الإسلام الذي أريد (2).. عندما كنّا نعرف الله ولا نعرف المذاهب

الأحد 26 نوفمبر 2017

يُروى في قريتي التي أصبحت مدينة، أنَّ  رجلاً غريباً مرّ بالقرية أوآخر القرن التاسع عشر ونزلَ ضيفاً على أول مضافة رأى أهل القرية يسهرون فيها. مثل أيّ غريبٍ لم يأنسه السكّان؛ أبدوا استغرابهم وثارت الأسئلة في رؤوسهم، "تركي، درزي، ديراوي (من إربد وتوابعها).." حتى نطق لهم باللهجة المصرية وأكدّ أنّه مصريّ، فأطفأ الشك في قلوب الساهرين.

حاولَ رجلٌ متذاكٍ من الجالسين أن يفهمَ مِلّة هذا الرجل، فسأله "هل أنت مُسلم؟" فأكد المصريُّ أنّه مسلم. واصل الرجلُ أسئلته ليطمئن قلب الحضور فقال "هل أنت موَحّد ومن هو محمد؟.."، فأجاب المصريُّ إجابات صحيحة تؤكد إسلامه. انتهت الأسئلة وتأكد الحضور من مِلّة الرجل الغريب وتوحيده. لكنّه كان ذكياً بما يكفي وردّ شكوكهم بسؤال حيّر الحضور كلّهم. سألهم الغريب "كم عدد الأسنان في أفواهكم!!" ثم انهمكوا بالعدّ مختلفين على عددٍ موحدٍ لأسنان رجال في السبعين والستين.

استغلت الجماعات الإسلامية والسلفية بساطة الناس وقلة معرفتهم لنشر المذهبية والتفرقة بين أبناء المجتمع

ما أؤكّد عليه دائماً وأسعى لبسطه أمام المهتمين بتحولات الطابع العام للمجتمع وكيف كان يتعاطى مع الدين ككل، والتمظهرات التي يراها المراقب باعتبارها "تَدّيُناً". كان الناسُ بكل هذه البساطة في مرحلة تمتازُ بأميةٍ مفرطة وتسيبٍ أمني وحروبٍ وغزواتٍ سلفية تعدّ على نار هادئة لتتجلى في القرن القادم (العشرين). هذه القصة -الموثقة- تبرهن أنَّنا كنّا في مرحلة التدين السهل دون عبثٍ أو اطلاعٍ على المذاهب الأربعة أو الفرق السبعين. قبل التعرف على اصطلاح الفرقة الناجية التي عززتها الجماعات الإسلامية وأكدّت أنّ الناجين معهم والضالين من يرفضون الانضمام لهم والإيمان برؤيتهم للحياة والدين.
لم يكن ببال الساهرين البسطاء أنّ الفِرَق والمذاهب هي التي ستحكم حياتهم وأنماط تعاطيهم مع الحياة بعد سنوات، كان الدينُ واحداً يلخصهُ المتدين بتصديق الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- وتوحيد الله. لم يكن العاصي هالكاً ومآله النار، لم يكن اصطلاح الكافر وارداً ولم تعرف القرية غير المسلمين لتقول إنَّ غير المسلم مثلنا ويشاركنا لقمتنا وتاريخنا وجغرافيتنا، لكن غير المسلم ليس كافراً بنظرهم، هم فقط لا يعرفونه ولم يحتكوا به، على الأقل؛ لأنّهم لا يعرفون عدد أسنانهم.

مات جدي لا يعرفُ مذهبه، كان يسمع "على مذهب الإمام الشافعي"؛ إذ عقد أحد أبناء الحيّ قرانه، ربما كانوا يحسبون الإمام الشافعي كاتب أول عقد زواج، أو عالم دين مختصّ بالزواج، أو أول متزوج في الإسلام. ليسَ مهماً أن يعرفوا، المهم أنّهم يعرفون محمد ويوحدون الله. وعلى صعيد التوحيد، ذهبَ طالبان من قريتي إلى الشام ليدرسا في الجامعة منتصف القرن الماضي. الأول يدرسُ الشريعة الإسلامية، والثاني يدرسُ القانون، ومثل أي اثنين قرويّين لم يعرفا إلّا المسلمين فقد كانا يصدّقان الخرافة المنتشرة عن الدروز بأنّهم "وثنيون" ولا يوحدون الله كما يُشاع عنهم. في بدايات الدراسة في الشام وبينما يهمّان باجتياز الرمثا وصولاً إلى درعا التقيا بفارسٍ تظهر عليه علامات العنف والغضب الدائم؛ فسألهما عن وجهتهما ودار بينهم حوار أيّ غرباء.

ضمن حوارهم قال لهما الفارس إنّه درزيّ من بني معروف فتوجّسا منه، وعندما سألهما عن دراستهما أجاب دارسُ الشريعة فوراً "أنا وصديقي ندرس القانون" وتنازل عن تخصصه "الشريعة الإسلامية" خوفًاً من أن يقتله الدرزي الذي يتصوره وثنيّاً؛ لأنه لا يعرفه.

مات غالبية أجدادنا دون أن يعرفوا إلى أيّ مذهب يتبعون لأنّ كل ما يهمّهم أنّهم يوحدون الله

غياب المعرفة في هاتين القصتين أكبر ثغرة دخلت منها الجماعات الإسلامية والسلفية المتحجرة، فهم أمام أناس لا يعرفون، ومستعدون لاستقبال أيّ معلومة من خلال أدوات الإقناع "قال الله وقال الرسول"، مجتمع لا يعرف المذاهب؛ لأن الدين الحقّ بلا مذهب، لا يعرف الفِرَق لأنَّ استثمارها لم يكن حاضراً، لا يعرف الآخر ويصدقُ الخرافة.. من هنا انطلقت أرضية غسل الأدمغة وإفراغها حتى من ملائكيتها. من هنا بدأ الوهمُ والرعب وتشوه العقل الجمعي.

 


وسم:

    اترك ردا