الأصولية الإسلاموية المتطرفة والفكر التكفيري الإرهابي: محاولة للفهم

صورة سعود الشرفات
باحث أردني متخصص في قضايا العولمة والإرهاب

1368
عدد القراءات

2017-11-22

يتجلّى المقدس الديني في حياتنا المعاصرة، بنفس القدر الذي كان يتجلّى فيه للبشر منذ بدأ الخليقة. وكان المقدس يتغلل ويتشرب في عقول وأحاسيس البشر ثم يتجلى في أعمالهم وتصرفاتهم ونظرتهم للكون والخلق على مدار التاريخ. ولقد ظهر هذا التجلّي في مجالات مختلفة من الرسم والتصوير والنحت والشعر والأساطير والقصص الملحمّية (الساغا)، ومع تطور الفكر؛ عبر سيرورة التاريخ الطويلة اندمج  المقدس في  بنية الخطاب السياسي (الرسمي).
ومنذ زمن موغل في القدم البشري أصبح المقدس أهم مكونات خطاب السلطة وفي كافة الحضارات (حضارة ما بين النهرين، الفرعونية،  الهند، الصين، الإغريقية، اليونانية) . إن الآلهة، وأنصاف الآلهة والأرباب، والسحرة والشامانات، والأنبياء والرسل وصولاً حتى الأباطرة والملوك والقادة العسكريين، اعتمدوا على الإرهاب الديني المقدس للحصول على: الرعب، الخوف، الطاعة؛ وفي الوقت نفسه الترغيب والأمل بالخلاص والفردوس أو الجنة  للحصول في النهاية على القبول والخضوع، والسلطة القهرّية التي تُمكّن من إحكام السيطرة على بقية البشر. ليتشكل أول انعطاف تاريخي لانغماس الفضاء  الديني في الفضاء السياسي، وتشكيل الدولة القومية الحديثة.

مع تطور الفكر؛ عبر سيرورة التاريخ الطويلة اندمج  المقدس في  بنية الخطاب السياسي (الرسمي)

وعلى مدار التاريخ والتطور البشري تعرض هذا المقدس للخلخلة والتحليل والنقد وبمستوياتٍ مختلفة؛ حيث يمكن القول - للاختصار- إنّ أهم مثال هو الإصلاح الديني الأوروبي (فصل الدين عن الدولة) وتجليات العلمانّية وظهور الدولة القومية الأوروبية بعد  معاهدة (وستفاليا) 1648م .
إنّ عملية نقد وتفكيك ملف التطرف الديني والإرهاب يمكن أن يكون المدخل للإصلاح الديني العام؛ لأنه الملف الذي أحرج وكشف عورة إيديولوجيا "الإسلام السياسي"، وكثير من أشكال التدين، وخاصة التديّن الشعبّي الذي يقف مشدوهاً ومندهشاً لحجم التطرف والترويع والتوحش الذي يرتكب تحت راية السلام الذي يؤمن به، وجعل من قيم التسامح والرحمة مقولات بلا معنى، أمام ما يشاهده العالم عبر وسائل الإعلام من قتل وتدمير وبث روح الكراهية من قبل أطراف فاعلة من الدول، وأطراف أخرى من غير الدول مثل؛ الجماعات الإرهابية المعاصرة سواء الإسلاموية، وعلى رأسها تنظيم داعش، أو جماعات ومنظمات اليمين الديني والقومي المتطرف في أوروبا وأمريكا، وأماكن أخرى في آسيا اليوم ضد  الآخر وكل ما هو مختلف.

 

قبل البدء بمحاولة تفكيك هذا الملف المُلغم أشير إلى أنّ "العالم الإسلامي" في معظمه تقريباً يعيش ما يسمّى بحالة "إنكار الذات" ولا يريد أن يعترف بمشكلة أو مرض التطرف وينصرف في حمى البحث عن الأعراض ومعالجة أعراض المرض الحقيقي متمثلاً بالفكر و(الأيديولوجيا) القادرة على إنتاج هذه المتوالية من (فيروسات) المرض، وأرى أنّه لا بد أن نأخذ بعين الاعتبار عدداً من الأفكار الأولية  كمدخل لمحاولة الفهم، وهذه الأفكار هي:
الأولى: ضرورة التركيز على أهمية الفكر والإيمان المطلق بالفكرة والاستماته في الدفاع  عنها عن وعي وإدراك وتخطيط وفهم تام واضح وعميق.                                                                                 
الثانية: أهمية عدم الاستخفاف والاستهانة والحط من شأن حملة هذا الفكر؛ ثم محاولة شيطنة أصحابه فقط؛ لأن هذا لا يضيرهم ولا يضرهم.
الثالثة: أهمية التأكيد على الاحتمال الكبير بفشل الحوار مع أصحاب هذا الفكر؛ وفي النهاية لن يفضي إلا إلى نتائج بسيطة في مقابل فوائد أكبر لأصحاب هذا الفكر؛ أقلها إثبات الوجود والتوسع بالتجنيد والانتشار، حتى خارج حدود الفضاء الإسلامي أو ما يطلق عليه العالم الإسلامي.
الرابعة: لمحاربة هذا الفكر والقضاء عليه لا بد من وجود مقاربـة موازية له وليس  مواجهة له أو معارضة أو منافسة له، (لكنها تغرف من نفس البئر)؛ مقاربة جادة تقوم على بناء منظـومة واسـعة وعمـيقة ومقـنعة وذات جـدوى من المصالح والعلاقات والبرامج الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تعبر عن مصالح الناس وتدفعهم للدفاع عنها وحمايتها بدل تشتيت الجهد في منافسات طابعها اللعبة الصفرية، ثم خسارة كافة أطراف اللعبة.
الخامسة: أهمية الوعي بأنّ هناك قطاعاً طفيلياً واسعاً وعريضاً يتكسب من وراء الرطانة الواسعة حول محاربة التطرف الديني أو مكافحة الإرهاب، يشمل: أطرافاً فاعلة من غير الدول، أهمها:

ستكون أجندة التطرف والإرهاب حاضرة طالما بقيت المنطقة في جدل عقيم

الخبراء والأكاديميون والشيوخ والوعّاظ والمحللون والكتاب والمنظمات غير الحكومية ومراكز البحث والدراسـات والـمرتزقــة وشـركات الحماية والمجمّع الصناعي وبالذات شركات تصنيع الأسلحة والذخائر وتجارة المخدرات، وصولاً إلى الأطراف الفاعلة من الدول، وهي القادرة على بناء التحالفات الدولية وتحريك الجيوش والطائرات والصواريخ وتجنيد العملاء. وهذا القطاع الطفيلي الواسع له مصالح ببقاء هذا الوحش طليقا؛ لأن وجوده مرتبط عضوياً ومصالحياً بهذا القطاع.

أتوقع على المستوى الشخصي – أرجو أن أكون مخطأ- أن يظلّ المشهد السياسي العربي والإسلامي يراوح مكانه على المديين؛ المتوسط والطويل؛ وستكون أجندة التطرف والإرهاب حاضرة في ثنايا هذا المشهد طالما بقيت المنطقة في جدل عقيم، يختصر في فسطاطين مراوغين وملتبسين جداً هما: المقاومة والجهاد من جهة، والإرهاب من جهة ثانية ومحاولة التفريق بينها، وبين هذين الفسطاطين يتشكل المشهد السياسي العربي الراهن، وفي ضوء تفاعلهما وتطورهما يتشكل مستقبله.

وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على أنّ البديل أمام البشرية لمواجهة التطرف والإرهاب ليس صراع الحضارات والثقافات أو الهويات؛ بل برنامج عمل إنساني من أجل الحضارة الإنسانية، وبأننا في هذا العصر أكثر ملاءمة  لاختيار سراطات مستقيمة  متعددة ومختلفة، حسب توصيف المفكر الإيراني عبد الكريم سروش (حسين حاجي فرج الدباغ )؛ ولتجاوز (الإيديولوجيات) والنماذج المعرفّية الجامدة، وتأسيس نماذج أكثر سماحة وإقناعاً وثراءً للبشـرية جمعاء دون إكراهات أو تمييز في الدين والجنس والعرق واللغة.

اقرأ المزيد...

الوسوم: