أفول نجم زعيم الإسلاميين في المغرب

الأحد 14 يناير 2018

تماماً مثل دون كيشوت، بطل رواية الأديب الإسباني ميغيل دي ثيربانتس سابيدرا، "دون كيخوتي دي لا مانتشا"، مع فارق واحد فقط؛ هو أنّه كائن حقيقي وواقعي، فهو الآخر يخيل إليه، وهو يمتطي صهوة جواده، أنّه يحقّق الإنجازات والانتصارات العظيمة، وغير المسبوقة، على خصومه، الذين أضحى عددهم يتزايد داخل وخارج مقرّات التنظيم، في حين أنّ الأمر ليس كذلك.

فالذين يعرفون عبد الإله بنكيران جيداً، يعلمون أنّه لا يستمد قوته من قاعدة شعبية وجماهيرية بناها، كتلك التي يمتلكها عند كلّ زعيمٍ، أو مسؤول مجالي أو حزبي في الساحة، لكن يستمدّها، منذ أن أطل برأسه، للمرة الأولى، على الحركة الإسلامية، في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، من علاقاته بأجهزة وزارة الداخلية، في عهد الوزير الأسبق إدريس البصري، ويعرفون أيضاً أنّه كان مكلفاً بجمع ما تبقى من جماعة "الشبيبة الإسلامية"، وأنّه كان يتردد على مراكز الاعتقال لجمع توقيعات المعتقلين الإسلاميين ضدّ عبد الكريم مطيع، كما صرّح بذلك الأمين العام لحزب البديل الحضاري المنحل، المصطفى المعتصم.

لم يكن بنكيران موضع ثقةٍ أو مرحباً به منذ البداية وكان الجميع ينظر إليه بعين الريبة والتوجس والشك

لذلك؛ لم يكن موضع ثقةٍ، أو مرحباً به، منذ البداية، وكان الجميع ينظر إليه بعين الريبة والتوجس والشك، حتى أنّه، في كل اجتماعاته وتحركاته داخل الوسط الإسلامي، كان فقط يدافع عن نفسه، وعن علاقاته المشبوهة. لهذه الأسباب سيلجأ بنكيران إلى إغراق التنظيم (الحزب والحركة والعمل الموازي) بأشخاص لا علاقة لهم بالمشروع الإسلامي، حتى يكون له أتباع ومريدون وأغلبية داخل المجلس الوطني للحزب ومجلس شورى الحركة، ليسند إليهم مهام ومسؤوليات إستراتيجية، ومنهم من حوّله، في ظرف وجيز، إلى برلماني وقيادي ووزير. وفي الوقت نفسه، شنّ حملة ضدّ كلّ الذين يزاحمونه، ويشوشون عليه "عمله" من الأعضاء غير المرغوب فيهم، وأغلبهم كان على علاقة برابطة المستقبل الإسلامي، المكون الثاني لحركة التوحيد والإصلاح، من أمثال؛ الراحل فريد الأنصاري، صاحب كتاب "الأخطاء الستة للحركة الإسلامية بالمغرب: انحراف استصنامي في الفكر والممارسة"، تماماً كما فعل مع المعتقل الإسلامي السابق، عبد الله العماري، عندما أبعده ومن معه عن هياكل الحزب، مستعيناً في ذلك بسائر أنواع وأساليب التهييج والتحريض والهمز والغمز واللمز، حتى بدت الحركة التي تزعم "أنّها نموذج متميز لتطبيق مفهوم الشورى الإسلامي على المستوى الداخلي (...) من أقدر التنظيمات الإسلامية على تطبيق "الديمقراطية" بمفهومها السياسي! أعني: الديمقراطية بما هي قدرةٌ سحريةٌ خارقةٌ على إيهام الجموع العامة، والمؤسسات الشورية، بأنّ أعضاءها قد شاركوا، وأنّهم قد عبّروا، وأنهم قد رأوا، وهم، في الواقع، عكس ذلك حتى إنّ المشارك فيها لا يكاد يدرك هل حقيقة هي أم خيال! وما رأيت في حياتي أشبه من شورى الإخوة، أو ديموقراطيتهم، بلعبة الخيط القمارية".

بنكيران هو الآمر والناهي في المشروع الإخواني الذي تقوده حركة التوحيد والإصلاح

حتى المنظمات والمراكز والجمعيات، التي لها علاقة بحزب العدالة والتنمية، مثل: الاتحاد الوطني للشغل، ومنظمة التجديد الطلابي، وشبيبة العدالة والتنمية، ومنتدى الزهراء للمرأة المغربية، ومؤسسة بسمة للأعمال الاجتماعية، وجمعية السلام للأعمال الاجتماعية، ومركز الدراسات والأبحاث المعاصرة، ورابطة الأمل للطفولة المغربية، والمبادرة المغربية للدعم والنصرة، ومجلة الفرقان وغيرها، لم تسلم من اليد الطويلة لبنكيران، وأصبحت هي الأخرى خاضعة، ومتحكماً فيها.

إنّ بنكيران ليس فقط، كما قال المصطفى الرميد، وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان، والعضو البارز في "العدالة والتنمية" في رسالته الأخيرة، "هو الحزب والحزب هو"، إنّه أكثر من ذلك؛ فهو الآمر والناهي في هذا المشروع الإخواني، الذي تقوده حركة "التوحيد والإصلاح".

ويعطي الراحل الدكتور فريد الأنصاري، في كتابه سابق الذكر، صورة تكاد تكون ناطقة لما آلت إليه الأوضاع، فيقول: "انطلقت الحركة الإسلامية توزّع ميراثها على أبنائها في حياتها، لكن النتيجة أنّ كلّ التخصصات التي أُعلن عن ميلادها، ماتت في مهدها، إلّا التخصص السياسي، هو وحده نما وتضخم، واحتل كلّ المساحات الأخرى! فأكلت السباع كلّ شيء (...)، وانسحبت التربية الإيمانية الدافئة من مجالس الإخوان، لصالح التربية السياسية القارسة، ثم انتصبت مرايا الأهواء والشهوات أمام الشباب، فتساقط الفراش على اللهيب، وكانت المأساة، وبدل أن تنتج الحركة الإسلامية، هذه المرة، المؤمنين الربانيين، بمحاضنها الخضراء، بدأت تفرخ عقارب خضراء، اندسّت بخضرتها المموّهة في خضرة العمل الإسلامي، فكان الإسلاميون أنفسهم هم أول من تعرض للسعاتها السامة".

 كلّ تخصصات الحركة الإسلامية ولدت وماتت في مهدها إلّا التخصص السياسي وحده نما وتضخم

أمام هذا الانتشار المدبر والرغبة الجامحة؛ هل كان بنكيران مستعداً للرحيل ومغادرة رأس الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية لو لم يعلم بانتهاء صلاحيته؟ وهل كان مستعداً كذلك ليترك هذا الـ "كرسي"، لو لم يكن يعلم أنّ المرحلة لم تعد تستوعبه، وأنه سقط من الأعين ولم يعد مرغوباً فيه؟

الذي أرسل بنكيران إلى الهامش، ليس نتيجة الاقتراع السري الذي أجري حول المادة 16 من القانون الأساسي للحزب، كما يروج البعض لذلك، وليس مرافعة وزير الدولة المكلف بحقيبة حقوق الإنسان، المصطفى الرميد، التي ألقاها قبل التصويت على المادة المثيرة للجدل، أو مداخلة النائب البرلماني السابق عبد العزيز أفتاتي. إنّها إرادة أخرى أكبر من كلّ ذلك، وأكبر من إرادة الديمقراطية الداخلية الإخوانية، وأكبر حتى من إرادة الحزب نفسه، وما يؤكّد ذلك؛ أنّ بنكيران المعني الأول بالقرار، قال ليلة التصويت على المادة المذكورة، ومباشرة بعد خروجه من القاعة التي احتضنت المؤتمر، كلمة مقتضبة أمام الصحافة: إنّ "مهمة بنكيران في الحكومة انتهت بإعفائه من طرف صاحب الجلالة، ومسؤوليته الآن كأمين عام للحزب، انتهت بعد قرار المجلس الوطني"، وقال أيضاً، ردّاً على استفسار عن رضاه أو رفضه لنتائج التصويت على قبول التعديل، التي حملت 126 رفضاً، و101 قبول، و4 امتناع، "نعم بنكيران راضٍ"، وهي عبارة دالة ومعبرة، توضح مآل من سيتم التعامل معه، عمّا قريب، على أساس أنه الأمين العام السابق لحزب "العدالة والتنمية".


وسم: