احتجاجات إيران.. الخطوة المهدورة هل تتكرر؟

الخميس 18 يناير 2018

من "طوس" القديمة مرقد الخليفة الرشيد، والولي الإمام الثامن علي الرضا، ومدينة العلامة الشيعي أبو جعفر بن الحسن الطوسي والعلامة السني أبو حامد الغزالي؛ أي من "مشهد" ثانية مدن إيران اتساعاً وسكاناً، والتي انطلقت منها الخطوة الأولى نحو التحرر والإصلاح.
كثيرون تماسكوا قبل الإدلاء بأية تصريحات قد تبدو خطأ في صيرورة الحدث الإيراني، فالنظام الذي يمتلك رصيد سنوات طويلة من القمع والديكتاتورية والاستبداد، يستطيع أن يصيب آمال الناس في مشهد وغيرها بالخيبة، إذا كان ذلك تهديداً مباشراً لسطوته وسلطته ونظامه واستمراريته.
تناولت "حفريات" في تقارير سابقة لها، مشهد الاحتجاجات الإيرانية برمّتها؛ أسبابها ودوافعها، لكن، بقي سؤال، هل يمكن لهذه الخطوة الإصلاحية المهدورة أن تتكرر، سيما وأنّ أسبابها باقية وتتمدد ربما، من الاقتصاد المرهون بأيدي المحافظين إلى تحكم الحرس الثوري، كل هذا بالرغم من شراسة المواجهة من قبل النظام وأجهزته القمعية؟
 أبو جعفر بن الحسن الطوسي

الفقر أولاً
سبعة ملايين عاطل عن العمل في طهران وحدها، الملايين من الأموال التي فقدها أصحابها جراء أزمة بنكية صنعها المحافظون الذين يمسكون بزمام المال والأعمال، ملايين الفقراء، والطبقة الوسطى التي دخلت منذ زمن بعيد خط الاهتراء والمعاناة وقلق التلاشي، كل ذلك أسباب يعتبرها محللون جوهرية وقوية لبقاء فرص الاحتجاج وتكرار الخطوة.

يتساءل البعض: لماذا تلاشت الاحتجاجات، يجيب آخرون؛ لأنها جاءت من خلال الفقراء البعيدين عن التسييس

وحين يتساءل البعض عن: لماذا تلاشت الاحتجاجات، يجيب آخرون؛ لأنها جاءت من خلال الفقراء البعيدين عن التسييس؛ ولأن النخب السياسية القليلة التي شاركت جاءت متأخرة، ولأن -بحسب البعض- الاحتجاجات انتقلت من الهدف المعيشي إلى الأهداف السياسية، بشعارات عالية الوتيرة ابتداءً من التنديد بالفساد والتعبير عن السخط جراء الوضع الاقتصادي، وصولاً إلى حرق صورة المرشد ومسؤولي النظام وإحراق مقرات للباسيج وبعض البنوك الحكومية التي صادرت أموال مواطنين بحجة الإفلاس، إلى إسقاط النظام ورحيل المرشد علي خامنئي.
السؤال الأكثر جدوى الآن والذي يطرح بخجل ربما،.. هل تتكرر الاحتجاجات، وكم تحتاج من وقت وأزمات كي تعود أقوى وأكثر إصراراً على التعبير عن بؤس الشعب وخيباته ومعاناته؟

سبعة ملايين عاطل عن العمل في طهران وحدها

جمر تحت الرماد
صحيفة "البيان" الإماراتية كانت قد رصدت المشهد الإيراني، معتبرة أنّ نظام المرشد في "أزمة خطيرة"، في حين يتجاهل هذا النظام كل النداءات من كل مكان في العالم من أجل الحوار، فكان هذا الرصد الموجز قراءة دقيقة لعمق الأزمة وخطورتها، حتى لو تم كبح جماح المحتجين بالقوة، تبقى الخطورة قائمة كالجمر تحت رماد الفساد والاستبداد.
الدكتور نبيل العتوم، وهو أكاديمي وباحث في الشؤون الإيرانية، أوضح لـ "حفريات" أنّ شرعية النظام الإيراني "بدأت بالتآكل"، وكانت الاحتجاجات بمثابة الخطورة الخطيرة، التي أنتجها "34" مليون إنسان تحت خط الفقر، مقابل (6-7) مليارات تنفقها الدولة الإيرانية في سوريا على حرب طائفية دينية بامتياز.

كثير من التحليلات أشارت إلى أنّ الغضب في إيران مرشح للتطور منها ما نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية

ولفت العتوم إلى أنّ "إمكانية الانفجار تبقى متاحة، في أية لحظة، ليس بفعل مؤامرة خارجية، كما يحاول النظام الإيراني تسويقها؛ بل نتيجة لبؤس الحالة الداخلية التي باتت على صفيح ساخن.
من جانب آخر، قال الإعلامي الروسي البارز "مكسيم شيفشينكو" في حوار لـ"روسيا اليوم"، لدى سؤاله عما إذا كان يجدر انتظار موجة جديدة من الاحتجاجات في إيران في وقت قريب، قال: "القيادة الدينية سيطرت على الوضع في العموم، لكن حسبما أعتقد يمكن أن تندلع بؤر احتجاج".
كثير من التحليلات أشارت بثقة -أحياناً- إلى أنّ الغضب في إيران مرشح للتطور، منها ما نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، معتبرة أنّ الاحتجاجات، ربما لا تكون سوى البداية. لأسباب تعود إلى أنّ المجتمع الإيراني بات لا يستطيع تحمل التغاضي عن حتمية التغيير، سيما وأنّ الظروف والمعطيات الدافعة لهذا التغيير ماثلة أمامه، يعايشها كل يوم، وأنّ الاحتجاجات التي تبدو أنّها انتهت، ستتكرر حتماّ، وأن ما حدث ليس سوى خطوة.
 أصبحت إيران منفصلة عن الواقع الذي يعايشه شعبها داخلياً ومحيطها الإقليمي خارجياً

الانفصال عن الواقع
هكذا حللت صحيفة "عكاظ" في إحدى مقالاتها، انكسارات النظام الإيراني، وأنه أصبح منفصلاً عن الواقع الذي يعايشه شعبه داخلياً ومحيطه الإقليمي خارجياً، وأنّ هذا الانفصال وهذا الشعور الإيراني بالانكسار والعزلة، يفسر أسباب تهافت النظام الإيراني على الاتفاق النووي، باعتباره -أي الاتفاق- كما يرى خبراء معهد واشنطن "يعدُّ أكثر بكثير من مجرد اتفاق تقني".
بقي النظام الإيراني لعقود يعتنق سياسات موروثة من "خميني" إلى "خامنئي" تتصف بالجمود والتمرد، كما يقول "مركز المزماة للدراسات والبحوث" واصفاً إياه بأنّها سياسات اللوح الزجاجي، الذي لا يستوعب أية مرونة. مؤكداً أنّ إيران نتيجة الظروف السائدة والسياسات المشبعة بالتوحش -حسب المفكر السعودي عبدالله الغذامي- ووضع الشعب الإيراني البئيس، تتجه حتماً إلى التغيير.


وسم:

    اترك ردا