إيران: الاحتجاجات المستمرة تربك المحافظين

الأحد 31 ديسمبر 2017

انطلقت احتجاجاتٌ حاشدة، نفّذها إيرانيون، يرفعون شعارات: "الموت للغلاء، الموت للبطالة، الموت لحسن روحاني"، لليوم الرابع على التوالي، ووصلت الشعارات إلى "الموت لخامنئي"، والمطالبةِ بكفّ الدعم عن لبنان، وحماس، والنظام السوري، وعودةِ المقاتلين الإيرانيين من هناك.

بدأت الاحتجاجاتُ في محافظة "كرمانشاه" غربي إيران، ثمّ مدينة "مشهد" الدينية، وبعدها "يزد" في أقصى الجنوب، واتّسعت الاحتجاجات الشعبية، المستمرة منذ أربعة أيام، لتشمل معظم المحافظات الإيرانية، وتشير هذه البداية إلى عكس المعتاد في الاحتجاجات الإيرانية، التي كانت تبدأ دائماً بطهران، إلّا أنّها بدأت من المحافظات الأخرى، ووصل الأمر ببعض مناطق الاحتجاج، مثل مدينة "رشت". وعلى نمط احتجاجات عام 2009؛ التي سميت بـ "الانتفاضة الخضراء"، وقمعها الأمن في حينها.

تشير بداية الاحتجاجات إلى عكس المعتاد في الاحتجاجات الإيرانية التي كانت تبدأ بطهران حيث بدأتْ هذه المرّة من المحافظات الأخرى

وعلى الفور، بدأت الحكومة الإيرانية بوصف الاحتجاجات بأنّها "صنيعة أعداء إيران"، وخرجت مسيرات واسعة لتأييد الحكومة، والردّ على ما وصفتهم صحافة الحكومة الإيرانية بـ "المغرَّر بهم" من جهات أجنبية تعادي إيران، إلّا أنّ الغريب في هذا المشهد؛ ما قامت به شخصيات مهمّة من المحافظين، الذين حاولوا تصفية حساباتهم مع الرئيس روحاني، من خلال الوقوف مع المحتجين في هجومهم على روحاني وحكومته.

وفي الساعات الأخيرة، انتقلت الاحتجاجات إلى مدن ومحافظات إيرانية جديدة، مثل: کرج، شیراز، الأهواز، بندر عباس، کرمان، أردبیل، همدان، أراك، سمنان، زنجان، إلّا أنّ الأمن تدخّل، وفضّها بالقوة، بمساعدة قوات الباسيج، ودخلت الاحتجاجات هذه المدن مساء أمس السبت؛ إذ اعتدى محتجون على أحد مقرات الباسيج في مدينة بندر عباس جنوبي إيران، وفق ما نقلته وكالة "إيسنا" للأنباء.

شهدت مدينة "درود" غرب لورستان وسط إيران خروج آلاف المحتجين وحاولت قوات الأمن أن تفضّ تجمهرهم

وشهدت مدينة "درود"، غرب لورستان وسط إيران، خروج آلاف المحتجين، وحاولت قوات الأمن أن تفضّ تجمهرهم، إلّا أنّهم رفضوا، واشتبكوا مع رجال الأمن، الأمر الذي أدّى إلى وقوع إصابات بين جموع المحتجين، وفق ما تتناقله مواقع المعارضة الإيرانية، وأبرزها موقع "بيك" المعارض.

وحتى مساء أمس السبت، تداول ناشطون وحقوقيون إيرانيون مقاطع فيديو وصوراً، تبين العنف الذي تعرَّض له المحتجّون، وحرق إطارات واعتداءات على مرافق تعود للحرس الثوري وقوات الباسيج، إضافةً إلى إعلانهم عن برامج وخرائط احتجاجات الأيام القادمة، وشعارات تظهر في الفيديو، وتطال علي خامنئي، وولاية الفقيه، والحرس الثوري.

 

تخبط المحافظين في التعامل مع احتجاجات الإيرانيين

عدّت شخصيات كثيرة من تيار المحافظين احتجاجات المواطنين الإيرانيين حقاً مشروعاً للرد على سياسات الدولة الاقتصادية الفاشلة، إلّا أنّ هذه التصريحات تجاوزت بعض الشعارات التي رفعها المحتجون، تحديداً، الشعارات التي طالت كلّ مراكز الدولة.

انطلقت الاحتجاجات من محافظة "كرمانشاه" غربي إيران، ثم مدينة "مشهد" الدينية، و"يزد" في أقصى الجنوب، وبدأت الاحتجاجات الشعبية المستمرة تتوسّع منذ يومين، لتشمل معظم المناطق، ووصل الأمر ببعض مناطق الاحتجاج، مثل مدينة "رشت"، إلى الاعتصامات الليلة، وعلى نمط احتجاجات عام 2009، التي سميت بـ "الانتفاضة الخضراء" لاحقاً، مع اختلاف أسباب اندلاعها، وتطور شعاراتها، ومطالبها، التي مسّت كلَّ مراكز القوى والتيارات في إيران، بما فيها التيار المحافظ الذي بدا مرتبكاً في التعامل مع هذه الاحتجاجات.

شهدت مدينة "مشهد" حضوراً مكثفاً، ضمّ مئات المتضررين من بعض المؤسسات المالية التابعة للحكومة

شهدت مدينة "مشهد" حضوراً مكثفاً، ضمّ مئات المتضررين من بعض المؤسسات المالية التابعة للحكومة، أو التي يملكها مسؤولون إيرانيون، ورفع المحتجون شعارات تدين الفساد المنتشر في كلّ مفاصل الدولة، وفق هتافاتهم في المدينة الدينية الأولى في إيران، التي تعدّ معقلاً لرجال الدين "المحافظين" الذين يسيطرون عليها.

"مشهد"؛ أكثر المحافظات التي تركز فيها الاحتجاج، شهدت ردّات فعل عنيفة من قبل رجال الأمن، ممّا استدعى المحتجين إلى الهتاف ضدّ قوى الأمن قائلين: "اذهبوا يا رجال الأمن، وألقوا القبض على اللصّ"، الأمر الذي قاد مدعي عام مشهد، حسن حيدري، إلى التصريح لوكالة "فارس"، المدعومة من المحافظين، قائلاً: "هؤلاء محض فئة قليلة مخربة".

شعارات عالية السقف

نقلت وكالة "برنا"؛ المدعومة من المحافظين، الخميس 28 كانون الأول (ديسمبر) 2017، شعارات المحتجين في مشهد، التي تطورت حتى وصلت إلى الحكومة، والرئيس روحاني، وواصلت الشعارات تصاعدها حتى تجاوزت الحكومة والرئيس، وبدأت في مدار المرشد خامنئي، وتقويض نظام الحكم.

أظهرت المقاطع المصورة شعارات بسقف مرتفع منها: "اخرجوا من سوريا وفكروا بحالنا"، "لا لغزّة ولا للبنان أرواحنا فداء لإيران"

وأظهرت المقاطع المصورة شعارات جديدة، بسقف أكثر ارتفاعاً، منها: "اخرجوا من سوريا وفكروا بحالنا"، "لا لغزّة ولا للبنان أرواحنا فداء لإيران"، و"استقلال، حرية، إيران".

وعلّق مدير عام مجلس تنسيق الإعلام الإسلامي، محسن محمودي، لوكالة "إيسنا"، المدعومة من الحكومة الإيرانية، على الشعارات التي ردّدها المحتجون: "نحن نميز بين الشعب الصبور المؤمن الثوري المُتْعَب، العاطل عن العمل، المعوز. والمنافقين مثيري الفتن، وطبعاً، لا بدّ من دعم الدولة لهم ومساعدتهم".

الاعتراض من حقّ الشعب

أحد أهم المحافظين في إيران، أحمد علم الهدى، (74 عاماً)، نائب المرشد الأعلى علي خامنئي، وخطيب الجمعة في مدينة مشهد، وعضو مجلس خبراء القيادة الإيرانية، وصديق خامنئي، وصهر المرشح الخاسر في الانتخابات الرئاسية الإيرانية الأخيرة، إبراهيم رئيسي، العضو في "لجنة الموت" التي نفّذت الإعدامات الجماعية في إيران عام 1988، عُرفَ بالتصريحات المتشددة المثيرة للجدل، خصوصاً تجاه الأصوات المطالبة بالحرية، وقد ظهر الجمعة الماضي، أكثر مرونةً، وصرّح حول الاحتجاجات، بقوله: "لا يواجه المحتجّون أيّة مشكلة مع نظام الدولة، هم فقط تحت وطأة الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة".

تتهم صحيفة "كيهان" حكومة روحاني بصناعة هذه الأزمة من خلال سوء إدارة الملف الاقتصادي

ويجدّد علم الهدى هجومه على مريم رجوي، زعيمة منظمة "مجاهدي خلق"، المقيمة خارج طهران: "ليس صحيحاً أنّ بعض المحتجين طالبوا بمغادرة قواتنا العسكرية من سوريا، وأن نفكر بالمواطنين الإيرانيين قبل غيرهم، هذا كلام سيدة عميلة لأمريكا، تتزعم المنافقين مثلها". وأوصى المصلين أن ينتقوا مصادرهم الإخبارية، بعيداً عن إعلام أعداء إيران.

ويؤكّد علم الهدى على دعم المحافظين للاحتجاجات، شرط أن يبقى سقف مطالبهم دون تقويض نظام الحكم، ليضيف في خطبته: "كلّ مطالبكم حقيقية، والانتقاد والتظاهر من حقّكم، لكن علينا أن نفهم رغبة عدوّنا بتوجيه ضربة لنا، علينا ألّا نسمح له بهذا من خلال استثمار هذه الاحتجاجات لمصالحه".

وضمن تخبط المحافظين في دعم، أو رفض، الاحتجاجات، تتهم صحيفة "كيهان"، أهم صحيفة يملكها المحافظون، حكومة روحاني بصناعة هذه الأزمة، من خلال سوء إدارة الملف الاقتصادي، أمّا الاحتجاجات؛ فترى الصحيفة أنّها مجرد منافسة على التكالب ضد السلطة.

واتهمت الصحيفة كلّ وسائل الإعلام الإيرانية، خارج إيران، بأنّها تحمل أجندات للغرب، وتحاول الاستفادة من هذه الاحتجاجات، النابعة من أزمة اقتصادية، وتطلّع المحتجين لحياة معيشية أفضل، لاستغلالها في الجانب السياسي.

صحيفة "كيهان" تنكر الشعارات التي مسّت النظام الإيراني

تضيف صحيفة "كيهان" في مقالها ذاته: "تتلخص الشعارات التي رفعها المحتجون بالاستياء من الحالة الاقتصادية، والضائقة المالية التي يمر بها الناس، كذلك بالوعود الكاذبة التي سمعوها عند ترشح روحاني للانتخابات".

ومن الواضح؛ أنَّ عدد المحافظين المؤيدين للاحتجاجات التي تنتقد الحكومة، ليس قليلاً، ويعدّون هذا تقصيراً من الحكومة، التي لم تقم بواجباتها كما يجب، إلّا أنَّ رفض المحافظين واضح لكلّ الشعارات التي طالت نظام الملالي، وطالبت برحيله.

المجرمون يغيّرون شعاراتهم!

اتهمت صحفية "كيهان" وسائل الإعلام الإيرانية، المدعومة من الحكومة، ببثّ الفتنة، وتغيير شعارات ومطالب المحتجين، لتصبح شعاراتهم خارج سياق المعيشة والفقر، وتتحول إلى شعارات سياسية ستثير الفتنة في البلاد.

أول من استخدم مصطلح "الفتنة"، كان المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران، علي خامنئي، ومؤيديه، إبّان الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها إيران عند انتخابات 2009، وتزعم صحيفة "كيهان"؛ أنّ شعار "لا غزة ولا لبنان" مجرد شعار مكرر من تلك الفترة، وهو من صناعة "إسرائيل"، التي تحرص على بثّه كلّ حين، كما تقول الصحيفة.

يرى الحرس الثوري أنّ هذه الاحتجاجات محاولة لـ"زرع فتنة جديدة في إيران"

ويؤكّد مسؤولو مشهد، المدينة التي يسيطر على تمثيلها المحافظون، أنّ الاحتجاجات بتنظيم عناصر مناهضة للثورة الإسلامية، حتى وصل الأمر بشرطة مشهد إلى استخدام مدافع المياه لتفرقة المحتجين، وصرّح إسحاق جهانجيري، النائب الأول للرئيس الإيراني، أنّ خصوم الحكومة يقفون وراء الاحتجاجات، ويستخدمون مطالب المحتجين لركوب الموجة، وفق تصريحاته لقناة "أي آر أي بي" التابعة للحكومة الإيرانية.

يرى الحرس الثوري، أنّ هذه الاحتجاجات محاولة لـ"زرع فتنة جديدة في إيران"، من البيان الذي أصدره بمناسبة مرور ثمانية أعوام على مرور أحداث "الانتفاضة الخضراء 2009"، مؤكداً على ضرورة التعامل مع المشاكل الداخلية بـ"حكمة، وعدم السماح لزارعي الفتن بضرب القومية الإيرانية، المؤمنة والثورية وصاحبة القيم العاشورائية".


وسم: