التصوف وعلاج ظاهرة العنف الديني

الأربعاء 10 يناير 2018

تسود مجتمعاتنا اليوم، ظاهرة العنف الديني الإسلاموي، التي ترتكز على ترسانةٍ فقهيةٍ تراثيةٍ للدين، تريد من خلالها السيطرة على الفضاء العام للدولة؛ لذلك تلجأ إلى أساليب العنف المادي، القائم على القتل واستباحة الدماء، والعنف المعنوي المتمثل في التكفير والإقصاء، وربّما لا يكون الخطاب الحركي الإسلاموي، بكافة طبعاته وتجلياته، الوحيد الذي ينتهج أسلوب العنف المعنوي؛ بل تشاركه في ذلك أطراف من المؤسسة الدينية الرسمية، التي ترعى شؤون الدين والتدين وتنطق باسمه! ويبدو أنّ سبب هذا يعود إلى أنّ كلا الطرفين، ينهل من نفس المعين؛ أي أنّهما يستندان إلى المرجعية نفسها، ويستخدمان ترسانة فقهية تراثية واحدة.                  

وعلى ضوء ذلك، كيف لمجتمعاتنا أن تنجو من دوامة رعاة المقدس من كلا الطرفين؛ الإسلامويين والرسميين، أو شبه الرسميين؟ لم يبقَ أمام المسلم العادي الذي يكاد يضيع بين مطرقة وسندان الطرفين، إلّا أن يتوجه إلى نمط آخر من التدين، هو التصوف: الذي يقوم على محبة الله والناس، والإحسان إلى خلق الله، والتسامح تجاه النفس والآخر والكون. وخيار التصوف هذا يمكنه أن يسهم، مع عوامل أخرى، في التخلص من نمط التدين العنيف، بشقّيه؛ المادي والمعنوي، السائد في مجتمعاتنا.                

فالاستناد إلى أفكار وتعاليم شيوخ التصوف الكبار، الذين تعاطوا بانفتاح كبير مع الإنسان، بغضّ النظر عن دينه ولونه وعِرقه، يؤدّي إلى انتشار ثقافة دينية تقدمية تجاه الآخر، يمكن توظيفها في سياق منظومة متكاملة: تتضمن تنمية اقتصادية وتعددية سياسية وفكرية واجتماعية، تساهم في التخلص من وحش العنف الديني الإسلاموي والمؤسّسي؛ فأفكار أعلام التصوف، أمثال: ابن عربي، والحلاج، وجلال الدين الرومي، وشمس التبريزي، والسهروردي، وفريد الدين العطار، وعمر بن الفارض، والجيلاني، وغيرهم، تشكّل رؤيةً، أو فلسفةً،  متكاملةً تجاه الدين والتدين، وموقع الإنسان في الوجود والكون، تحمل بين طياتها نزعةً إنسانيةً فريدةً، في سياق تاريخ تطور الفكر الديني الإسلامي وتشكّله، عبر تأصيلٍ فكري عميق، يستند إلى رؤية منفتحة للنص والعرفان الذاتي؛ فابن عربي، على سبيل المثال لا الحصر،دشّن نظريته تجاه العقائد والأديان الأخرى في أبيات شعرية، قال فيها:                                                                                                                          

قد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي     

إذا لم يكن ديني إلى دينه داني

لقد صارَ قلـبي قابلاً كلَ صُـورةٍ       

فـمرعى لغـــــزلانٍ ودَيرٌ لرُهبانِ

وبيتٌ لأوثــانٍ وكعـــبةُ طـائـــفٍ          

وألـواحُ تـوراةٍ ومصـحفُ قـرآن

أديـنُ بدينِ الحـبِ أنّى توجّـهـتْ      

ركـائـبهُ، فالحبُّ ديـني وإيـمَاني

وقوله:

عَقَدَ الخلائقُ في الإله عقائداً         

وأنا اعتقدتُ جميعَ ما عَقَدوه

فهو هنا، يتقبّل كلّ الأديان، سواء التوحيدية، أو حتى الوثنية؛ بل إنّه يتمثّلها، ويعدّها جزءاً من ذاته، ولا يجد غضاضة في أي دينٍ، سماوي أو أرضي؛ لأنّ الكلّ، في نظره، يعبد الله على وجه من الوجوه، فقد: "تعددت الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق".                                                                                                    

ويعلّق أحمد أمين على الانفتاح الديني عند المتصوفة الكبار، كابن عربي، والرومي، وابن الفارض في كتابه "ظهر الإسلام"، بقوله:                                                      

"وإذا قال كثير منهم بوحدة الوجود، كانوا أسمح الناس في اختلاف الأديان؛ فالاختلاف بين الأديان، إنما هو اختلافٌ في المظاهر، أما من حيث الحقيقة والجوهر؛ فكلّ يسلك طريقاً إلى الله، والغاية واحدة، والاختلاف في الوسائل لا يهمّ ما دامت الغاية واحدة، وهي حبّ إله واحد..."، وقالوا؛ أي المتصوفة: إنّ "كلّ دينٍ، وإن اختلف في مظهره عن الدين الآخر، فإنّما يكشف عن ناحية معينة من نواحي الحق؛ فالإيمان والكفر لا يختلفان اختلافاً جوهرياً، واليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأصنام، يتفقون في عبادة إله واحد، والقرآن والتوراة والإنجيل ينتظمون في سلك واحد، وهو سلك التنظيم الإلهي، ...إلخ، ممّا يجعلهم أرحب أهل الأديان صدراً".                       

وربما يتساءل بعضهم: هل المقصود بالتصوف هنا "التصوف الشعبي" القائم على سلوكيات شعبوية ربما تسيء للدين والتدين؟ لا، ليس هذا ما أقصده هنا؛ بل إنّ التصوف المطلوب؛ هو ذلك المسلك الروحي والفكري، الذي تجلّى على يد أعلامه وجهابذته الكبار، الذين أنسنوا الوجود وما فيه، وتساموا به بعيداً عن ماديته واختلافاته، فالإنسان، في نظرهم، هو سرّ العالم، وروحه، وعلَّة وجوده.                                   

استناداً إلى هّذه الأطروحة، نخلص إلى نتيجتين:

الأولى: يمكن للمسلم العادي، إن سلك مسلك المتصوفة، وتقبّل فكرة تعدّد الحقيقة، وأنّه ليس الوحيد الذي يمتلك حقيقة الوجود، أن يتعايش، ويتناغم، مع أبناء دينه في المقام الأول، وأتباع الديانات الأخرى في المقام الثاني.                       

والثانية: يؤدي شيوع نظرة المتصوفة إلى الإنسان والكون، إلى انتشار نزعة إنسانية للدين والتدين، تساهم في القضاء على العنف الديني، أو، على الأقل، تساهم في تخفيض درجة توغّله في المجتمع، والمساعدة في محاربة الكراهية التي غدت تشكل ثقافةً عميقةً لمجتمعاتنا، تجاه الآخر؛ المختلف عنها في المذهب والدين والعرق واللون.


وسم:

    اترك ردا