى مرجع في كل القضايا، فإنه أصبح من الصعب في تركيا تحقيق تقدم في أي من القضايا المطروحة

ولم يختلف الأمر عن ذلك خلال مظاهرات ساحة تقسيم في العام 2013. فمن أجل تهميش المتظاهرين وتحويلهم إلى أعداء للمجتمع، ستعمد الحكومة للعب على وتر المشاعر الدينية، وعلاوة على ذلك، على نشر أخبار كاذبة بحقهم، ومنها أن المتظاهرين تعاطوا الكحول في المسجد الذي فروا إليه من رجال الشرطة، أو أن المتظاهرين الذين كانوا يرتدون سراويل جلدية، ويتظاهرون بدون ملابس تستر نصفهم العلوي، أقدموا على التبول على امرأة محجبة. وطبعاً، فالأمر يتعلق هنا بأخبار كاذبة فقط. ولكن الحكومة نجحت في تحويل المتظاهرين في ساحة تقسيم إلى أعداء للشعب، ونجحت عبر ذلك في رص صفوفها التي كان التشتت يتهددها. وحين تقدم الحكومة على تحويل الدين إلى الفاعل الأساسي في السياسة، فإنها لا تقوم عبر ذلك بنوع من الهندسة الاجتماعية للشعب فقط؛ بل إنها في الآن نفسه تحول مجموع المؤسسات في البلاد إلى مؤسسات دينية، وعلى سبيل المثال لا الحصر: الجامعات. ففي إطار نظام الطوارئ الذي تم فرضه بعد الإنقلاب، أقدمت الحكومة على إقالة أغلب الأصوات العلمية المنتقدة لها، وتعويضهم بشخصيات من مرجعية دينية. وفي الأسابيع الماضية تحدثت الصحف التركية عن شخصيتين علميتين. لنبدأ بالشخصية التي تمت إقالتها. سافاس كرابولوت أقيل من منصبه في جامعة إسطمبول العام الماضي. ولما رفض الجميع توظيفه من جديد، ملأ صندوق سيارته بالقطاني، ليعرضها للبيع متنقلاً من بيت لآخر، من أجل أن يحصل على قوت يومه. أما الأرباح فإنه يقتسمها مع زملائه الذين تمت إقالتهم. أما الخبر الثاني من عالم الجامعة فيتعلق بالبروفيسور مصطفى طلحة غونولو، والذي عينه أردوغان شخصياً عميداً لجامعة آدييمان. لقد سبق وصرح بأنّ مصافحة امرأة أسوأ من وضع اليد في النار. ورغم وجود صور كثيرة يظهر فيها وهو يصافح نساء، فإنه سيصرح مرة أخرى رداً على الاحتجاجات قائلاً: "من يشعر بالإزعاج من كلامي، فهو ضد الإسلام".

ولأنّ الدين تحول إلى مرجع في كل القضايا، فإنه أصبح من الصعب في تركيا تحقيق تقدم في أي من القضايا المطروحة. سيتم فقط اجترار ما اعتدنا على سماعه. وسيتم في هذا السياق استغلال الدين وتاريخ البلد بشكل كبير. وليس الأمر عبثاً أن تقدم الحكومة التركية على وصم كل خطوة من خطواتها بطابع الإمبراطورية، فهدفها هو الرفع من الخلافة العثمانية إلى مستوى النموذج وتحويله في مرحلة ثانية إلى حقيقة. وطبعا لا يتم هنا كشف النقاب عن كل التاريخ، بل ربط الشعب فقط بأبعاده الدينية والقومية. إن الشعب الذي يتعرض للقصف الأيديولوجي لن يعرف بأنّه كان من بين السلاطين من يستهلك الكحوليات؛ بل ومنهم أيضاً من أبدع في رسم الصور العارية، وهو ما سيجعل هذا الشعب ينتفض ضد كل ما تمثله الحداثة اليوم.

الذين هاجموا المعرض الفني دفاعاً عن أجدادهم، لم يعرفوا أنّ أشهر لوحة للسلطان عبدالمجيد "النساء في الساحة" كانت تتضمن صوراً عارية

آخر مشهد في هذه اللعبة الخطرة حدث قبل أيام: عمر كوش، أحد كبار تجار تركيا، أراد عرض مقتنياته الفنية في سياق مهرجان إسطنبول، في القصر الذي اشتراه قبل سنوات، والذي يحمل اسم السلطان عبد المجيد. لم يتحمل السلطان عبد المجيد الثاني أي مهمة دينية. كان مشهوراً برسوماته التي أنجزها في هذا القصر. وفي هذا القصر سيعرض عمر كوش منحوتات ولوحات، وسيحمل المعرض العنوان التالي: "الباب ينفتح أمام من يطرقه". لكن بعض الناس سيقومون باقتحام المكان بدل الطرق على الباب، وذلك لأن بعض المنحوتات لم تكن برأيهم "محجبة". وهم يهتفون بشعار: "هل هذه هي العلمانية؟"، هجموا على الأعمال  الفنية.  ولا ريب أنّ المعتدين الذين هاجموا المعرض دفاعاً عن أجدادهم، لم يعرفوا أن آخر السلاطين العثمانيين، الذي كان القصر يوماً ملكاً له، كان رساماً.  ولم يعرفوا أن أشهر لوحة للسلطان عبدالمجيد "النساء في الساحة"، كانت تتضمن صوراً عارية. وكما الحال في كل تراجيديا، سنقف هنا أيضاً على لحظة غريبة. فلما علم المعتدون، الذين هبوا للدفاع عن شرف العثمانيين، بأنّ السلطان عبد المجيد رسم أيضاً نساء عاريات، عبروا عن دهشتهم على صفحات التواصل الاجتماعي قائلين: "لم أكن أعرف أن عبدالمجيد رسم مثل هذه اللوحة. عليه أن يخجل من ذلك!". فهل هذا ما تسميه الحكومة اليوم: "استخلاص العبر من التاريخ؟".
 

بولانت موماي - عن الصحافة التركية 


وسم:

    اترك ردا