التسامح السلطوي والتسامح التعددي

الأحد 07 يناير 2018

يوجد تصوران عن التسامح سادا عبر التاريخ، النوع الأول؛ هو تسامح دينٍ سائدٍ مع أديان أخرى، من منطلق سيطرته التامة المطلقة، وضمانه للأمان والاستقرار، بفضل عدم تشكيل تلك الأديان لأيّ تهديد له، هذا النوع من التسامح هو ما أسميه "التسامح السلطوي"؛ وهو يسود في الفترات التي تتعالى فيها المطالبات الاجتماعية، بإفساح المجال لشيء من الحرية الدينية، في ظلّ دينٍ سائدٍ، وكان هذا هو الحال مع الإسلام طوال تاريخه، ووفق المواقف الرسمية لرجال الدين؛ إذ يتم السماح بممارسة الشعائر الدينية لغير المسلمين من المسيحيين واليهود، مع عدم الاعتراف بحق أتباع الأديان، غير الإبراهيمية، بمثل هذه الحقوق.

والتسامح السلطوي، لا يقتصر على كونه الموقف الرسمي للمؤسسات الدينية، ورجال الدين، والحكومات الدينية؛ بل يمتدّ كذلك إلى عامة الشعب من المسلمين، الذين نجدهم يرددون عبارات تقول "إنّ الإسلام متسامح مع الأديان الأخرى"، هذا النوع من التسامح الاستعلائي، يستند على تصور امتلاك "الدين الحق" الذي يتسامح، بمعنى يتجاوز، ويغضّ الطرف عن أصحاب الأديان الأخرى، رأفة بحالهم، بدواعٍ من كرم الضيافة، والعلوّ الأخلاقي. وفي هذا السياق نفسه، تظهر العبارات التي توحي بأنّ أصحاب الديانات الأخرى يشاركون "معنا"، أي مع أصحاب الدين السائد، في الحقوق والواجبات. فتجد من يقول: "لهم ما لنا، وعليهم ما علينا"، والعبارة، إن كانت توحي بالمساواة، والمشاركة في العيش في وطنٍ واحدٍ، إلّا أنّها استعلائية هي الأخرى؛ إذ هي تفصل وتميز، بين "نحن"، و"هُم"، وتبطن اعترافاً بانقسام المجتمع إلى هاتين الفئتين.

التسامح التعددي يجب أن يقوم على تعدديةٍ دينيةٍ تسمح بحريةٍ حقيقيةٍ للعقيدة والانتقال من دينٍ لآخر دون اضطهاد

أما النوع الثاني من التسامح؛ فهو لا يأتي سلطوياً، من أصحاب اليد العليا، ومن قِبَل دينٍ مهيمنٍ؛ بل من قبل عملية تفاعلٍ، اجتماعي وسياسي، بين أديان، وطوائف، ومذاهب دينيةٍ كثيرةٍ، متنافسةٍ ومتصارعةٍ سلمياً، ومتواجدةٍ معاً في حيّزٍ اجتماعي واحدٍ. هنا ينشأ نوع من التسامح الديني الحقيقي، القائم على التعددية، بفعل تحييد الأديان لبعضها البعض، وفشل أي دينٍ، أو مذهبٍ واحدٍ منها، في السيطرة على جهاز الدولة، وفشلها كلّها في جعل الدولة مجالاً للصراعات الدينية، أو أداةً قمعيةً في يد قوةٍ دينيةٍ معينةٍ، ضدّ القوى الأخرى. هذا التسامح، إذاً، هو وليد التعددية الدينية الأصيلة، وهو تسامح ذو طابعٍ ديمقراطي حقيقي، وربما يكون طريقاً نحو الديمقراطية السياسية، في مقابل التسامح السلطوي الاستعلائي.

والحقيقة؛ أنّ نوع التسامح الوحيد الموجود في مجتمعاتنا، هو ذلك النوع السلطوي الاستعلائي، وذلك بسبب عدم وجود تنافسٍ ديني حقيقي بين الأديان والطوائف المختلفة، ذلك التنافس الذي لن تسمح به السلطات الرسمية، والممثلون المعتادون للدين السائد، الذين ينظرون إلى أتباع الأديان الأخرى على أنهم أهل الذمة. إنّ التسامح السلطوي يدخل في صميم مفهوم أهل الذمة؛ إذ يتم التعامل معهم بخصوصية طائفية، لا على أنّهم من صميم النسيج الاجتماعي، بل على أنّهم جماعة قائمة بذاتها، منفصلة عن المجتمع السائد، ويتم التعامل معها تعاملاً خارجياً، باعتبارها لا منتمية، تتطلب خصوصية في التعامل، وحماية من نوعٍ خاصٍّ. إنّ التسامح التعددي الحقيقي والمساواتي، القائم على العيش المشترك، لن يقوم طالما تم التمسك بمفهوم أهل الذمة، ومفهوم الدين السائد، ولا شكّ في أنّ الدساتير التي تنصّ على دين رسمي معين للدولة، لا يمكنها أن تقدم سوى هذا النوع من التسامح السلطوي، فبمجرد أن تعلن الدولة تبنيها لدين معين، يصبح أتباع الأديان الأخرى مواطنين من الدرجة الثانية، ذميين، وفي هذه الحالة تختفي المساواة الحقيقية، وتبطل التعددية الدينية، التي هي الشرط الضروري للتسامح التعددي.

التسامح التعددي، يجب أن يقوم على تعدديةٍ دينيةٍ حقيقيةٍ تسمح بحريةٍ حقيقيةٍ للعقيدة

ومثلما شهد التاريخ حقباً عديدة ساد فيها التسامح السلطوي، فقد شهد، بالمثل، حقباً أخرى ساد فيها التسامح التعددي، لكن غالباً ما يأتي هذا التسامح التعددي على خلفية من حروبٍ دينيةٍ، أو اضطهادٍ دينيٍّ واسعٍ، ولدينا في هذا الشأن ثلاث حالات: هولندا في أواخر القرن السادس عشر، وفرنسا في القرن الثامن عشر وما يليه، والولايات المتحدة في القرن التاسع عشر. كانت هولندا جزءاً من أملاك المملكة الإسبانية، حتّى استقلت عنها في أواخر القرن السادس عشر، وذلك بعد انتشار البروتستانتية، وانفصال الكنائس الهولندية عن المذهب الكاثوليكي، الذي كان التاج الإسباني من رعاته الرسميين، جاء استقلال هولندا على خلفية الحروب الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت، لذلك تأسّست الجمهورية الهولندية، في هذا العصر، على تسامحٍ دينيٍّ واسع النطاق، شمل عديد الطوائف البروتستانتية، التي لم تسمح كثرتها بسيطرة بروتستانتية على الدولة الهولندية، وقد صارت هولندا بلد التسامح عن جدارة، طوال القرن السابع عشر، حتّى أنّها سمحت بهجرة اليهود المضطهدين من إسبانيا والبرتغال، وأعطتهم حرية ممارسة الشعائر، وشيئاً من الاستقلال المدني.

أما في فرنسا؛ فقد ظهر تيار بروتستانتي قوي، متأثر بالكالفنية، منذ النصف الثاني من القرن السادس عشر، وهو تيار الهوجونوت (Huguenots). ولما كانت الكاثوليكية الرومانية هي المذهب الديني الرسمي للدولة الفرنسية، فقد شهد الهوجونوت اضطهاداً واسعاً هناك، رغم سياسة التسامح التي اتبعتها الدولة الفرنسية تجاههم في بداية ظهورهم، وقد أدّت سياسية التسامح هذه إلى منح الهوجونوت (أعضاء كنيسة فرنسا الإصلاحية البروتستانتية) استقلالاً مدنياً وقانونياً وعسكرياً؛ إذ كان من حقهم تنظيم ميليشيات للدفاع عن أنفسهم ضدّ هجمات الكاثوليك، لكن سرعان ما سحبت منهم الدولة الفرنسية كلّ هذه المميزات، في عهد لويس الرابع عشر عام (1685)، وانقلبت عليهم، فمرّوا باضطهادٍ لا مثيل له لطائفة بروتستانتية، وبعد سياسة التسامح الرسمي معهم، زاد الاضطهاد، حتى اضطروا للهجرة إلى الدول البروتستانتية المجاورة، ولم يتوقف اضطهادهم إلّا في أواخر عهد لويس السادس عشر، عام 1787، ولم ينالوا المساواة والحقوق المدنية الكاملة إلّا بعد الثورة الفرنسية، في إعلان حقوق الإنسان والمواطن عام 1789، لكنّ اللافت للنظر؛ أنّ اضطهاد الهوجونوت في فرنسا على مدى قرنين، كان من أهم دوافع ظهور عصر التنوير، الذي كان أغلب ممثليه البارزين فرنسيين متعاطفين من الهوجونوت؛ من بيير بايل، مروراً بفولتير وروسو، إلى كوندرسيه.

نوع التسامح الوحيد الموجود بمجتمعاتنا هو النوع السلطوي الاستعلائي لعدم وجود تنافسٍ ديني حقيقي بين الأديان والطوائف المختلفة

يتبين من هذا التاريخ المؤلم؛ أنّ الدولة طالما أعلنت عن تبنيها لدين وجعلته الدين الرسمي، لا يمكنها ممارسة تسامح حقيقي؛ إذ يمكنها أن تسحب حقوق الأقليات الدينية في أي وقت؛ بل إنّ مثل هذه الدولة هي التي تجعل من أتباع دين ما "أقلية دينية" من الأصل. إنّ الدولة التي تتبنى ديناً معيناً، هي دولة طائفية، ليس لأنّها تمثل طائفة دينية؛ بل لأنّها تنتج الحالة الطائفية ذاتها، بأن تجعل من أتباع الأديان الأخرى غير الرسمية "طوائف".

أما في الولايات المتحدة؛ فقد أدت كثرة المذاهب الدينية إلى تحييدٍ متبادلٍ لها؛ حيث لم يتمكن مذهب واحد من السيطرة؛ فالأديان الكثيرة في مجتمعٍ واحدٍ، تؤدي إلى إضعافها كلّها، ذلك لأنّ التعددية الدينية الأصلية للولايات المتحدة، ورغم قوة اليمين الديني المسيحي لدى الكثير من الطوائف، كانت هي الشرط المسبق لتسامحٍ غير مقصودٍ، نشأ تلقائياً دون تخطيط من الدولة.

التسامح التعددي، يجب أن يقوم على تعدديةٍ دينيةٍ حقيقيةٍ، تسمح بحريةٍ حقيقيةٍ للعقيدة، تلك الحرية التي يفهمها مجتمعنا خطأً، على أنّها حرية ممارسة الشعائر الدينية، في حين هي حرية الاعتقاد؛ أي حرية الانتقال من دينٍ لآخر، دون اضطهاد، ودون ملاحقاتٍ أمنيةٍ أو قضائيةٍ.


وسم: