الإعجاز إذ يجعل القرآن كتاباً علمياً!

الاثنين 22 يناير 2018

إنّ المجتمعات التي ظلّت تقليدية في عصر الحداثة، واحتفظت بالبناءات، الاجتماعية والذهنية لما قبل الحداثة، دائماً ما يظهر فيها الخلط، وعدم القدرة على التمييز بين الدين والعلم، فالاثنان لا يزالان في اختلاط مبهم بالنسبة إلى هذه المجتمعات، نظراً إلى عدم تمكّنها من إنتاج العلم وفق قواعده وشروطه، ونظراً إلى ارتباطها برؤيةٍ دينيةٍ تقليديةٍ، فتحاول تقديم العلم في صورةٍ دينيةٍ، وتبحث عن تبريراتٍ دينيةٍ لممارسة العلم، وهذا هو السياق الاجتماعي/ الثقافي الذي يُنتِج العقلية التي تبحث عن نظريات العلم الحديث في النصّ الديني.

والأمر لا يقتصر على ذهنية مشروطة اجتماعياً وثقافياً وحسب؛ بل إنّ هذه الذهنية تمتدّ لمؤسسات الدولة، المفترض أنّها حديثة، وهذا هو ما يكشف عنه التبنّي الرسمي من قِبَل الدولة لخرافة الإعجاز العلمي في القرآن، وهو ما تمثّل في الدورات التدريبية التي تجريها وزارة التربية والتعليم، عن طريق المراكز الاستكشافية للعلوم، في الإعجاز العلمي للقرآن والسنة، التي تهدف، كما تقول الأخبار: "عرض حقائق الإعجاز بأسلوب علمي مقنع، وذلك في إطار إيمان وزارة التربية والتعليم، والتعليم الفني، بأهمية إعداد جيل من العلماء والباحثين، من خلال إقامة الندوات، والحوارات العلمية مع كبار العلماء". إذاً، تهتم وزارة التربية والتعليم بإعداد جيل من الشباب المقتنعين بما يسمى "الإعجاز العلمي في القرآن"، وكذلك السنّة.

واللّافت للنظر هنا؛ إضافة السنة على أنّها كاشفة لإعجاز علمي، وهو الأمر الذي له دلالة عميقة. صحيح أنّ رواد ما يسمى بالإعجاز العلمي في القرآن كانوا، في الغالب، من المصريين، أمثال: عبد الرزاق نوفل، ومحمد جمال الدين الفندي، وأحمد شوقي إبراهيم، وعمر عبد الكافي، وأشهرهم زغلول النجار، إلّا أنّ القول بإعجاز علمي في السنة، هو نتاج للعقلية السلفية الوهابية المقدِّسة للأحاديث إلى درجة العبادة.

إنّ القول بوجود إعجاز علمي في القرآن يُخرج القرآن عن مقصده الأصلي، وهو أن يكون كتاب هداية للناس

وعندما تقيم وزارة التربية والتعليم دورات تدريبية عن "الإعجاز العلمي في القرآن والسنة"؛ فهي بذلك تكون متناسبة تماماً مع الغزو السلفي للمجال العام المصري، ومخلصة تماماً لتوجهات بعينها، وقد كان الترويج لما يسمى بالإعجاز العلمي في القرآن والسنة، جهداً مقتصراً على التيارات الدينية بمساعدة مموّليها، في التسعينيات، لينتهي الأمر عند تبنّي الدولة رسمياً لخرافة الإعجاز العلمي.

والحقيقة أنّ فكرة الإعجاز العلمي ليس لها أيّ سندٍ، في العقل أو في الشرع، فقد اتّفق علماء الدين القدماء على أنّ الإعجاز الموجود في القرآن، هو الإعجاز البياني البلاغي اللغوي وحسب، ولم يكن أحد ليسمع عن إعجاز علمي في القرآن إلّا في عصرنا هذا عصر العلم. إنّ القول بإعجاز علمي، هو جزء من التوجه الذي بدأ ينتشر منذ أوائل القرن العشرين، ويحاول البحث في القرآن عمّا يؤيّد كلّ فكرة جديدة، أو أيديولوجية ناجحة، فقد تمّ البحث عن الاشتراكية في الإسلام، والرأسمالية الوطنية في الإسلام، والعدالة الاجتماعية في الإسلام، وأخيراً البحث عن حقوق الإنسان في الإسلام.

ينتمي البحث عن العلم الحديث ومكتشفاته في القرآن إلى هذا التوجه، ومن أكبر مثالبه؛ أنّ الطرف الثاني، المراد البحث عن أصله أو جذوره في القرآن، هو الأصل في الحقيقة، ويكون القرآن ملحقاً به؛ فالبحث عن الاشتراكية، أو العدالة الاجتماعية، أو حقوق الإنسان، أو الإعجاز العلمي، يجعل كلّ هذه الأطراف هي الأصل؛ لأنّ الواقع والتقدم الاجتماعي والعلمي، هو الذي فرضها، ثم من هذا الأصل، يتم الانطلاق إلى البحث عن "أصل" هذا الأصل في القرآن، أو السنة.

إن فكرة الإعجاز العلمي  في القرآن ليس لها أيّ سندٍ في العقل أو في الشرع

إنّ القول بوجود إعجاز علمي في القرآن، يُخرج القرآن عن مقصده الأصلي، وهو أن يكون كتاب هداية للناس، والحقيقة أنّ خير من نستعين به لتوضيح عدم مناسبة البحث عن إعجاز علمي في القرآن، هو الإمام أبو إسحاق الشاطبي (ت 790 هـ)، صاحب كتاب "الموافقات في أصول الشريعة"، والمؤسّس لعلم مقاصد الشريعة، فمن بحثه في هذه المقاصد؛ يتّضح لنا أنّ ما يسمّى "الإعجاز العلمي" لم يكن من مقاصد الشريعة، وبالتالي، فالبحث فيه عديم الفائدة، نظراً إلى عدم وجود مثل هذا الإعجاز في القرآن، ناهيك عن السنة.

يرفض الشاطبي الاستعانة في التفسير والفقه بأي علم لا يترتب عليه عمل، ولا يعترف إلّا بالعلم النافع من جهة الشرع وحده؛ أي العلم الذي يفيد فهماً لآية، أو ينفع في تطبيق حكم شرعي ما. ولا يعني هذا أنّ الشاطبي يرفض كلّ العلوم غير الشرعية؛ بل يعني أنّه يرفض الاستعانة بالعلوم الطبيعية، ومعها المنطق والفلسفة في تفسير القرآن. يقول الشاطبي في ذلك: "كلّ مسألةٍ لا ينبني عليها عمل، فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي" (الموافقات ج/1، ص 24). ما له دلالة النسبة إلى موضوع الإعجاز العلمي، أنّ الشاطبي يستدل على صحة حكمه هذا، بتناول بعض الآيات المسماة "كونية"، وهي الآيات التي يستند إليها دعاة الإعجاز العلمي، لكنّ الشاطبي يقول عنها: إنّ الله صرف الناس عن البحث فيها نحو العمل، مثل الآية: " يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ " (البقرة 189)؛ فلم يجبهم القرآن بعلوم الفلك عن السبب في تحوّل القمر إلى هلال وبدر؛ بل صرفهم عن هذا السؤال إلى ما فيه عمل، وذكّرهم بفائدة التقويم القمري للحج. ويتناول الشاطبي آية كونية أخرى، ناهياً عن الخوض فيها، أو السؤال عنها: "ولمّا كان السؤال في محافل الناس عن معنى {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (1) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (2)} (المرسلات: 1 - 2)، يشوّش على العامة من غير بناء عمل عليه، أدّب عمر ضبيعاً بما هو مشهور. إذاً، تفسير قوله {أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ (6)} (ق: 6)، بعلم الهيئة الذي ليس تحته عمل، غير سائغ؛ ولأنّ ذلك من قبيل ما لا تعرفه العرب، والقرآن إنّما نزل بلسانها وعلى معهودها..." (ج/1، ص 30). كما يرفض الشاطبي الاستعانة بالعلوم الطبيعية، وعلم الهندسة والفلسفة في شرح القرآن؛ لأنّ العرب لم تكن لهم معرفة مسبقة بهذه العلوم، ولأنّ القرآن نزل حسب الأمية وللناس كافة، ومنهم العامة، ومثل هذه التفسيرات لا تفيد العامة في شيء. ومثلما رفض الشاطبي تفسير القرآن بالعلوم السائدة في عصره، فإنّ رفضه هذا ينسحب على تفسير القرآن بعلوم عصرنا، ولنفس السبب، وهو أنّ مقصود القرآن أن يكون كتاب هداية، وأنّ الإعجاز فيه لغوي وحسب.

إنّ قيام وزارة التربية والتعليم المصرية، بعقد دورات لنشر ثقافة الإعجاز العلمي، ليس في صالح العلم أو الدين

هذا إضافة إلى أنّ العقلية التي تبحث عن إعجاز علمي في القرآن، تعامله على أنّه كتاب أسرار، مليء بالرموز والشفرات الخفية، التي لا يستطيع كشفها إلّا أشخاص معيّنون في عصور معينة؛ أي رسالة مشفرة خاصة بهم، تنتظر قدومهم في زمنٍ ما للكشف عنها. هذا التعامل مع القرآن باعتباره يحوي شفرات وألغازاً ورموزاً، يخرج القرآن عن مقصده الأصلي، وهو أن يكون كتاب هداية لكلّ الناس، وبياناً واضحاً لا ترميز فيه ولا أسراراً، وهو تعامل مشابه جداً لتعامل القبالة اليهودية مع التوراة. كلّ ما في الأمر أنّ الآيات المسماة كونية، هي مجرد دعوة للناس كي يتأملوا في مخلوقات الله للكشف عن قدرته، وليس الهدف منها أي إعجاز.

إنّ قيام وزارة التربية والتعليم المصرية، بعقد دورات لنشر ثقافة الإعجاز العلمي، ليس في صالح العلم أو الدين؛ بل هو في حقيقته جزء من أيديولوجيا شبه رسمية، تسير على خطى التيارات الدينية نفسها، لذلك أقول دائماً: إنّ مهمة التنوير في بلادنا صعبة؛ لأنّ القائمين على جهاز الدولة، يشكّلون عقبة أمام هذا التنوير، فقبل تنوير الجماهير، علينا تنوير القائمين على جهاز الدولة أنفسهم.


وسم: