"لهيب الحرب 2": "داعش" يواصل الرعب ويشعل الصورة بـ"جماليات التوحش"

صورة ماهر فرغلي
كاتب مصري وباحث في شؤون الحركات الإسلامية

42
عدد القراءات

2017-11-30

ما بين يوم 24 أيلول (سبتمبر) 2014  و30 تشرين الثاني (نوفمبر) 2017 ثلاثة أعوام مرت، قبل أن يصدر تنظيم "داعش" الجزء الثاني من "لهيب الحرب"، الفيلم الأكثر وحشية في مسيرة التنظيم الدعائية، الموقّع باسم مؤسسة "الحياة"، المتخصصة في نشر أفلامه بلغات متعددة.
في الجزء الأول من الفيلم الذي افتتح، بـ"لا الحديد ولا النار يمكنهما الوقوف في وجهنا فقد أتى وعد الله، وأعادت الطائفة المنصورة الخلافة، لتحكم شرع الله في الأرض"، وضع "داعش" مقاطع وصوراً لرؤساء أمريكا وروسيا وبعض القادة العرب، مترافقة مع قصف التحالف للرقة وسقوط ضحايا مدنيين نتيجته.
بدءاً من "لهيب الحرب" في جزئه الأول، وحتى "صليل الصوارم"، و"ولو كره الكافرون"، وصولاً إلى فيلم "شفاء الصدور" كان سهلاً ملاحظة النقلة السينمائية التي حلّت على هذه الأفلام، واعتماد الإنجليزية لغةً أساسيةً في عرضها.
في "لهيب الحرب" في جزئه الثاني، تم التركيز على إظهار وحشية التنظيم والتمرد والسطوة اللذين يعتبران في بعض الأحيان حاجات عند مجموعة من الشباب الذين يعانون من شعور التهميش سواء كان حقيقياً أو وهمياً.

يستخدم تنظيم داعش الحرب الإلكترونية ليثبت أنّه لا يزال على قيد الحياة، وأنّه سيبدأ معارك جديدة بشكل مختلف

تم توظيف مشاهد الحركة البطيئة بحرفية عالية، وظهر ذلك جليّاً في مشاهد قطع الرؤوس، التي بالغ فيها الفيلم، ليظهر وحشية التنظيم التي لم يسبق لها مثيل؛ حيث يمسك كل فرد من "داعش" برقبة رجل آخر، والأسرى منحنون إلى الأمام، يُساقون كما تُساق الخراف إلى ذابحها، وعلى جانب الشاشة، يظهر صندوق خشبي تبرز منه عدد من السكاكين الجديدة، يمرّ كل جندي داعشي إلى جوار الصندوق، يسحب سكينه من دون النظر حتى إلى الكاميرا، ويسير الجميع في طابور حتى تنتهي السكاكين، وفي المشهد التالي، يتم رصّ الأسرى في وضعية الإعدام، وفوق كل منهم ذابحه الخاص، وبحرفية عالية تبعث على الرعب، يلعب الجنود بسكاكينهم بين أصابعهم، ونظرات التيه والذعر بادية على وجوه الأسرى، ليبدأ الذبح، وساعتها يمكن أن تسمع صوت الهواء، وفي النهاية يلقون بالرؤوس في حفرة مليئة بالدماء!
في مشهد آخر تركز الكاميرات على نظرة الأسرى، وهي نظرة الموت، ثم قطع الرؤوس، وسماع صوت السكاكين، ثم صف الرؤوس فوق الأجساد!
كما في هذا الفيلم يستثمر التنظيم بعض المعارك القديمة، وبعض الانتصارات الميدانية، من أجل ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، وهو إثبات أنّ التنظيم لا يزال على قيد الحياة، كما أنّه سيبدأ معارك بشكل جديد مختلف، فلهيب المعركة مستمرة وهو عنوان الفيلم!

تم توظيف مشاهد الحركة البطيئة بحرفية عالية، خصوصاً في مشاهد قطع الرؤوس، لتظهر وحشية التنظيم التي لم يسبق لها مثيل

العبارات التي استخدمها التنظيم في فيلمه، كانت مختصرة منها؛ كلمات المتحدث الإعلامي، أبو الحسن المهاجر، الذي دائماً ما يؤكد على صحة أيديولوجيته، وأنّ ما يقوم به هو الصواب، والعالم أجمع على خطأ، إنّه يحاول الاستفادة، بتصوير معارك تحركه الميداني على الأرض لترويج صورته، التي اهتزت بالكامل، خاصة في ظل الحديث عن انشقاقات وتراجع تنظيمي، وسيطرة التيار الحازمي على مقاليد الأمور. 
في تصوير دقيق بخاصية الـful hd  يقوم أحد الانتحاريين باقتحام مركز للعدو، لكنه يسقط مصاباً، وهنا تتوالى صور المصابين، الذين يحملهم رفاقهم، بينما يتحدث المعلق بالإنجليزية، عن كيفية التراحم بين أعضاء التنظيم، والحرص على التعاون، والشهادة في سبيل الله.
اللافت في الفيلم، أنّه اختص سيناء بفترة زمنية طويلة، صوّر فيها عنفاً وقطعاً للرؤوس، وقتلاً لم يسبق له مثيل، بهدف إيصال رسالة مفادها أنّ معركة التنظيم مستمرة، على الأرض المصرية.
بعد 58 دقيقة من العنف، انتهى "لهيب الحرب 2" بمشهد تمّ عرضه من قبل في الجزء الأول، وهو أسرى سوريون يحفرون قبورهم بأيديهم، والأسرى يستعطفون جنود التنظيم، لكنه لم يقبل اعتذارهم، ويقتلهم على الفور، ويلقيهم في حفراتهم وقبورهم، التي حفروها بأيديهم.
إنّ هذا الفيلم هو جزء مما يطلقون عليه الجهاد الإلكتروني، حرب لا تعرف حدوداً، وهي المرحلة الأهم في ضمّ العناصر للجماعات المسلحة، وتتم في الأغلب عبر مواقع التواصل، وعبر الفضاء الإلكترونى، الذي هو أحد أهم عوامل استمرار "داعش" في إطار الحرب النفسية على أعدائه، وهذا ما يشير إلى أنّ المعادلة الحقيقية هي أنّ الانتصار على التنظيم الإرهابي وأمثاله يبدأ من الانتصار في الميدان الرقمي أولاً قبل كل شيء، وإلا فإنّ الحرب المدعومة بالطائرات والقصف الجوي ستصبح هباءً منثوراً.

انتهى الفيلم بمشهد أسرى سوريين يحفرون قبورهم بأيديهم؛ حيث قتلهم تنظيم داعش وألقوا بجثثهم فيها

يتمثل الهدف والبعد من هذا الفيلم وأغراضه باستقطاب مقاتلين جدد إلى التنظيم من خلال استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على الإنترنت والعلاقات الاجتماعية داخل المجتمعات؛ حيث لا يزال خطاب التنظيم موجهاً إلى الجيل الرابع أو الخامس من المنتمين الشباب لمثل هذه التنظيمات، أو المتعاطفين معها.

داعش ورغم أنّها منظمة إرهابية لا تزال لديها أستوديوهات خاصة بها، مثل "الفرقان"، و"الحياة"، التي أصدرت هذا الفيلم، وهي المؤسسة ذاتها، التي أصدرت فيديو ذبح أقباط مصر المرعب في ليبيا.
علينا أن نعترف أنّه لا تزال مؤسسات "داعش" الإعلامية تحقق ثورة نوعية رغم هزيمة التنظيم على الأرض، وتحديداً نوعية الأفلام الدعائية، ففي هذه الأفلام، يتوفر كل ما يريد الجمهور رؤيته: صورة كاميرا عالية الجودة، حوار، حبكة متماسكة، وبطبيعة الحال المحتوى الذي يجذب كثيرين، لذا فمن الضروري أن نفكر أنّ التنظيم لن ينتهى عسكرياً فحسب؛ بل يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار مناقشته فقهياً وفكرياً وإعلامياً، عبر خطاب إسلامي معتدل بديل، يمتلك المصداقية والعمق في الولوج لتفتيت ذلك الخطاب المتطرف الإرهابي.

اقرأ المزيد...

الوسوم: