الفيلسوف المسيحي وشيخه المسلم!

صورة محمد عزت
كاتب مصري

65
عدد القراءات

2017-11-12

طفل مسيحي قصير القامة، يبعث به والده إلى شيخ الجامع الذي توقف جسده عن النمو منذ أن كان طفلًا، ليتعلم على يديه علوم اللغة العربية وفنون البلاغة، فيجد الطفل في الجامع سكناً له، وفي الشيخ القزم عملاقاً يطمئن إليه.
يحكي له الطفل مرة عن زهوه بأدائه في امتحان نصف العام، فيجعل الشيخ موضوع درسه "إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً"، ويأتي في يوم آخر وقد ضربه طلاب المرحلة المتقدمة في المدرسة، لأنه أجاب عن سؤال عجزوا هم عن إجابته، فأهانوه وركلوا طربوشه فجعل الشيخ درسه عن أن "آية الفضل أن تُعادى وتُحسد"، واختتم مع الطفل الدرس بعد أن داوى له جرح كرامته، بقول المسيح: "أبتِ اغفر لهم فإنهم لا يدرون ما يفعلون".
هكذا لم يسع الفتى إلا أن يقارن بين شيخه الذي رفض أن يأخذ مقابلاً على تعليمه بعد أن ضاقت حالة أسرته المادية، بل وصار الشيخ هو من يأتي للفتى في بيته، كي لا يشعر الفتى بمهانة أو نقص من ضيق ذات اليد، وبين جدته التي تبدأ دائماً أحاديثها باسم المسيح، لكنها رفضت أن تساعد والدته في ضائقتهم المالية. مقارنة بين جدة تنتمي للصليب وشيخ يصلي بالناس على محمد خمس مرات في اليوم أوصلت الطفل إلى نتيجة مفادها "أن البر ليس وقفاً على دين دون دين".
وحين بدأت أزمة الفتى الوجودية، ووجد المنزل يلقنه الإيمان تلقناً ويقول له أهله "إنَّ الإمعان في التفكير يسوق إلى الكفر، وإن المناقشة سبيل الشك، وإنَّ من دخل الشك قلبه فارقته نعمة الإيمان، وإنه بغير نعمة الإيمان يهلك المرء ولا يدخل ملكوت السماء"، وجد الطفل في شيخه الضرير خير معين في تلك المرحلة، فقد أزال ما يكتنف ضميره من شعور بالذنب جراء التفلسف ومساءلة السلطة المتمثلة في "الأسرة"، فكان الشيخ يكرر له مراراً وتكراراً أنّ: "الدين المتين يقوى بالتفكير والتعقل، وأنْ اليقين الذي لا يصمد للشك يقين زائف، والمطمئن إليه مخدوع كمن يشيد بيته على الرمال"، كما رفض الشيخ أن يصبح هو سلطة بديلة على الفتى، ورفض كل الرفض أنْ يلقنه الإسلام بدلًا عن المسيحية[1].

قصة نظمي مع شيخه، قصة اعتراف متبادل بين شيخ مسلم وطفل مسيحي سيصير مفكراً ومدرساً مرموقاً للفلسفة

تلك الذكريات بين المفكر المصري المسيحي المثير للجدل، نظمي لوقا وهو طفل وبين شيخه، والتي يشتمل عليها الجزء الأول من كتابه "محمد الرسالة والرسول"، هي ما جعلتنا نعيد النظر في الكتاب الذي نشر لأول مرة في عام 1959 عن مطبعة دار الكتب الحديثة[2]، وأعادت الهيئة العامة لقصور الثقافة إصدار طبعة جديدة منذ ثلاثة أعوام[3]، فنحن في حاجة إلى دراسة مثل هذا النموذج  الفريد في تاريخ العلاقات الإسلامية القبطية بمصر منذ الفتح الإسلامي لمصر، وفي حاجة لاستكشاف العلاقات المجتمعية التي أنتجت مثل تلك العلاقة الفريدة في مرحلة هامة من تاريخ مصر، هي النصف الأول من القرن العشرين.
ويزيد اهتمامنا بإمعان النظر في ذكريات الدكتور لوقا مع شيخه، حين نرى كيف أنَّ والده المؤمن الرافض للتفكير تماماً في الأمور الدينية، هو من دفع به إلى الجامع وإلى الشيخ الضرير، بل رضخ إلى تعليمات الشيخ حين نهى الطفل عن أن يقول على غلام الشيخ الذي يساعده على قضاء حاجاته "خادم"، وعلمه أنْ يقول فتاي وفتاتي كما كان الرسول محمد يقول، فبات الطفل يقص على أمه طرفاً مما وعاه من آداب الرسول وصحابته، حين يجد أمه تسبّ خادمها وهي تتعجله في قضاء حاجة ما، فغضب الأب المسيحي في البداية وذهب للشيخ غاضباً لأنه يعلم الولد آداباً إسلامية، قائلًا للشيخ: "إنَّ الله رفع الناس بعضهم فوق بعض درجات"، فأجابه إجابة مباغتة لم يكن يتوقعها الوالد: "أما قرأت إنجيلك؟ ألم تجد فيه أن المسيح غسل أقدام حواريه.. إن آداب الرسل ليس فيها تفاوت، وإنما التفاوت عندنا حين نفرط في لباب الدين لنتعلق بزخارف الدنيا"[4]، فما كان من الوالد إلا أنْ رضخ لتعاليم الشيخ وآذن أم الفتى أنه سيستأنف درسه منذ الغد، قائلًا لأمه: "إني يا فلانة لأستحي أن يظن الشيخ بنا دون هذه الآداب الجليلة التي يعلمها".
وما يزيد اهتمامنا بالإمعان في سياق تلك الحالة التاريخي، وتلك المرحلة المهمة في تاريخ مصر، في النصف الأول من القرن العشرين، حين نرى عنوان جريدة المورنينج بوست بتاريخ 19 أبريل (نيسان) 1919، وهي تتحدث عن واحدة من أهم الأحداث التي عاصرت تلك الحقبة التي وقعت فيها قصة الطفل نظمي لوقا مع شيخه وهي حادثة "ثورة 1919"، فقد لخصت الجريدة وضع المسيحيين في قلب الثورة ضد الاحتلال البريطاني بقولها: "إنَّ الأقباط أكثر حماسة للملكية من الملك نفسه"، بمعنى أنهم أكثر حماسة للاستقلال الوطني من الأغلبية المسلمة ذاتها[5].
بالطبع تبدو قصة الطفل المسيحي مع الشيخ الذي توقف جسده عن النمو منذ أن كان طفلاً، شديدة الغرابة في عصرنا الحالي، وفي قرننا الواحد والعشرين، ففكرة أن يذهب أب مسيحي بطفله إلى شيخ الجامع ليعلمه، ويكون مرشداً له، بل ويؤنسه في رحلة شكه في دينه، تعد درباً من الخيال، إذا تصورناها في مصر القرن الواحد والعشرين، بعد عقود من تسييس الهويات الثقافية، حتى على صعيد الخطاب الحقوقي.

حين قرر نظمي لوقا أن يكتب كتاباً عن الرسول محمد، كرس الجزء الأول منه لذكرياته مع شيخه

لكننا حين نحاول فهم تلك الحالة يجب ألا ننزلق إلى فهم متسرع لطبيعة العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في هذه الحقبة، فلا شك من أنّ فترة الاستعمار البريطاني لمصر شهدت بروزاً حقيقياً لحوادث طائفية، ومنذ أنْ رست السفن الإنجليزية على المياه الإقليمية المصرية، بدأ صوت الخطابات الرجعية النابذة لقيم المواطنة في الارتفاع، فالمواطنة التي أرسى محمد علي دعائمها في مصر قبل أي دولة إسلامية وقبل الخلافة العثمانية، وتواصل تصديرها من جانب السلطة إلى المجتمع بنجاح عبر تغيرات إجتماعية واقتصادية تحديثية حتى وصل الأمر في عهد إسماعيل أن كتبت لوسي دوف جوردون: "إنّ أهالي ببا، ومعظمهم من المسلمين، انتخبوا جرجس القبطي عمدة لهذه البلدة، ومما أثار إعجابي روح التسامح التي أجدها في كل مكان. ويظهر أن المسلمين والأقباط على وئام تام"[6]، لكن مشروع المواطنة هذا تعرض إلى ضربات عديدة في ظل الاحتلال البريطاني.
وما يعنينا هنا أن الطبقات الوسطى في المجتمع المصري وهي المتمثلة في قصتنا هذه بالموظف "والد نظمي لوقا" وشيخ الجامع - اللذان لم يكونا من الطبقة الإقطاعية - استطاعت أن تحافظ على ما تكون من قيم المواطنة قبل الاحتلال البريطاني، قيم المواطنة التي تشكلت بالتوازي مع تشكل الدولة القومية الحديثة في مصر، وتغيّر مردود مسيرتها دوما وفق التغيرات الجوهرية في النظم الاقتصادية وفي التشكيلات الاجتماعية.

والأمر الآخر الذي يعيننا على فهم الرغبة الجارفة لوالد نظمي لوقا في أن يتقن ابنه علوم اللغة العربية على يد الشيخ، هو معرفة الظرف الطارئ الذي تعرض له الأقباط منذ أن تطور التعليم في مصر تطوراً ملحوظاً، وبدأ الأقباط يفقدون احتكارهم التاريخي للوظائف المالية في البلاد فصاروا في تحد،ٍ لتحصيل قدر كبير من التعليم يوفر لهم فرص العمل التي يحتاجونها.[7]
ومن الدروس المفتاحية في قصة الطفل والشيخ، أنّ إيمان الشيخ بحرية الاعتقاد إيماناً مطلقاً كان له عميق الأثر في الطفل الذي هجر المدينة ولم يره مرة أخرى بعد سن العاشرة، إلى أنْ نال شهادة الدكتوراة وكتب عن شخصية الرسول محمد التي عرفها عبر شخصية شيخه المتسامح العقلاني.
هذا الشيخ الذي رفض دوماً أن يستبدل سلطة تلقين العقيدة المسيحية للطفل في المنزل بسلطة تلقينه العقيدة الإسلامية في المسجد، رغم أن الطفل كان يطلب ذلك أحياناً، لكنه فضل أن يعلم الطفل حرية الإرادة، ومتعة التفلسف. وهكذا يخدم الإيمان بحرية الاعتقاد والضمير، الدين، فالإيمان الملقن يولد بداخل صاحبه ثورة شك يستشعر معها يستشعر معها الذنب دوماً، ويخرج للحياة مرتاباً تعيساً وبدلاً من أن يفتح الدين للإنسان ممكنات للحياة، تجد الشك المؤرق يسم له ينابيعها.
وهكذا حين قرر نظمي لوقا أن يكتب كتاباً عن الرسول محمد - بعد أن صار أستاذاً جامعياً في الفلسفة - كرس الجزء الأول من كتابه لذكرياته مع شيخه الذي كان بمثابة منظار، ينظر من خلال شخصيته على الرسول محمد، ولعله كان يكتب كلاماً مختلفاً تماماً لو أنّ هذا الشيخ فضل أن يلقنه الإسلام حينها، بدلاً من أن يعلمه متعة التفلسف، وحرية الضمير.
قصة نظمي مع شيخه، قصة اعتراف متبادل وتفاعل وانسجام تام، بين شيخ مسلم وطفل مسيحي سيصير يوماً مفكراً ومدرساً مرموقاً للفلسفة. وفي القصة تجسيد حقيقي لاحترام حرية الاعتقاد الفردية من الأساس، وليس احترام الهويات بعد تسييسها باعتبارها معطى نهائياً.
إن هذا هو ما شددت عليه الفيلسوفة الأمريكية الشهيرة نانسي فرايزر في أطروحاتها، وهو "عدم اختزال العدالة الاجتماعية بالاعتراف بهوية جماعة محددة بما هم جماعة، وإنما الاعتراف بمواقع الأفراد التابعين لتلك الجامعة بما هم شركاء فعليون في التبادل الاجتماعي، أي شركاء كاملو العضوية والحقوق في المجتمع".

اقرأ المزيد...

الوسوم: