استعلاء الإيمان.. الإسلام السياسي وبناء الشعور بالأفضلية والاشمئزاز من الآخر

الاثنين 13 نوفمبر 2017

تشكل حول مفهوم استعلاء الإيمان الذي أطلقه سيد قطب في كتابه "معالم في الطريق" متوالية من العلاقات وأنماط السلوك القائمة على الشعور بالأفضلية والاشمئزاز من الآخر، وربما يكون صحيحاً القول إنّ مبتدأ المفهوم هو الاعتزاز بالإيمان والدين، لكنه تحول إلى تأسيس للأفكار والمشاعر والمعتقدات التي تسوغ العنف والكراهية، وتجعل رفض الآخر بمن هو ليس من جماعة الإسلام السياسي ركيزة دينية، ويمكن تقدير متوالية الحماس والتأييد للعنف والكراهية ورفض الآخر ثم القتل بلا شعور بالخطأ أو الإثم بل النظر إلى العنف والقتل باعتباره عملاً عظيماً وقربة إلى الله.

تمثل حالة "استعلاء الإيمان" التي تؤكد عليها فئات واسعة من المتدينين والجماعات الدينية المتشددة والمعتدلة والمقاتلة على السواء حالة نموذجية لاستثارة وتأجيج مشاعر الكراهية والاشمئزاز من الآخر، ثم تؤسس هذه الحالة، بطبيعة الحال، إلى بناء هوية متماسكة ترفض ما عداها وتحرض على تدميره بلا تردد أو شعور بالخطأ أو الإثم.
يصف سيد قطب في كتاب "معالم في الطريق" المؤسس لجماعات الإسلام والتدين السياسي والقتالي حالة استعلاء الإيمان التي يمتلئ بها "المؤمنون المفترضون" في أنّها الاستعلاء على كل صنوف الأذى والشهوات والمغريات والطواغيت في كل الظروف والأحوال استلهاما للآية القرآنية "ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين" ويؤكد أنّها حال استعلاء لا تقتصر على الجهاد والقتال والنصر والهزيمة في الميادين العسكرية، "ولكن حقيقة هذا التوجيه ومداه أكبر وأبعد من هذه الحالة المفردة، بكل ملابساتها الكثيرة. إنه يمثل الحالة الدائمة التي ينبغي أن يكون عليها شعور المؤمن، وتصوره، وتقديره للأشياء والأحداث، والقيم والأشخاص سواء".

تمثّل حالة "استعلاء الإيمان" لدى الجماعات الدينية المتشددة والمعتدلة والمقاتلة على السواء حالة نموذجية لاستثارة وتأجيج مشاعر الكراهية والاشمئزاز من الآخر

ويحدد محتوى واتجاهات هذا الاستعلاء على قوى الأرض وقيمها  وتقاليدها وقوانينها وأوضاعها الحائدة عن منهج الإيمان أو لم يصنعها الإيمان، وهو موقف لا يتردد ولا يهادن ولا يصالح ولا يساوم، إنّه "ليس مجرد عزمة مفردة، ولا نخوة دافعة، ولا حماسة فائرة، إنما هو الاستعلاء القائم على الحق الثابت المركوز في طبيعة الوجود. الحق الباقي وراء منطق القوة، وتصور البيئة، واصطلاح المجتمع، وتعارف الناس" .. في مواجهة التصورات السائدة والأفكار الشائعة، "ويقف في وجه المجتمع ومنطقه السائد، وعرفه العام، وقيمه واعتباراته، وأفكاره وتصوراته، وانحرافاته ونزواته .. يشعر بالغربة كما يشعر بالوهن، ما لم يكن يستند إلى سند أقوى من الناس، وأثبت من الأرض، وأكرم من الحياة."
وهذا الاستعلاء "ينظر من عَلٍ إلى القوة الطاغية، والقيم السائدة، والتصورات الشائعة، والاعتبارات والأوضاع والتقاليد والعادات، والجماهير المتجمعة على الضلال." فالمؤمن هو الأعلى من كل ما يقدمه "ذلك الركام من التصورات والعقائد والمذاهب، سواء ما جاءت به الفلسفات الكبرى قديما، وما انتهت إليه العقائد الوثنية والكتابية المحرفة، وما اعتسفته المذاهب المادية الكالحة"
والمؤمن "حين يراجع كل ما عرفته البشرية قديماً وحديثاً، ويقيسه إلى شريعته ونظامه، فسيراه كله أشبه شيء بمحاولات الأطفال وخبط العميان، إلى جانب الشريعة الناضجة والنظام الكامل. وسينظر إلى البشرية الضالة من عَلٍ في عطف وإشفاق على بؤسها وشقوتها، ولا يجد في نفسه إلا الاستعلاء على الشقوة والضلال".

أنشأ الإسلام السياسي  تفاعلاً بين مرارة الهزيمة والفشل وبين التعالي عليها من مشاعر التميز والأفضلية

ولا يغير من موقف "المؤمنين" كل ما عليه الآخر حتى وهو مؤمن مثله ويصلي ويصوم ولكنه "آخر" جاهلي "فهي حكمة الله أن تقف العقيدة مجردة من الزينة والطلاء عاطلة من عوامل الإغراء، لا قربى من حاكم، ولا اعتزاز بسلطان، ولا هتاف بلذة، ولا دغدغة لغريزة، وإنما هو الجهد والمشقة والجهاد والاستشهاد؛ ليقبل عليها من يقبل، وهو على يقين من نفسه أنه يريدها لذاتها خالصة لله من دون الناس، ومن دون ما تواضعوا عليه من قيم ومغريات، ولينصرف عنها من يبتغي المطامع والمنافع، ومن يشتهي الزينة والأبهة، ومن يطلب المال والمتاع، ومن يقيم لاعتبارات الناس وزناً حين تخف في ميزان الله .
إنه على الحق .. فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ وليكن للضلال سلطانه، وليكن له هيله وهيلمانه، ولتكن معه جموعه وجماهيره .. إن هذا لا يغير من الحق شيئاً، إنه على الحق وليس بعد الحق إلا الضلال، ولن يختار مؤمنٌ الضلالَ على الحقِ - وهو مؤمنٌ - ولم يعدل بالحق الضلال كائنة ما كانت الملابسات والأحوال .
مرجح بالطبع أنّ من يقرأ هذه النصوص المتدفقة في بيان موسيقي مؤثر ومدهش أنّه سيجد نفسه، ومشاعره السلبية وهمومه، بسبب الفشل والعجز عن الاندماج أو شعوره بالذنب أو التقصير، قادراً على أن يكون نقياً وخالصاً من كل نقص حين يحول عيوبه ومشاعره إلى بطولة وإنجاز. لقد أنشأ الإسلام السياسي تفاعلاً بين مرارة الهزيمة والفشل وبين التعالي عليها من مشاعر التميز والأفضلية، وجاء هذا التفاعل في لحظة مواتية بسبب الهزائم العسكرية والفشل الاقتصادي والاجتماعي للدول والمجتمعات العربية والإسلامية، وبدلاً من بناء استجابة إيجابية لفهم المشكلات والحلول ومواجهة التحديات، فقد أنشأ حالة نكوص يحسبها أصحابها فضيلة.


وسم:

    اترك ردا