هل يمكن هزيمة العولمة؟!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.

888
عدد القراءات

2018-06-13

عبد المنعم سعيد

قبل نشر هذا المقال سوف يكون العالم شاهداً على قمتين؛ الأولى قمة الدول السبعة في كويبك بكندا، التي تضم الدول الصناعية الكبرى في العالم؛ والأخرى القمة الأميركية الكورية الشمالية في جزيرة «سنتوزا» بسنغافورة. الأولى تنتمي تاريخياً إلى ذلك التيار من اللقاءات والمؤسسات الدولية التي كانت تعمل على «عولمة» العالم ابتداءً بدول اقتصاد السوق الأغنى والأكثر تقدماً. والأخرى تنتمي تاريخياً أيضاً إلى واقع العلاقات الدولية، بما فيها من صراعات ساخنة وباردة وانقسام الدول عبر حدود متوترة. هما ملخص لما يجري فوق كوكبنا من اتجاهين متناقضين كان السائد عنها فكرياً خلال السنوات الأخيرة أن «العولمة» باتت واقعة تحت الحصار، بل إنها في طريقها إلى الهزيمة، بعدما كان سائداً حتى مطلع القرن الحالي أنها باتت «نهاية التاريخ».
لم ينته التاريخ بالطبع، ليس فقط كأحداث متراكمة، وإنما الجوهر هو أن التناقضات استمرت، فظهرت في أشكال اقتصادية عاكسة للنمو غير المتوازن داخل الدول بما فيها الرأسمالية التي ركب موجتها اليمين البريطاني لكي يخرج بالدولة من الاتحاد الأوروبي، وكذلك اليمين الأميركي كي يأخذ ترمب إلى البيت الأبيض فيضع في لب سياساته الاقتصادية اتخاذ الإجراءات الحمائية بفرض الضرائب على سلع الحديد والصلب والألمنيوم وألواح الطاقة الشمسية. كما ظهرت التناقضات السياسية داخل هذه الدول أيضاً بين الجماعة الليبرالية التي تتحدث عن عالم أكثر تكاملاً وأكثر انفتاحاً، والجماعات المحافظة؛ فكان الوصول إلى السلطة من قبل أحزاب متطرفة في يمينيتها حتى حافة الفاشية كما جرى في بولندا والمجر، ومؤخراً في إيطاليا اختار الناخبون حزبي العصبة الشمالية وحركة النجوم الخمس؛ مما أدخل البلاد في أزمة مستعصية ليس غائباً عنها نية طرد اللاجئين ومنع الهجرة والانسحاب من الاتحاد الأوروبي، أو على الأقل منطقة اليورو.
وكان وراء هذه التقلصات والتوترات أزمات كبرى اجتماعية وأخلاقية خلقت حالة حادة من الاستقطاب بين اليمين واليسار، وبين الليبرالية والمحافظة، وما بين الطرفين انحسر ذلك «الوسط» الذي كان يكفل الانتقال الآمن والسلمي للمحافظة على التقاليد الرأسمالية واقتصاد السوق عبر أدوات ديمقراطية. في قلب هذه العملية وقفت ثلاث إشكاليات كبرى؛ أولها ينتمي إلى قضية الأقليات التي كان بعضها تاريخياً مثل «السود» في الولايات المتحدة، وبعضها حديث نسبياً مثل ظهور الأقليات الإسلامية، وتلك اللاتينية، في الوسط المسيحي البروتستانتي الأبيض. الأقليات المثلية والمتحولة جنسياً بدت في بعض الأحيان مصدراً للعنف السياسي بسبب القبول أو الرفض لأشكال جديدة من «الأسرة» التي لم تعتدها المجتمعات الغربية في عمومها. الإشكالية الثانية تعلقت بموضوع اللاجئين الذين زحفوا إلى شمال الكرة الأرضية بدءاً من القارة الأفريقية نتيجة العنف والحروب الأهلية التي جرت في الكثير من الدول الأفريقية إبان التسعينات من القرن الماضي، وما زالت ذيولها قائمة حتى الآن؛ وبالطبع كان العنف والحروب الأهلية في الشرق الأوسط خلال العقدين الأخيرين سبباً في موجات من الهجرة إلى الشمال. الإشكالية الثالثة لم تكن منبّتة الصلة عن الأولى والثانية، فقد كان نمو التطرف والأصولية والإرهاب بين الأقليات واللاجئين سبباً في موجات عنف شهدتها العواصم والحواضر الغربية خلال السنوات القليلة الماضية. هذه الإشكاليات الثلاث ركّبت حالة «ضد العولمة»، ليس فقط لأنها استغلت تسهيلات الحركة والانتقال والتواصل والاتصال والعالم الموصوف بكونه «قرية صغيرة»؛ وإنما لأنها جاءت من أطراف لا تؤمن لا سياسياً ولا أخلاقياً بالأسس الليبرالية والديمقراطية للعولمة، فكانت النتيجة البزوغ العنيف لتيارات سياسية انعزالية وشوفينية وفاشية أيضاً.
الحالة المتصاعدة في العالم حتى الآن تشير لتقويض «العولمة» والعودة مرة أخرى من «النظام العالمي» إلى «النظام الدولي»، فلا يكون العالم فقط مرتبطاً ويتزايد ارتباطه كل يوم بفعل تأثير منظمات عالمية تنظم الحركة العالمية للتفاعلات الاقتصادية والسياسية والسكانية وحتى الثقافية؛ وإنما يتحول العالم إلى دول متصارعة ومتنافسة تقيم الحواجز والأسوار بين بعضها بعضاً. المدهش، أنه وسط ذلك كله، فإن وسائل إعلامية نشرت مؤخراً حجم التفاعلات الجارية على شبكة الإنترنت في العالم خلال دقيقة واحدة أو 60 ثانية. وقالت الأرقام، إنه خلال هذه الفترة القصيرة فإن هناك 973 ألف تسجيل دخول علي موقع «فيسبوك»، 7.3 مليون عملية بحث عبر «غوغل»، و266 ألف ساعة مشاهدة على «نتفليكس»، و38 مليون رسالة عبر تطبيق «واتساب»، و863 ألف دولار مشتريات، و25 ألف صورة، و18 مليون رسالة نصية، و3.4 مليون مشاهدة فيديو، و375 ألف تحميل، و174 ألف تصفح، و481 ألف تغريدة، و187 مليون رسالة إلكترونية. كل ذلك خلال دقيقة واحدة، فماذا يكون الحال خلال ساعة أو يوم أو شهر أو سنة، ودون الدخول في كثير من التفاصيل، فإن كل ذلك يعكس حالة من التفاعل الإنساني في مجال واحد هو الاتصالات، فإذا ما أضيفت له كافة أشكال التفاعل الإنساني من تجارة وإنتاج وابتكار ومواصلات وهجرة وانتقال سوف نعرف أي ثورة يعيشها الإنسان للعولمة في هذه المرحلة من التاريخ.
المسألة هي أنه في عمليات «الانفصال» و«التفكيك» الجارية بين دول وشعوب العالم، فإن آليات التكنولوجيا تخلق أشكالاً من التواصل والاتصال والتفاعل لم تشهدها البشرية من قبل. وإذا كان اجتماع الدول الصناعية السبع في كندا، والانتخابات الإيطالية، و«بريكست» كظاهرة في الدول الأوروبية، تشهد بعمليات «ضد العولمة»، بل وعاكسة لها إلى داخل حدود الدول؛ فإن ظاهرة مثل كأس العالم لكرة القدم التي سوف تجري في روسيا غداً تأخذ بشكل متزايد اتجاهاً نحو «العالمية» غير مسبوق في عالميته من حيث الاهتمام والتنظيم، وتظهر فيها «فيفا» كما لو كانت حكومة عالمية على الأقل في مجال كرة القدم. فرغم أن كل الدول المشاركة في «المونديال» تبرز أعلامها وبعضاً من تقاليدها، فإن سيادتها تنتهي عند ذلك الحد، فهي لا تستطيع بث مبارياتها في دولتها، كما أنها لا تستطيع التدخل في عدد اللاعبين الذين سيلعبون بعد أن قرر الاتحاد الدولي أن كل الدول المشاركة لا تصطحب أكثر من 23 لاعباً. التحكيم وآلياته (سوف تدخل آلية الفيديو هذه المرة) والتسويق والعوائد المالية وحقوق اللاعبين وأصول البيع والشراء للاعبين والإعلان كلها تخضع للوائح «فيفا». المدهش، أن الكثير من دول العالم تستخدم مدربين من غير جنسيتها، وساعة عزف «السلام الوطني» فإن الأرجح أنهم سوف يرددون نشيد البلد الذي يدربونه في نوع من الجنسية العالمية المؤقتة!
هل تنتصر «العولمة» أم القوى المضادة لها؟ هو سمة تساؤل العصر الحالي من التطور البشري في العقود الأولى للقرن الواحد والعشرين. المؤكد الوحيد هو أن الثورات الصناعية والتكنولوجية لن تتوقف، وهي بطبيعتها سوف تخلق سلاسل من التناقضات التي يلعب عليها الساسة بالمنافسة أو الصراع أو التعاون، سواء كان ذلك في داخل بلادهم أم في خارجها. هي أيام مثيرة حقاً!

عن "الشرق الأوسط"

اقرأ المزيد...

الوسوم: