فيلم "واحد منا" وإماطة اللثام عن السلفية اليهودية

صورة محمد الزبيدي
كاتب أردني

73
عدد القراءات

2018-02-25

صدر في أمريكا، العام الماضي (2017)، فيلم بعنوان "One of US"؛ أي "واحد منا"، وهو شريط توثيقي مهمّ، يسجّل شهادات لثلاثة من الشباب اليهود الأمريكيين، الذين انشقوا عن طائفة "الحسيديم" اليهودية المتطرفة دينياً. ويكشف الفيلم الصعوبات، والمشقّة الكبيرة التي تعرَّض لها هؤلاء الشباب الثلاثة "آريAri "، و"إتي"Etty ، و"لوزرLuzer "، في طريقهم للخروج من هذا التنظيم المتشدّد، وبعد الانفصال عنه، ويميط هذا الفيلم اللثام عن الطبيعة السلفية الانعزالية التي تحيط هذه الجماعة نفسها بها، رغم أنّها تعيش  في حي "بروكلين" الصاخب في نيويورك.

يميط هذا الفيلم اللثام عن الطبيعة السلفية الانعزالية التي تحيط جماعة الحسيديم المتطرفة نفسها بها

والطائفة "الحسيدية" أو الحسيديم Hasidism ، هي طائفة يهودية متزمتة تأسست في القرن التاسع عشر في دول شرق أوروبا. وتتبع هذه الطائفة طريق الأسلاف من أحبار اليهود، وتقتفي آثارهم في كلّ مناحي الحياة، وتؤمن بالصلاة، والعبادة المتواصلة، كي لا تنقطع عرى التقوى بين المؤمن بها والخالق في السماء، ويؤمن المُعتقِدون "بالحسيدية" بأنّ يد الله تعمل في كل مناحي حياتهم، ويؤمنون أيضاً بفكر الالتصاق، وهي أن ينعزل اليهودي وينقطع عن العالم، كي يتمّ الاتصال المباشر مع الله، ويُفرض على الرجال والأولاد من هذه الطائفة، ارتداء معاطف طويلة سوداء، وقبّعات دائرية كبيرة، وقلنسوات، ويطيلون لحاهم، ويتركون ضفيرات طويلة ومُلتفة من شعر رؤوسهم، وتتدلّى على طرفي الرّأس، كما يتوجّب على النساء والبنات الحسيديات أن يرتدين ملابس طويلة، بألوان محدّدة من شيوخ الطائفة، وجوارب سوداء طويلة، كما ترتدي النساء غطاء الرأس.

يؤمن الحسيديون بأنّ يد الله تعمل في كل مناحي حياتهم ويؤمنون أيضاً بأن ينعزل اليهودي

يبدأ الفيلم باتصال من "إتي" بشرطة نيويورك، للتبليغ عن أنّ أهل زوجها يقومون بالهجوم على بيتها في حي "بروكلين"، ويقومون بقرع الباب بقوة، لأخذ أطفالها منها، بعد أن قرّرت أن تنشقّ عن المذهب "الحسيدي" اليهودي، وذلك بعد معاناة طويلة من زواج اقترنت به بزواج دينيّ، تمّ تنظيمه من زعماء الطائفة وعائلتها، وتذكر "إتي" في حديثها لمعدِّي الفيلم، أنّ الزواج في هذه الطائفة السلفية اليهودية لا يتمّ بعد تعرّف الزوجين على بعضهما قبل الزواج؛ بل باتفاق أسريّ، ويأتي من يريد الزواج إلى بيت الفتاة لدقائق معدودة، وتحدث المشاهدة، ثم تبدأ مراسم التحضير للزواج، ولا يجالس الخطيب خطيبته قبل الزواج.

وتبقى "إتي" طوال الفيلم تصارع المحاكم الشرعية اليهودية، التي تتحيز عادة لأعضاء الطائفة، وذلك للفوز بحكم يسمح لها برؤية أطفالها.

وفي المشاهد الأخيرة للفيلم، نرى أنّها حصلت على ساعة واحدة أسبوعياً، تستطيع فيها مشاهدة أطفالها في حديقة عامة.

للطائفة مدارس دينية خاصة بأبنائها ولا يتم تعليم أيّة مناهج حديثة أو علمانية في هذه المدارس

وتذكر "إتي" أنّ الحسيديين اليهود يقاطعون كل مؤسسات الدولة الأمريكية، من مدارس عامة، وملاعب، وأماكن لهو، وسينما، ومسارح؛ بل ويشير الفيلم إلى أنّ لهم سيارات إسعاف خاصة بهم، ودوريات شرطة من متطوعين ينتمون للطائفة، ويجوبون الأحياء التي يعيش بها أتباع الطائفة، لضمان الأمن لهم، ولمراقبة الالتزام الديني والأخلاقي، بما لا يخالف تعاليم حاخامات الحسيديم.

وتقول أيضاً، إنّهم أخذوا أطفالها بعد طلاقها من زوجها، كي تتم تربيتهم تربية دينية متشددة، وكي لا يخرجوا عن تعاليم الخامات، وكهنة هذا المذهب السلفي المتشدد.

وللطائفة مدارس دينية خاصة بأبنائها، ولا يتم تعليم أيّة مناهج حديثة، أو علمانية في هذه المدارس. ونلاحظ في الفيلم أنّ الكتب المدرسية الخاصة باللغة الإنجليزية، يتم فيها طمس وجوه الأطفال، والأشخاص بالحبر الأسود؛ لأنّ تعاليم الطائفة تُحرِّم التصوير، وإظهار الوجه الإنساني.

وتتوجه "إتي"، طلباً للمساعدة، إلى مجموعة من المنشقّين عن الطائفة، تسمّى "خطوات" ( (Footstepsتتشكل من أشخاص كانوا شجعاناً بما يكفي للخروج من  "القطيع" الديني المتشدد هذا، ويقدّمون الدعم المادي والمعنوي لكلّ من يطرده التنظيم المنغلق لهذه الجماعة، ويقاطعه كلّ الأقارب، والأحبة مقاطعة تامة.

الإنترنت والهواتف المحمولة والتلفزيون، وغيرها من قنوات الترفيه، جميعها محرَّمة لدى الطائفة الحسيدية اليهودية المتشددة

وتشير "إتي"  إلى أنّ "أفراد الطائفة السلفية اليهودية هذه، يتزوجون، ذكوراً كانوا أو إناثاً، في سنٍ صغيرة نسبياً؛ حيث تزوّجت هي بسن 18 عاماً، وكان زوجها يكبرها بعام فقط، وعلى المرأة أن تنجب أكبر عدد من الأطفال قبل بلوغها الأربعين".

ثمّ يتعرض الفيلم لقصة الشاب " آري"، الذي ترك مذهب آبائه وأجداده، واختار طريقاً علمانياً بعيداً عن تعاليمهم، ونراه يذهب إلى الحلّاق لقصّ شعره الطويل، والخصلات المتدلية على جانبي صدغيه، ويبدو سعيداً، وهو ينفث دخان سيجارته بعد إتمام الحلاقة، ويقول إنّ ما قام به من قصّ لشعره، يعدّ من أكبر الكبائر عند الحسيديين اليهود، ثم يستطرد قائلاً: إنّه لا يريد أن يعيش الكذبة الدينية، رغم أنّ كلّ أقاربه، قالوا له بعد ارتداده إنّه سيعيش، ويموت وحيداً؛ لأنّه تجرّأ، وخرج عن تعاليم الحاخامات، وعصى التعاليم المقدسة.

ثم نرى "آري" وهو يقابل رجل دين يهودي، ويشرح له كيف أنّ الجماعة الدينية، أساءت له إساءة بالغة، ويسرد قصة أحد المدرسين الذي قام باغتصابه في المدرسة الدينية، وهو بسن 8 أعوام، وأنّه توجّه بشكوى للمدرسة كي يتم إنصافه، لكنّ ردّ المسؤولين كان مزلزلاً بالنسبة إليه؛ حيث قالوا له: "إنّ الربّ قد أنزل به عقاباً بذلك الاغتصاب؛ لأنّه كان طفلاً شقياً، كثير اللعب، والحركة"، وقد استشعر رجل الدين معاناة "آري" الكبيرة، إلّا أنّه بدأ يكلّمه عن مشيئة الله في مذابح اليهود عبر التاريخ، فخرج " آري" من عنده، ولم يحسّ بأنّه استعاد حقّه ممّن اعتدى على عرضه في طفولته.

ثمّ ننتقل بالمشاهد لنرى "آري" يسبح مع فتيات بحوض السباحة، ويعبّر عن سعادته هنا، بترك طريق التشدّد الديني ذاك، ثم يكشف لنا حجم الانغلاق الفكري الذي تحيط تلك الجماعة السلفية أتباعها به؛ حيث يقول إنّ الإنترنت والهواتف المحمولة والتلفزيون، وغيرها من قنوات الترفيه، كانت جميعها محرَّمة قبل تركه للحسيدية، ولم يستعملها أو يشاهدها إلّا بعد انشقاقه عن طائفته السابقة، ويذكر هنا سعادته بالتعامل مع الحاسوب للمرة الأولى، ويصف مدى سعادته بتصفّح محرك البحث "جوجل"، وكذلك حجم المتعة التي كان يلقاها عند قراءة موضوعات الموسوعة الحرّة "ويكيبيديا".

دائماً ما يقوم الشجعان من أتباع هذه التنظيمات السلفية بشقّ عصى الطاعة على المتنفّذين بها وتحطيم أصنامهم

ثم نلتقي بالشخصية الثالثة بالفيلم؛ "لوزر"، وهو شاب يهودي ضاق ذرعاً بتعاليم الطائفة الحسيدية المتشددة، واختار طريق التمثيل الديني في البداية، ليقدر أن يعبّر عن ذاته، ثمّ قرّر الانشقاق، والابتعاد عن الجماعة إلى أقصى الغرب الأمريكي، إلى مدينة لوس أنجلوس؛ حيث يعمل هناك سائقاً بالأجرة مع شركة "أوبر"، وينام في مقطورة "كرافان".

ويذكر " لوزر" أنّه عندما قرّر الانشقاق عن طائفته السلفية المتدينة، اتصل بوالدته ليخبرها، لكنّها عندما علمت بقراره ذاك قاطعته لمدة سبعة أعوام، لم تهاتفه أثناءها، أو تردّ على اتصالاته.

ونرى "لوزر" في مشهد، وهو يقود سيارته فرحاً، في شوارع لوس أنجلوس، ويستمع لأغنية "البقاء حياً" ((Stayin’ Alive، لفرقة (Bee Gees)، ويستطرد بعد انتهاء الأغنية، بأنّه يستمتع بكلّ لحظة من حياة الحرية، بعد أن فارق الأوامر والنواهي الدينية الصارمة التي رافقته منذ طفولته الأولى.

ويخرج المشاهد لفيلم "واحد منا" بانطباع، أنّ التنظيمات الدينية المتشددة، تتشابه طروحاتها وأساليبها، ودائماً تجنح لاستعباد أتباعها، وصهر إنسانيتهم، ومشاعرهم ليكونوا جزءاً من قطيع يسير بلا عقل خاص بهم، وينفّذ أوامر الزعماء الدينيين، ولا يشطح حتى بخياله عن تعاليمهم المتطرفة.

لكن دائماً ما يقوم الشجعان، والأذكياء من أتباع هذه التنظيمات السلفية بشقّ عصى الطاعة على المتنفّذين بها، وتحطيم أصنام المعتقد المتزمّت، ونزع هيبة سدنته، وذلك عندما يبدؤون بالتفكير خارج صندوق الثوابت الدينية، ويتجرّؤون على طرح الأسئلة، وعدم القبول بالأمر الواقع، ورفض فكرة الولاء لمعتقدات الأجداد والسلف الصالح.

مقطع توضيحي للفيلم:

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: