BDS.. حركة مقاطعة عالمية تستنفر الاحتلال

صورة خالد بشير
كاتب أردني

1604
عدد القراءات

2018-05-30

بعد تصاعد الأحداث في الانتفاضة الفلسطينية الثانية، ومع تفاقم الانتهاكات والجرائم المرتكبة من قبل الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين، وتراجع التوقعات بجدوى عملية السلام، اجتمعت أكثر من 170 جهة فلسطينية، من أحزاب، ومنظمات غير حكومية، وحملات شعبية، ووقعت على عريضة في التاسع من تموز (يوليو) من العام 2005، طالبت فيها بمقاطعة دولة الاحتلال على المستويات كافة، حتى تتوقف عن الانتهاكات، وتنصاع للقوانين الدولية، وتلتزم بمواثيق ومعاهدات حقوق الإنسان، وكانت هذه العريضة هي أساس انطلاق "حركة مقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل"، التي تُعرف اختصاراً بـ(BDS).
ثلاث مطالب محددة
قدمت الحركة نفسها باعتبارها شكلاً من أشكال المقاومة الشعبية السلمية الفلسطينية، قائمة على احترام القانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان؛ حيث انطلقت من اعتبار "إسرائيل" دولة فصل عنصري (أبارتهايد)، مستلهمة من تجربة المقاطعة في جنوب إفريقيا، بقيادة نيلسون مانديلا، نموذجاً لمناهضة نظام الفصل العنصري بين الأقلية من البيض والأغلبية ذات البشرة السمراء، ومن "حركة الحقوق المدنية" بقيادة مارتن لوثر كينغ، التي طالبت في الستينيات بإنهاء التمييز العنصري ضد السود في الولايات المتحدة الأمريكية.

باشرت الحركة منذ انطلاقها عام 2005 بفضح ممارسات الاحتلال والدعوة لمقاطعته

وشرعت الحركة في مباشرة مساعيها لعزل "اسرائيل" محلياً وعربياً ودولياً، في شتى المجالات، إلى أن يتم إنهاء الفصل العنصري، وذلك من خلال تحقق ثلاثة مطالب: إنهاء الاحتلال لكافة الأراضي العربية في الضفة الغربية وتفكيك الجدار والمستوطنات، منح الفلسطينيين من سكان "إسرائيل" (فلسطينيي الـ48) حقوقهم ومساواتهم الكاملة بالسكان اليهود، وأخيراً الإقرار بحق العودة للاجئين الفلسطينيين تطبيقاً لقرار الأمم المتحدة رقم 194.

ملصق من تصميم الحركة يوضح مطالبها الأساسية الثلاثة

إنجازات متراكمة
منذ انطلاقها في العام 2005، باشرت الحركة في فضح ممارسات دولة الاحتلال والدعوة لمقاطعتها؛ حيث كثّفت عملها في مختلف الأوساط والبلدان، وعلى كافّة المستويات والمجالات؛ من الفنية والثقافية مروراً بالأكاديمية وليس انتهاء بالاقتصادية والسياسية.
على الصعيد الاقتصادي، تركزّت جهود الحركة على الدعوة لمقاطعة الشركات التي تتعامل مع المستوطنات الإسرائيلية، أو التي تتخذ من أراضي إحدى المستوطنات مكاناً لمصانعها، انطلاقاً من التأكيد على كَوْن المستوطنات المقامة على أراضي الضفة الغربية غير شرعية وفقاً للقرارات الدولية.

تمكّنت الحركة من دفع عدة مغنين لإلغاء حفلاتهم التي كان من المقرر إقامتها في إسرائيل

وجاءت أهم إنجازات الحركة على هذا الصعيد في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2015؛ حيث صادَق برلمان الاتحاد الأوروبي على قانون يميّز البضائع المنتجة في المستوطنات الاسرائيلية، ويمنع وضع علامة "صنع في إسرائيل عليها" عليها.
وفي كانون الثاني (يناير) من العام 2014 أعلن صندوق التقاعد والرعاية الاجتماعية الهولندي سحب استثماراته من البنوك الإسرائيلية التي تساهم في مشاريع بناء المستوطنات.
وفي ذات الشهر تم إجبار الممثلة الأمريكية سكارلت جوهانسون على الاستقالة من منصبها كسفيرة دائمة في مؤسسة أوكسفام الخيرية، وذلك على إثر قيامها بتصوير إعلان لصالح شركة "صودا ستريم" التي تقيم أكبر مصانعها ضمن مستوطنة في الضفة الغربية.
وفي آذار (مارس) من العام ذاته خسرت شركة "ميكوروت" الإسرائيلية للمياه، التي تزود المستوطنات الإسرائيلية بالمياه، عقداً في الأرجنتين بقيمة تصل إلى 170 مليون دولار، إضافة إلى خسارتها عقدين آخرَيْن في كل من هولندا والبرتغال.

صورة معدّلة لتسخر من مشاركة جوهانسون في إعلان شركة صودا ستريم

وفي أيار (مايو) من العام ذاته أعلن "صندوق بيل غيتس" سحب استثمارات بقيمة 182 مليون دولار من شركة G4S التي تعدّ أكبر شركة أمنية في العالم وتقدم خدماتها لإسرائيل في مجال حماية الحواجز العسكرية وخدمات السجون، كما خسرت الشركة مجموعة من العقود في بريطانيا، والنرويج، والاتحاد الأوروبي، وجنوب أفريقيا.
وفي تموز (يوليو) من العام الماضي، أصدرت 17 كنيسة في الولايات المتحدة بياناً أعلنت فيه خلوّها من منتجات شركة (hp) بسبب تورطها في الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان الفلسطيني.

ملصقات تدعو لمقاطعة شركة hp لتزويدها الاحتلال بتكنولوجيا تستخدم في انتهاكات الفصل العنصري

وقف التعاون الأكاديمي
أما عن منجزات الحركة على المستوى الأكاديمي، فقد تمكنت في تشرين الثاني (نوفمبر) العام 2012، من الدفع بجامعة الدنمارك التقنية وجامعة روسكيلد الدنماركية للإعلان عن وقف التعاون الأكاديمي والبحثي في  المستوطنات بالضفة الغربية.
وفي آب (أغسطس) من العام 2014، قرّر اتحاد الطلبة في مقاطعة أونتاريو الكندية الانضمام لحركة المقاطعة، وتبعه في حزيران (يونيو) من العام 2015 اتحاد الطلبة في بريطانيا حيث صوّت على الانضمام أيضاً لحركة المقاطعة.
وفي أيار (مايو) 2014 صوّت طلاب جامعة "دي بول" الأمريكية على الانضمام للحركة، وفي شباط (فبراير) 2015، صوّت طلاب جامعة "نورث ويسترن" كذلك على الانضمام، وفي نيسان (أبريل) 2016 أعلنت كل من جامعتي شيكاغو ونيويورك انضمامهما لحركة المقاطعة، وإعلان مقاطعة الاحتلال أكاديمياً.

اعتبرت الحكومة الصهيونية أنّ حركة المقاطعة باتت تشكل تهديداً إستراتيجياً للوجود الإسرائيلي

كما تمكنت الحركة من ضمّ عدد من الكُتّاب والمفكرين البارزين، كان أشهرهم الكاتبة الكندية اليهودية نعومي كلاين، والكاتب الأمريكي اليهودي نعوم تشومسكي، والفيلسوفة الأمريكية جوديث بتلر، كما تمكنت الحركة من ثني ستيفن هوكنغ عن حضور مؤتمر علمي كان سيقام في "إسرائيل" في حزيران (يونيو) 2013.
مقاطعة فنية
في المجال الفني، دعت حركة BDS الفنانين باستمرار إلى مقاطعة الحفلات والفعاليات المُقامة في دولة الاحتلال، ففي شباط (فبراير) من العام 2012، أعلنت مغنية الجاز الأمريكية كاساندرا ويلسون إلغاء حفلها المقرر إقامته على مسرح هولون في تل أبيب، وفي كانون الأول (ديسمبر) من العام ذاته، ألغى الفنان الأمريكي ستيف ووندر حفلاً كان سيقام في لوس أنجلوس، خُصّصَ ريعه لدعم الجنود الإسرائيليين.

ملصق يروج ضد إقامة العروض الفنية في إسرائيل

وخلال السنوات اللاحقة، تمكّنت الحركة من دفع العديد من المغنين باتجاه إلغاء حفلاتهم الغنائية التي كان من المقرر إقامتها في "إسرائيل"، ومن ذلك إلغاء حفلات كل من: المغنية الأمريكية لورين هيل، في أيار (مايو) 2015، ومغنية الراب الأمريكية برنسس نوكيا في نيسان (أبريل) 2017، ومغنية الجاز الأمريكية كساندرا ويلسون، ومؤخراً، جاء قرار مغنية البوب النيوزلندية "لورد" بالاعتذار عن عدم إقامة حفلها في الثامن عشر من كانون الأول (ديسمبر) الماضي.
وقد تمكنت الحركة من كسب تأييد ومناصرة العديد من الأسماء البارزة في مجال الثقافة والفن، وفي طليعتهم: روجر ووترز، أحد أشهر مغني الروك، ونجم فرقة "بينك فلويد"، إضافة إلى الروائي الأورغوياني إدوارد غاليانو، والمخرج السينمائي البريطاني كين لوتش، والمخرج السينمائي الفرنسي جان لوك غودار.

روجر ووترز يشارك بكتابة شعارات مناهضة للاحتلال على الجدار العازل في الضفة الغربية

استشعار الخطر ورد الفعل الإسرائيلي
نتيجة لكل الإنجازات المتراكمة، استشعرت "إسرائيل" ما تحمله حركة BDS من مخاطر مهددة لها؛ حيث تعمل الحركة بشكل حثيث على إظهار صورة هذا الكيان أمام الرأي العام العالمي، وخصوصاً الغربي، وتقدمه باعتباره دولة عنصرية منتهكة لحقوق الإنسان، في حين أنّ "إسرائيل" تجهد في سبيل تقديم نفسها في صورة دولة الحريات والديمقراطية.
ومنذ بداية نشاط حركة المقاطعة، استنفر الاحتلال سفاراته على مستوى العالم لمواجهة تنامي الحركة، وفي أيار (مايو) 2015 اعتبرت الحكومة الإسرائيلية أنّ حركة المقاطعة باتت تشكل "تهديداً إستراتيجياً للوجود الإسرائيلي"، وهو ما تكرّر عبر كبرى المؤتمرات الصهيونية السنوية، خلال السنوات الأخيرة، كالآيباك، وهرتسيليا.

انضم لحركة المقاطعة كُتّاب ومفكرون بارزون كان أشهرهم الكاتبة الكندية اليهودية نعومي كلاين ونعوم تشومسكي

وغالباً ما يتّهم الإسرائيليون حركة BDS بكونها حركة معادية للسامية، مشبهينها بالمحرقة اليهودية في ألمانيا النازية إبان الحرب العالمية الثانية. وقد اعتبر بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، في خطاب ألقاه أمام مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأميركية، في شباط (فبراير) العام 2014، أنّ "هذه فضيحة أن يجري الحديث في أوروبا عن مقاطعة اليهود، وحان الوقت لأن ننزع شرعية أولئك الذين ينزعون شرعيتنا والكشف عن وجههم الحقيقي"، وأضاف أنّه "بعد أن حاولوا هزمنا بأدوات عسكرية وفشلوا، يحاولون الآن استخدام سلاح من نوع جديد ضدّنا، وهو المقاطعة، وفي الماضي دعوا إلى مقاطعة اليهود والآن يدعون إلى مقاطعة دولة اليهود، ومن يدعون إلى مقاطعة إسرائيل هم معادون للسامية بلباس عصري".
وتجهد "إسرائيل" لإقرار قوانين تعتبر نشاطات المقاطعة لها "معاداة للسامية"، تستوجب المعاقبة عليها، وهو ما تمكّنت منه في ولاية إلينوي، في آذار (مارس) من العام 2017، وفي قرار إحدى المحاكم الفرنسية اعتبار مقاطعة المنتجات الإسرائيلية "جريمة كراهية".

قدمت الحركة نفسها باعتبارها من أشكال المقاومة الشعبية السلمية الفلسطينية قائمة على احترام القانون الدولي

وبعد الإنجازات العديدة لحركة المقاطعة في العام 2017، أصدرت الحكومة الإسرائيلية في كانون الثاني (يناير) من العام الحالي قراراً يقضي بتأسيس دائرة جديدة لمحاربة حركة مقاطعة إسرائيل (BDS)، بالتعاون بين وزارة الشؤون الإستراتيجية ومنظمات صهيونية عالمية، وبموازنة أولية قيمتها 128 مليون شيكل لمدة 7 سنوات، سيتم مضاعفتها لاحقاً بمساهمات أثرياء إسرائيليين وصهاينة، وتهدف المنظمة الجديدة إلى تتبّع نشاط BDS والمنظمات الأخرى التي تنشط في مجال المقاطعة وجمع معلومات حول نشاطاتها المستقبلية ومحاولة إحباطها، وإلى تلميع صورة إسرائيل، وعرقلة القرارات المضادة لها في الأمم المتحدة، ومحاولة التأثير على الرأي العام في المجتمعات، خاصة في أوروبا.
كما نشرت وزارة الداخلية الإسرائيلية في الشهر ذاته قائمة تضم أسماء 21 منظمة وجمعية في أوروبا والولايات المتحدة، مساندة لحملة المقاطعة العالمية ضدها؛ حيث قرّرت حظر دخول أعضائها إلى الأراضي المحتلة.

مناصرون لدولة الاحتلال في نيويورك يدعون إلى حظر أنشطة حركة BDS

وقد أثبتت كل هذه الجهود مدى نجاح حركة المقاطعة، ومدى نجاعة تأثير خطواتها ومبادراتها، كما ساهمت هذه الإجراءات المضادة بعمل دعاية مجانية للحركة والترويج لها وزيادة الاهتمام بها، وهو ما انعكس في مراكمة الحركة المزيد من الإنجازات، التي لم يكن آخرها ترشيح أعضاء في البرلمان النرويجي لها، في شباط (فبراير) الماضي، للحصول على جائزة نوبل للسلام للعام 2018.

اقرأ المزيد...

الوسوم: