الإخوان المسلمون.. والديمقراطية

الاثنين 27 نوفمبر 2017

رغم المشاركة المتعددة، للإخوان المسلمين في الانتخابات النيابية والعامة، والإنتاج الفكري، الذي قدّمه بعض قادة الجماعة ومفكريها مثل؛ راشد الغنوشي، والمتقبل والملتزم بالديمقراطية، فإنها (ديمقراطية الإخوان) مقولة ينقضها كثير من الوقائع والأدلة.

الإخوان يتقدّمون للنّاس وصناديق الاقتراع، بمقولة الحق الذي نزل من السماء، وتأييدها واجب ديني لإقامة شرع الله، وهذا يناقض الديمقراطية

فالجماعة تتقدم إلى الناس وصناديق الاقتراع، بمقولة الحق الذي نزل من السماء، وأنّ تأييدها هو واجب ديني لإقامة شرع الله، وهذا يناقض الديمقراطية من أساسها، ويجهض فلسفة الانتخاب والتصويت، فالديمقراطية تقوم، وعلى نحو مشروط، على "النّسبية وعدم اليقين" بمعنى الجدل بين الأفكار والبرامج، وأنّها جميعها "إنسانية" قابلة للمراجعة، ويحقّ لها جميعاً فرص متساوية من الحرية والتعبير عن نفسها والتقدم إلى المواطنين، وأنّ اختيار فكرة أو مجموعة لا يعني صوابها ولكن لأنّها حظيت برأي الأغلبية.
فالانحياز، لفكرة أو حزب في الانتخابات، لا يعني ضلال أو بطلان الأفكار والأحزاب الأخرى، ولم يكن انتخابها لأنّها "أمر إلهي" فهذا الاعتقاد وإن كان يحتكم إلى صناديق الاقتراع يضرّ ضرراً كبيراً وبليغاً بالدّين والديمقراطية معاً، فالحق النّازل من السماء ليس موضوعاً لتصويت الناس، وإنْ كانت الجماعة تقدم نفسها على أنّها تمثل مطلباً دينياً فلا يمكن أن تكون مؤمنة بذلك وهي تتقدم بها إلى الاختبار في الصناديق، أو أنّها لا تؤمن بالانتخاب والتصويت، ولا تراه حجة مرجحة لاختيار أو استبعاد البرامج والسياسات.

الانحياز، لفكرة أو حزب في الانتخابات، لا يعني ضلال أو بطلان الأفكار والأحزاب الأخرى

لم تقدّم الجماعة أفكارها وبرامجها على أنّها عمل إنساني قابل لأن يكون خطأ أو صواباً، ولم تتعامل مع الأمة -  الشعب باعتباره مصدر السلطة والولاية الذي يقرر ويحسم السياسات والتشريعات.
والجماعة في بنيتها الفكرية والتنظيمية ليست قائمة لأجل المشاركة السياسية والتقدم إلى الانتخابات العامة على أساس أفكار وأهداف تدعو إليها علناً وبوضوح، ولكنها تعمل وفق فلسفة وآليات تتناقض جوهرياً مع المجتمعات ومنظماتها الاجتماعية، وتتناقض أيضاً مع فلسفة الأحزاب السياسية وطبيعة عملها وأهدافها.

لم تقدّم الجماعة أفكارها وبرامجها على أنّها عمل إنساني قابل لأن يكون خطأ أو صواباً

فهي تدعو إلى نفسها باعتبارها جماعة دينية تمثل الفهم والتطبيق الصحيح للدين، وتجند الأعضاء والأتباع والمؤيدين ضمن طقوس ومبادئ وأنظمة معقدة غير ديمقراطية وغير إسلامية، وتتدرج في ترتيب علاقة الأعضاء بالجماعة على أسس من الولاء المطلق و"البيعة"، وهي في أساليبها وطريقة عملها الداخلية مختلفة عن الجماعات الاجتماعية والدعوية المفتوحة التي تعمل لأجل فكرة أو تسعى إلى التأثير على الدولة والمجتمعات باتجاه أهداف واضحة محددة دون مشاركة مباشرة، وليست أيضاً حزباً سياسياً يسعى إلى تشكيل الحكومات والمشاركة فيها والتأثير في السياسة والتشريع وفق أسس وأفكار ومداخل قانونية وواضحة كما هو حال الأحزاب السياسية.
ولكنها أقرب في عملها وتنظيمها وحشدها للأعضاء والمؤيدين إلى الجماعات السرية والباطنية، وتنشئ ولاء للجماعة وقادتها قائماً على الاتباع والتضحية والسمع والطاعة، وتعتمد في تأثيرها وعلاقاتها مع المجتمع والدولة على أساس ولاء أعضائها ومؤيديها.

"الجماعة" تخترق المؤسسات والديناميكيات لتحولها في خدمتها وخدمة مؤيديها وأفكارها

وهذا الأسلوب في العمل يلحق ضرراً بالغاً بالمجتمعات والدول، فالمجتمعات تنشئ مؤسساتها ومنظماتها المستقلة بهدف تمكين المجتمعات من التأثير والمشاركة في الحياة العامة وتأمين احتياجاتها وأولوياتها وحماية نفسها في علاقتها مع القطاع الخاص والحكومة على النحو الذي يحقق التوازن والتأثير المتبادل، وبذلك فإنها تنشئ وتشارك وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية والدينية، والجمعيات التي تطور فرص المجتمعات وقدراتها وتحمي المستهلك والمواطن من الدولة والشركات، وتدير وتنظم البلديات والنقابات على أساس تقديرها لمصالحها وأولوياتها، ولكن "الجماعة" تخترق هذه المؤسسات والديناميكيات لتحولها في خدمة الجماعة ومؤيديها وأفكارها، وأسوأ من ذلك فإنّها تسفّه فلسفتها وأهدافها المنشئة من كونها منافع حياتية لتحولها إلى تعاليم دينية غامضة مستقلة عن حياة الناس وفرص المجتمعات في الاستقلال والتأثير.

لا تكاد تُعرف للإخوان مساهمة فكرية أو ثقافية أو فنية تذكر

لا تشكل الجماعة في طريقة عملها وتشكيلها الداخلية حالة ديمقراطية أو اجتماعية أو سياسية، فهي ليست ديمقراطية في إدارتها وقيادتها وآليات عملها واختيار القادة، كما أنّها لا تساوي في العضوية والقيادة بين الرجال والنساء؛ بل تحرم النساء نهائياً من حق الانتخاب والترشح، وتحرم الشباب أيضاً حتى سنّ متقدمة من الانتخاب والمشاركة، ولا تمثل الهيئات العمومية فيها سلطة كافية على هيئاتها القيادية، ولا تقدم المعلومات الأساسية والكافية لإقرار خططها وبرامجها، ولا تجري الانتخابات الداخلية فيها وفق آليات ديمقراطية واضحة قابلة للرقابة عليها أو الطعن فيها، ولا تخضع في قراراتها لسلطة جهة سيادية قضائية أو اجتماعية محايدة، ولا تقدم بوضوح مواردها وميزانياتها، ولا يخضع أداؤها المالي لتدقيق حسابات ومراجعة قانونية صحيحة وكافية سواء أمام الأعضاء أو الجهات السيادية والقانونية، .. وهكذا فإنّ الدول والمجتمعات في مواجهة جماعة كبيرة تملك موارد كبيرة غير واضحة ولا معروفة وتحشد عدداً كبيراً من الأعضاء والمؤيدين الموالين لها وليس للدين والأوطان بعامة، ويتبعون تعليمات الجماعة وقيادتها، ثم تجري تغطية هذه الحالة السرية المعقدة بسلوك ديمقراطي في المشاركة في البرلمان والبلديات والنقابات.

هناك محاولات ثقافية محدودة للإسلاميين، ومن ملامحها حظر الموسيقى والاختلاط وتهميش دور النساء

وبذلك فإنّ خيارات المجتمعات وفرصها في التأثير وإدارة مواردها ومؤسساتها تتعرض ليهمنة كبرى بعيدة عن وظيفتها الأساسية ولا تعود تعمل باتجاه تشكل المجتمعات حول أولوياتها ومصالحها، ولا ينشأ جدل في ذلك يطور أداءها ويخضعه لمراجعة موضوعية، ولكنها تقع تحت وصاية جماعة أقرب إلى السرية والغموض!.
وتلحق الجماعة ضرراً كبيراً بالثقافة والفنون، وهي منظومة مازالت في حالة هشة وبحاجة إلى رعاية ودعم لتمكن المجتمعات والدول من الارتقاء بنفسها وتعزيز الديمقراطية والمشاركة العامة وترسيخها، فلا تكاد تُعرف للإخوان مساهمة فكرية أو ثقافية أو فنية تذكر، برغم أنّ الطبيعة الاجتماعية والدعوية للجماعة يفترض أن تجعل الثقافة والفنون أهم مرتكزاتها في الخطاب والعمل والتأثير!. ولا توجد أيضاً رؤية ثقافية واضحة، لكن هناك محاولات ثقافية محدودة للإسلاميين، ومن ملامحها حظر الموسيقى والاختلاط وتهميش دور النساء. وليس لهم نتاج ثقافي من الرواية والشعر والقصة أو الفنون التشكيلية والمسرحية أو السينما أو الموسيقى؛ هناك أمثلة قليلة وقديمة جداً لأعمال شعرية وروائية.
وبالطبع، فإنّها حالة تدعو إلى الخوف والقلق الكبير من وجوه عدة: أنّه لا أمل بارتقاء ثقافي وفني على يد الإخوان المسلمين، وهناك خوف من مواقف الإخوان المسلمين تجاه الثقافة والفنون، مثل؛ زيادة الرقابة الاجتماعية والدينية وتشددها، أو توجيه وتشكيل الثقافة على نحو رجعي، كحظر الموسيقى ومشاركة النساء، وربما ينشئون هم أيضاً برامج ثقافية وفنية تخلو من الموسيقى والتجارب والمنجزات الفنية العالمية الإنسانية. وسوف يصيب ذلك الثقافة بالخواء والهزال، وهي ابتداء في حالة صعبة.

يجب علي العرب والمسلمين أن يقدموا منظومة فكرية وثقافية قابلة للاندماج في العالم وتوقف العدائية والرفض

لماذا يكون الخوف على مصير الثقافة والفنون أمراً بالغ الأهمية ويدعو إلى القلق؟ لأن الحال الثقافي والفني في حالة صعبة ولا يسر كثيراً وبدون مزيد من التدخل الاجتماعي والديني والمعوقات والصعوبات، لكن مصدر الخوف هو التراجع الكبير في تقدير دور الثقافة والفنون في النهضة والإصلاح، فذلك لا يؤدي فقط إلى إصابة الحياة الاجتماعية واليومية بالخواء وتريف المدن والمجتمعات المدينية، ولكنه يؤدي أيضاً إلى سلسلة من الكوارث والأزمات، مثل؛ الروابط العشائرية والقرابية والدينية في العمل السياسي والنقابي. لنتخيل كيف يكون حال النقابات المهنية في ظل تنافس قائم على العشائرية والجهوية والدينية! ولنتخيل الحال السياسي والاجتماعي عندما ينقسم المحامون والأطباء والمهندسون والصيادلة والزراعيون والصحفيون والمعلمون على أسس وروابط لا علاقة لها بالمهن ولا بالعمل العام، ويؤدي أيضاً إلى العنف المجتمعي، وأهم من ذلك بكثير عندما يغيب الإبداع كقيمة ومورد، وما يعنيه ذلك من تراجع شامل في الاقتصاد والأعمال والمهن والعمارة والتخطيط في مرحلة يعتمد فيها الاقتصاد العالمي والوطني أيضاً على المعرفة والإبداع! ولذلك، فإنّ الثقافة والفنون والإبداع يجب أن تحتل اليوم أهمية قصوى أكثر من أي مرحلة سابقة.

لا أمل بارتقاء ثقافي وفني على يد الإخوان المسلمين، وهناك خوف من مواقف الإخوان المسلمين تجاه الثقافة والفنون

ولا تساعد ولا تصلح في بناء علاقة وتفاهمات جديدة مع الغرب والعالم، ففي هذه المرحلة من الخوف والقلق المتبادل بين العالم الإسلامي والغرب بخاصة والعالم بعامة بعد صعود العنف المنتسب إلى الإسلام، وفي مرحلة العولمة والاعتماد المتبادل بين الأمم والدول والمخاوف والمصالح المشتركة يحتاج العالم الإسلامي لبناء منظومات سياسية وثقافية تعزز الثقة وتخفض أسباب التوتر والقلق.
العرب والمسلمون بحاجة اليوم إلى مراجعة شاملة تجعلهم مقبولين في العالم على النحو الذي يحمي مصالحهم وعلاقاتهم ويعزز أيضاً التفاهم العالمي والعلاقات الدولية، وهم في ذلك يفترض أن يراجعوا ثقافتهم المنشئة لفهم الآخر والعلاقة معه، وبطبيعة الحال يجب عليهم أن يقدموا منظومة فكرية وثقافية قابلة للاندماج في العالم وتوقف العدائية والرفض، ويشمل ذلك أسلوب الحياة والتفكير والفنون والموسيقى، والفردية، والمساواة والحريات الدينية والشخصية والاجتماعية، والاعتراف بالآخر واحترامه وقبوله، والتسامح، وحياد الدولة تجاه الدين، وحياد الدين تجاه الدولة، والتعددية الثقافية والدينية، ويبدو صعباً القول: إنّ الإخوان يساعدون الدول والمجتمعات العربية في ذلك.


وسم:

    اترك ردا