أبو القاسم الكاشاني.. هل كانت أمريكا أول من لعب بورقة التشدد الديني في إيران؟

صورة محمد عزت
كاتب مصري

78
عدد القراءات

2018-03-18

لحظات نادرة من الحرية في سماء طهران

في منتصف القرن الماضي، كانت إيران ذات التاريخ العريق، تقطع علاقتها مع الماضي المليء بالتدخلات الاستعمارية، الذي أخرها عن ركب التقدم، وكانت لتوّها تستقل بثرواتها وبرامج إصلاحها، فقد اختار برلمانها زعيماً سياسياً قومياً "محمد مصدق"، أمّم نفط بلاده الذي كانت تذهب جلّ أرباحه للبريطانيين، وشرع في برامج إصلاح زراعي وصناعي واجتماعي، لكن على بعد أميال من العاصمة طهران كان هناك من يدبر لإجهاض مشروع إيران الجديد، ولا يرضى عنه، وسيكشف التاريخ بعد نصف قرن من تلك اللحظة عن كل خفايا وأسرار المؤامرة التي أطاحت بهذا المشروع، عبر وثائق الـ"سي أي إيه"، وسترتبط هذه الوثائق باسم عرف عند العديد من المؤرخين طيلة العقود الماضية بأنه "ملهم آية الله الخميني"، إنه آية الله أبو القاسم الكاشاني.

بذل كلّ من الزعيمين السياسي مصدق والديني الكاشاني مجهوداً كبيراً لتثوير وحشد الطبقتين السياسية والدينية لحرب تأميم النفط

آية الله أبو القاسم الكاشاني، هو المرجع الشيعي، الذي ولد في أسرة دينية، لأب من أشهر علماء الدين الشيعة وأكثرهم عداء للإنجليز، وكان أبو القاسم قد درس العلوم الدينية في النجف بالعراق، ثم عاد إلى إيران ليلعب دوراً سياسياً مضاداً للأسرة القاجارية الحاكمة، وتمّ نفيه ليعود عام 1950 ويتحالف مع مصدق ليشرعا في مسيرة سياسية مثلت في بدايتها وحدة الزعامتين؛ الدينية والسياسية؛ حيث ثوّر الكاشاني الشعب الإيراني ضد السيطرة الغربية على نفط البلاد، مما أعطى للزعيم اليساري محمد مصدق شرعية كبيرة في حربه لتأميم نفط بلاده.

مصدق والكاشاني

محاربة مشروع مصدق.. إنه عدو الإسلام!

بذل كلّ من الزعيمين؛ السياسي "محمد مصدق" والديني "أبو القاسم الكاشاني"، مجهوداً كبيراً وتعاوناً جمّاً لتثوير وحشد الطبقتين؛ السياسية والدينية لحرب تأميم النفط، ومن ثم كان النجاح الكبير في استصدار قانون تأميم النفط الذي صادق عليه حينها البرلمان الإيراني.

حين بادر مصدق، في خطوة ثورية، إلى تأميم شركات إنتاج النفط الإيرانية؛ حيث كانت تخضع للسيطرة البريطانية عبر الشركة البريطانية - الفارسية للنفط، التي لم تكن تعطي سوى قدر قليل للغاية من الأرباح للشعب الإيراني، عدّت بريطانيا، ومن ثم الولايات المتحدة الأمريكية، مصدق الخطر الأكبر عليها في الخليج العربي؛ بريطانيا بسبب النفط، والولايات المتحدة بسبب أنّ مصدق بدا وجهاً شيوعياً في المنطقة، وهو ما قاله دونالد ويلبر، أحد الأعضاء الذين خططوا للانقلاب على مصدق، في وثيقة كتبت بعد الانقلاب بشهور: "كانت هناك تقديرات بأنّ إيران كانت تواجه خطر السقوط الحقيقي خلف الستار الحديدي، وإذا ما وقع هذا، فإنّ ذلك معناه نصر جديد للسوفييت في الحرب الباردة، وانتكاسة كبرى للغرب في الشرق الأوسط".

بدأت الصراعات تدب بقوة بين مصدق والكاشاني فقد اعتبر الكاشاني أنّ مصدق حاد عن طريق الإسلام 

في الوقت نفسه بدأت الصراعات تدب بقوة بين محمد مصدق، والكاشاني، فقد اعتبر الكاشاني أنّ مصدق حاد عن طريق الإسلام وبدأ في التأثر بشدة بالمزاج اليساري الماركسي، ومن ثم بدأ الكاشاني يصفه بأنّه عدوّ للمشروع الإسلامي، وبدأ الكاشاني في سحب دعمه بعيداً عن مصدق.

في الوقت الذي بدأ فيه الكاشاني، والذي كان أهم شخصية دينية في إيران آنذاك، كان الرصاص ينطلق باتجاه أتباع مصدق في الميادين بطهران، وكانت وتيرة تثوير الشعب الإيراني ضد مصدق تتم بسرعة كبيرة، عبر وسائل الإعلام والمنابر الدينية؛ وكل هذه الخيوط صارت تسمى فيما بعد بـ"أجاكس" وهي العملية التي تمت بتخطيط الولايات المتحدة الأمريكية والمخابرات البريطانية للانقلاب على مصدق ومشروعه الإصلاحي.

كشوفات حديثة.. اللعب بورقة الدين

على مدار عقود كان المحللون يعلمون تماماً مدى الدور الذي تسبب فيه اتهام الكاشاني لمصدق بأنّه علماني معادٍ للدين، في سقوط مصدق في براثن الانقلاب بعد ذلك، وعودة نفط الشعب الإيراني بعد ذلك إلى بريطانيا، ولكن الأوراق الحديثة التي كشفتها وثائق الـ"سي أي إيه"، كشفت معلومات ربما تعيد التفكير في الأمر برمّته.

أيد الكاشاني الانقلاب البريطاني الأمريكي على محمد مصدق في آب (أغسطس) 1953؛ لأنه علماني يطبق برنامجاً يسارياً في بلاده من وجهة نظر الزعيم الديني، وبعد ذلك فقد هو نفسه شعبيته بعد سنوات من الانقلاب، وعاش في عزلة تامة حتى وفاته في العام 1963، لتأتي الوثائق الجديدة متضمنة لاسم الكاشاني بين أوراق الـ"الأجاكس" وخطة الانقلاب على مصدق.

أيد الكاشاني الانقلاب البريطاني الأمريكي على محمد مصدق عام 1953 لأنه يطبق برنامجاً يسارياً في بلاده من وجهة نظره

تثبت الأوراق أنّ الكاشاني كان على علاقة بوكالة المخابرات الأمريكية، وأنّه طلب مساعدات مالية من الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً في الأعوام نفسها، التي اختلف فيها كل هذا الخلاف مع مصدق، وثوّر الشعب ضده باتهامه له بالعلمانية والبعد عن الدين الإسلامي في أفكاره الإصلاحية، وانتهى الأمر إلى زوال حكومة مصدق واستدعاء نظام سياسي جديد يدير البلاد بالقمع وتعذيب المعارضين، ووضع النفط الإيراني على جانب آخر في سلة مجموعة شركات أمريكية وبريطانية وفرنسية تدفع لإيران ٥٠% من عائداته فقط.

رغم أنّ الولايات المتحدة الأمريكية تصيح بغضب منذ قرابة أربعة عقود، بأنّ النظام السياسي في إيران متطرف دينياً، ويستخدم الدين لخدمة أغراض سياسية واقتصادية تخصه، إلا أنّ هذه الكشوف التي خرجت من الـ"سي أي إيه"، ورغم أنّها لا تثبت بشكل قاطع تواطؤ المرجع الشيعي مع الولايات المتحدة للانقلاب على مصدق، لكنها تفتح الباب لإعادة قراءة المشهد بشكل مختلف، فلو صح تعاون الولايات المتحدة مع رجل الدين الشيعي لتكفير مصدق وتثوير المجتمع ضده، ستكون الولايات المتحدة بذلك هي أول من لعب بورقة التشدد الديني في إيران.

اقرأ المزيد...

الوسوم: